الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب كراهة إفراد يوم الجمعة ويوم السبت بالصوم

جزء التالي صفحة
السابق

باب كراهة إفراد يوم الجمعة ويوم السبت بالصوم

1728 - ( عن محمد بن عباد بن جعفر قال : سألت جابرا : { أنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة ؟ قال : نعم } . متفق عليه .

وللبخاري في رواية : أن يفرد بصوم ) .

1729 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم ، أو بعده يوم } رواه الجماعة إلا النسائي . ولمسلم : { ولا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم } ولأحمد { يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده } ) .

1730 - ( وعن جويرية { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها في يوم الجمعة وهي صائمة فقال : أصمت أمس ؟ قالت : لا ، قال : تصومين غدا ؟ قالت لا ، قال : فأفطري } رواه أحمد والبخاري وأبو داود وهو دليل على أن التطوع لا يلزم بالشروع ) .

1731 - ( وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا تصوموا يوم الجمعة وحده } ) .

1732 - ( وعن جنادة الأزدي قال : { دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم جمعة في سبعة من الأزد إناثا منهم وهو يتغدى ، فقال : هلموا إلى الغداء ، فقلنا : يا رسول الله : إنا صيام ، فقال : أصمتم أمس ؟ قلنا : لا ، قال : أفتصومون غدا ؟ قلنا لا ، قال : فأفطروا ، فأكلنا معه ; فلما خرج وجلس على المنبر دعا بإناء من ماء فشرب ، وهو على المنبر والناس ينظرون يريهم أنه لا يصوم يوم الجمعة } . رواهما أحمد ) .

[ ص: 296 ]

التالي السابق


[ ص: 296 ] حديث ابن عباس هو مثل حديث أبي هريرة المتقدم ، وفي إسناده الحسين بن عبد الله بن عبيد الله . وثقه ابن معين وضعفه الأئمة .

وحديث جنادة الأزدي هو مثل حديث جويرية وأخرجه أيضا الحاكم وأخرجه أيضا النسائي بإسناد رجاله رجال الصحيح إلا حذيفة البارقي وهو مقبول . قوله : ( قال : نعم ) زاد مسلم وأحمد وغيرهما قالا : نعم ورب هذا البيت - وفي رواية النسائي . " ورب الكعبة " ووهم صاحب العمدة فعزاها إلى مسلم قوله : ( أن يفرد بصوم ) فيه دليل على أن النهي المطلق في الرواية الأولى مقيد بالإفراد لا إذا لم يفرد الجمعة بالصوم كما يأتي في بقية الروايات قوله : ( إلا وقبله يوم أو بعده يوم ) أي إلا أن تصوموا قبله يوما أو تصوموا بعده يوما ، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي فقال : " إلا أن تصوموا قبله أو بعده " ، وفي رواية لمسلم { إلا أن تصوموا قبله يوما أو بعده يوما } وهذه الروايات تفيد مطلق النهي أيضا . قوله : ( ولا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ) فيه دليل على عدم جواز تخصيص ليلة الجمعة بقيام أو صلاة من بين الليالي .

قال النووي في شرح مسلم : وهذا متفق على كراهته . قال : واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى الرغائب قاتل الله واضعها ومخترعها ، فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة وجهالة وفيها منكرات ظاهرة . وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها ودلائل قبحها وبطلانها وتضليل فاعلها أكثر من أن تحصر ، والله أعلم انتهى .

واستدل بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام . وقد حكاه ابن المنذر وابن حزم عن علي وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر . قال ابن حزم : ولا نعلم لهم مخالفا في الصحابة ، ونقله أبو الطيب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية . وقال ابن المنذر : ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد ، وهذا يشعر بأنه يرى تحريمه . وقال أبو جعفر الطبري : يفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد ، ولو صام قبله أو بعده ، وذهب الجمهور إلى النهي فيه للتنزيه . وقال مالك وأبو حنيفة : لا يكره ، واستدلا بحديث ابن مسعود الآتي : { أن النبي صلى الله عليه وسلم قل ما كان يفطر يوم الجمعة } قال في الفتح : وليس فيه حجة ; لأنه يحتمل أنه كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها ، ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم جمعا بين الخبرين .

قال : ومنهم من عده من الخصائص وليس بجيد ; لأنها لا تثبت بالاحتمال انتهى . ويمكن أن يقال : بل دعوى اختصاص صومه به صلى الله عليه وسلم جيدة لما تقرر في الأصول من أن فعله صلى الله عليه وسلم لما نهى عنه نهيا يشمله يكون مخصصا له وحده من العموم ، ونهيا يختص بالأمة لا يكون فعله معارضا له ، إذا لم يقم دليل يدل على التأسي به في ذلك الفعل لخصوصه لا مجرد أدلة التأسي [ ص: 297 ] العامة فإنها مخصصة بالنهي للأمة ; لأنه أخص منها مطلقا . ومن غرائب المقام ما احتج به بعض المالكية على عدم كراهة صوم يوم الجمعة ، فقال : يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده ، وهذا قياس فاسد الاعتبار ; لأنه منصوب في مقابلة النصوص الصحيحة ، وأغرب من ذلك قول مالك في الموطأ : لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن ، وقد رأيت بعضهم يصومه وأراه كان يتحراه . قال النووي : والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره . وقد ثبت أن النهي صوم الجمعة فيتعين القول به ، ومالك معذور فإنه لم يبلغه

قال الداودي من أصحاب مالك : لم يبلغ مالكا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه . وقد اختلف في سبب كراهة إفراد يوم الجمعة بالصيام على أقوال ذكرها صاحب الفتح : منها لكونه عيدا ، ويدل على ذلك رواية أحمد المذكورة في الباب ، واستشكل التعليل بذلك بوقوع الإذن من الشارع بصومه مع غيره . وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم الاستواء من كل وجه ، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم . ومنها لئلا يضعف عن العبادة ، ورجحه النووي ، قال في الفتح : وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه . وأجاب النووي بأنه يحصل بفضيلة الصوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل به يوم صومه من فتور أو تقصير . قال الحافظ : وفيه نظر ، فإن الجبر لا ينحصر في الصوم بل يحصل بجميع أفعال الجبر فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيرا كثيرا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده كمن أعتق رقبة فيه مثلا ولا قائل بذلك ، وأيضا فكأن النهي يختص بمن يخشى عليه الضعف لا من يتحقق منه القوة . ويمكن الجواب عن هذا بأن المظنة أقيمت مقام المئنة كما في جواز الفطر في السفر لمن لم يشق عليه . ومنها خوف المبالغة في تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت . قال في الفتح : وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام وخوف اعتقاد وجوبه . قال في الفتح أيضا : وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس . ومنها خشية أن يفرض عليهم كما خشي صلى الله عليه وسلم من قيام الليل ذلك ، قاله المهلب . قال في الفتح : وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره ، وبأنه لو كان السبب ذلك لجاز صومه بعده صلى الله عليه وسلم لارتفاع الخشية . ومنها مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم ، قال في الفتح : وهو ضعيف . وأقوى الأقوال وأولاها بالصواب الأول ما تقدم من حديث أبي هريرة ، وقد أخرجه الحاكم أيضا ، ولما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي عليه السلام قال : " من كان منكم متطوعا من الشهر فليصم يوم الخميس [ ص: 298 ] ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر "

1733 - ( وعن عبد الله بن بسر عن أخته واسمها الصماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ، فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجرة فليمضغه } رواه الخمسة إلا النسائي ) .

1734 - ( وعن ابن مسعود : { أن النبي صلى الله عليه وسلم قلما كان يفطر يوم الجمعة } رواه الخمسة إلا أبا داود ويحمل هذا على أنه كان يصومه مع غيره ) الحديث الأول أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم والطبراني والبيهقي وصححه ابن السكن قال أبو داود في السنن : قال مالك : هذا الحديث كذب ، وقد أعل بالاضطراب كما قال النسائي لأنه روي كما ذكر المصنف .

وروي عن عبد الله بن بسر وليس فيه عن أخته كما وقع لابن حبان قال الحافظ : وهذه ليست بعلة قادحة فإنه أيضا صحابي ، وقيل : عنه عن أبيه بسر . وقيل عنه عن أخته الصماء عن عائشة قال الحافظ : ويحتمل أن يكون عند عبد الله عن أبيه وعن أخته ، وعند أخته بواسطة قال : ولكن هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتخاذ المخرج يوهن الرواية وينبئ عن قلة ضبطه إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث فلا يكون ذلك دالا على قلة ضبطه وليس الأمر هنا كذا بل اختلف فيه أيضا على الراوي عبد الله بن بسر وقد ادعى أبو داود أن هذا الحديث منسوخ قال في التلخيص ولا يتبين وجه النسخ فيه ثم قال : يمكن أن يكون أخذه من كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر ثم في آخر الأمر قال : خالفوهم والنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى وصيامه إياه يوافق الحالة الثانية وهذه صورة النسخ والله أعلم انتهى .

وقد أخرج النسائي والبيهقي وابن حبان والحاكم عن كريب : { أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعثوه إلى أم سلمة يسألها عن الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر لها صياما فقالت يوم السبت والأحد فرجعت إليهم فكأنهم أنكروا ذلك فقاموا بأجمعهم إليها فسألوها فقالت : صدق وكان يقول : إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أريد أن أخالفهم } - وصحح الحاكم إسناده وصححه أيضا ابن خزيمة .

وروى الترمذي من حديث عائشة قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس . } [ ص: 299 ] وسيأتي . وقد جمع صاحب البدر المنير بين هذه الأحاديث فقال : النهي متوجه إلى الإفراد والصوم باعتبار انضمام ما قبله أو بعده إليه . ويؤيد هذا ما تقدم من إذنه صلى الله عليه وسلم لمن صام الجمعة أن يصوم السبت بعدها والجمع مهما أمكن أولى من النسخ . والحديث الثاني حسنه الترمذي . وقال ابن عبد البر : هو صحيح ، ولا مخالفة بينه وبين الأحاديث السابقة وأنه محمول على أنه كان يصله بيوم الخميس .

وروي بسنده إلى أبي هريرة أنه قال : { من صام الجمعة كتب له عشرة أيام من أيام الآخرة لا يشاكلهن أيام الدنيا } وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال : { ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مفطرا يوم الجمعة قط } وقد تقدم الكلام على صوم يوم الجمعة قوله : ( أو لحاء شجرة ) اللحاء بكسر اللام بعدها حاء مهملة : قشر الشجر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث