الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب وجوب الحج والعمرة وثوابهما

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 331 ] كتاب المناسك باب وجوب الحج والعمرة وثوابهما

1783 - ( عن أبي هريرة قال { : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم } رواه أحمد ومسلم والنسائي . فيه دليل على أن الأمر لا يقتضي التكرار ) .

1784 - ( وعن ابن عباس قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : { يا أيها الناس كتب عليكم الحج ، فقام الأقرع بن حابس فقال : أفي كل عام يا رسول الله ؟ فقال : لو قلتها لوجبت ، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها ، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع } رواه أحمد والنسائي بمعناه ) .

التالي السابق


الحديث الأول تمامه ثم قال : { ذروني ما تركتكم } وفي لفظ : { ولو وجبت ما قمتم بها } .

والحديث الثاني أخرجه أيضا أبو داود وابن ماجه والبيهقي والحاكم وقال : صحيح على شرطهما .

وفي الباب عن أنس عند ابن ماجه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { كتب عليكم الحج ، فقيل : يا رسول الله في كل عام ؟ فقال : لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لم تقوموا بها ، ولو لم تقوموا بها عذبتم } قال الحافظ : ورجاله ثقات .

وعن علي عليه السلام عند الترمذي والحاكم وسنده منقطع قوله : ( باب وجوب الحج والعمرة ) .

الحج بفتح الحاء وهو المصدر ، وبالفتح والكسر هو الاسم منه ، وأصله القصد ويطلق على العمل أيضا ، وعلى الإتيان مرة بعد أخرى ، وأصل العمرة : الزيارة . وقال الخليل : الحج كثرة القصد إلى معظم . ووجوب الحج معلوم بالضرورة الدينية . واختلف في العمرة ، فقيل واجبة ، وقيل : مستحبة ، وللشافعي قولان أصحهما وجوبها ، وسيأتي تفصيل ذلك قريبا . والأحاديث المذكورة في الباب تدل على أن الحج لا يجب إلا مرة واحدة وهو مجمع عليه ، كما قال النووي والحافظ وغيرهما ، وكذلك العمرة [ ص: 332 ] عند من قال بوجوبها لا تجب إلا مرة إلا أن ينذر بالحج أو العمرة وجب الوفاء بالنذر بشرطه . وقد اختلف هل الحج على الفور أو التراخي ، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى . واختلف أيضا في وقت ابتداء افتراض الحج ، فقيل : قبل الهجرة ، قال في الفتح : وهو شاذ

وقيل بعدها ثم اختلف في سنته ، فالجمهور على أنها سنة ست لأنه نزل فيها قوله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله } قال في الفتح : وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض ، ويؤيده قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي بلفظ : " وأقيموا " أخرجه الطبراني بأسانيد صحيحة عنهم . وقيل : المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع ، وهذا يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك . وقد وقع في قصة ضمام ذكر الأمر بالحج ، وكان قدومه على ما ذكر الواقدي سنة خمس

وهذا يدل إن ثبت عنه تقدمه على سنة خمس أو وقوعه فيها ، وقيل : سنة تسع ، حكاه النووي في الروضة والماوردي في الأحكام السلطانية ; ورجح صاحب الهدي أن افتراض الحج كان في سنة تسع أو عشر . واستدل على ذلك بأدلة فلتؤخذ منه قوله : ( لو قلتها لوجبت ) استدل به على أن النبي صلى الله عليه وسلم مفوض في شرع الأحكام ، وفي ذلك خلاف مبسوط في الأصول

1785 - ( وعن أبي رزين العقيلي أنه { أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ، ولا العمرة ، ولا الظعن ، فقال : حج عن أبيك واعتمر } رواه الخمسة وصححه الترمذي ) . الحديث يدل على جواز حج الولد عن أبيه العاجز عن المشي ، وسيأتي الكلام عليه في باب وجوب الحج على المعضوب ، وذكره المصنف رحمه اللهتعالى في هذا الباب للاستدلال به على وجوب الحج والعمرة

قال الإمام أحمد : لا أعلم في إيجاب العمرة حديثا أجود من هذا ولا أصح منه انتهى . وقد جزم بوجوب العمرة جماعة من أهل الحديث وهو المشهور عن الشافعي وأحمد ، وبه قال إسحاق والثوري والمزني والناصر والمشهور عن المالكية أن العمرة ليست بواجبة ، وهو قول الحنفية وزيد بن علي والهادوية ولا خلاف في المشروعية وقد روي في الجامع الكافي القول بوجوب العمرة عن علي وابن عباس وابن عمر وعائشة وزين العابدين وطاوس والحسن البصري وابن سيرين وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء . واستدل القائلون بعدم الوجوب بما أخرجه الترمذي وصححه أحمد والبيهقي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن جابر : { أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا [ ص: 333 ] رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هي ؟ فقال : لا ، وأن تعتمر خير لك وفي رواية أولى لك . } وأجيب عن الحديث بأن في إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف وتصحيح الترمذي له فيه نظر ; لأن الأكثر على تضعيف الحجاج واتفقوا على أنه مدلس قال النووي : ينبغي أن لا يغتر بالترمذي في تصحيحه ، فقد اتفق الحفاظ على تضعيفه انتهى . على أن تصحيح الترمذي له إنما ثبت في رواية الكرخي فقط ، وقد نبه صاحب الإمام على أنه لم يرد على قوله حسن في جميع الروايات عنه إلا في رواية الكرخي . وقد قال ابن حزم : إنه مكذوب باطل ، وهو إفراط لأن الحجاج وإن كان ضعيفا فليس متهما بالوضع

. وقد رواه البيهقي من حديث سعيد بن عفير عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر بنحوه . ورواه ابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر ، ورواه ابن عدي من طريق أبي عصمة عن ابن المنكدر عن أبي صالح وأبو عصمة قد كذبوه

وفي الباب عن أبي هريرة عند الدارقطني وابن حزم والبيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الحج جهاد والعمرة تطوع } وإسناده ضعيف ، كما قال الحافظ . وعن طلحة عند ابن ماجه بإسناد ضعيف . وعن ابن عباس عند البيهقي قال الحافظ : ولا يصح من ذلك شيء ، وبهذا تعرف أن الحديث من قسم الحسن لغيره ، وهو محتج به عند الجمهور ويؤيده ما عند الطبراني عن أبي أمامة مرفوعا : { من مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة ، ومن مشى إلى صلاة تطوع فأجره كعمرة } واستدل القائلون بوجوب العمرة بما أخرجه الدارقطني من حديث زيد بن ثابت بلفظ : { الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت } وأجيب عنه بأن في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف ، وفي الحديث أيضا انقطاع ورواه البيهقي موقوفا على زيد قال الحافظ : وإسناده أصح ، وصححه الحاكم ورواه ابن عدي عن جابر ، وفي إسناده ابن لهيعة .

وفي الباب عن عمر في سؤال جبريل ، وفيه : " وأن تحج وتعتمر " أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني وغيرهم عن عائشة عند أحمد وابن ماجه : { قالت : يا رسول الله على النساء جهاد ؟ قال . : عليهن جهاد لا قتال فيه : الحج والعمرة } وسيأتي . والحق عدم وجوب العمرة لأن البراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف ، ولا دليل يصلح لذلك لا سيما مع اعتضادها بما تقدم من الأحاديث القاضية بعدم الوجوب . ويؤيد ذلك اقتصاره صلى الله عليه وسلم على الحج في حديث : { بني الإسلام على خمس } واقتصار الله جل جلاله على الحج في قوله تعالى: { ولله على الناس حج البيت } وقد استدل على الوجوب بحديث عمر الآتي قريبا وسيأتي الجواب عنه . وأما قوله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله } فلفظ التمام مشعر بأنه إنما يجب بعد الإحرام لا قبله . ويدل على ذلك ما أخرجه الشيخان وأهل السنن وأحمد [ ص: 334 ] والشافعي وابن أبي شيبة عن يعلى بن أمية قال : { جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة عليه جبة وعليها خلوق فقال : كيف تأمرني أن اصنع في عمرتي ; فأنزل الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم الآية } . فهذا السبب في نزول الآية ، والسائل قد كان أحرم وإنما سأل كيف يصنع "

1786 - ( وعن عائشة قالت { : قلت : يا رسول الله هل على النساء من جهاد ؟ قال : نعم ، عليهن جهاد لا قتال فيه : الحج والعمرة } رواه أحمد وابن ماجه وإسناده صحيح ) . الحديث فيه دليل على أن الجهاد غير واجب على النساء ، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك ، وفيه إشارة إلى وجوب العمرة وقد تقدم البحث عن ذلك .

1787 - ( وعن أبي هريرة قال { : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أفضل ؟ قال : إيمان بالله وبرسوله ، قال : ثم ماذا ؟ قال : ثم الجهاد في سبيل الله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : ثم حج مبرور } متفق عليه ، وهو حجة لمن فضل نفل الحج على نفل الصدقة ) .

1788 - ( وعن عمر بن الخطاب قال { : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء رجل فقال : يا محمد ما الإسلام ؟ قال : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتحج البيت وتعتمر ، وتغتسل من الجنابة ، وتتم الوضوء وتصوم رمضان ، وذكر باقي الحديث ، وأنه قال : هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم } رواه الدارقطني وقال : هذا إسناد ثابت صحيح . ورواه أبو بكر الجوزقي في كتابه المخرج على الصحيحين . )

1789 - ( وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة } رواه الجماعة إلا أبا داود ) . قوله : ( إيمان بالله . . . إلخ ) فيه دليل على أن الإيمان بالله وبرسوله أفضل من الجهاد ، والجهاد [ ص: 335 ] أفضل من الحج المبرور . وقد اختلفت الأحاديث المشتملة على بيان فاضل الأعمال من مفضولها ، فتارة تجعل الأفضل الجهاد وتارة الإيمان وتارة الصلاة وتارة غير ذلك ، وأحق ما قيل في الجمع بينهما : إن بيان الفضيلة يختلف باختلاف المخاطب ، فإذا كان المخاطب ممن له تأثير في القتال وقوة على مقارعة الأبطال قيل له : أفضل الأعمال الجهاد ، وإذا كان كثير المال قيل له : أفضل الأعمال الصدقة ، ثم كذلك يكون الاختلاف على حسب اختلاف المخاطبين قوله : ( مبرور ) قال ابن خالويه : المبرور : المقبول . وقال غيره : الذي لا يخالطه شيء من الإثم . ورجحه النووي . وقيل غير ذلك . وقال القرطبي : الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى ، وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه فوقع موقعا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل ولأحمد والحاكم من حديث جابر { قالوا : يا رسول الله ما بر الحج ؟ قال : إطعام الطعام ، وإفشاء السلام } قال في الفتح : وفي إسناده ضعف ولو ثبت كان هو المتعين دون غيره

قوله : ( ما الإسلام ) إلى قوله : " وتحج البيت " قد تقدم الكلام على هذه الكلمات في أوائل كتاب الصلاة قوله : ( وتعتمر ) فيه متمسك لمن قال بوجوب العمرة ، ولكنه لا يكون مجرد اقتران العمرة بهذه الأمور الواجبة دليلا على الوجوب لما تقرر في الأصول من

ضعف دلالة الاقتران

لا سيما وقد عارضها ما سلف من الأدلة القاضية بعدم الوجوب . فإن قيل : إن وقوع العمرة في جواب من سأل عن الإسلام يدل على الوجوب ، فيقال : ليس كل أمر من الإسلام واجبا ، والدليل على ذلك حديث شعب الإسلام والإيمان ، فإنه اشتمل على أمور ليست بواجبة بالإجماع قوله : ( كفارة لما بينهما ) أشار ابن عبد البر إلى أن المراد تكفير الصغائر دون الكبائر . قال : وذهب بعض العلماء من عصرنا إلى أن المراد تعميم ذلك ثم بالغ في الإنكار عليه . وقد تقدم البحث عن مثل هذا في مواضع من هذا الشرح . وقد استشكل بعضهم كون العمرة كفارة مع أن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر ، فماذا تكفر العمرة ؟ وأجيب بأن تكفير العمرة مقيد بزمنها ، وتكفير الاجتناب للكبائر عام لجميع عمر العبد فتغايرا من هذه الحيثية ، وقد جعل البخاري هذا الحديث المذكور من جملة أدلة وجوب العمرة وفضلها وهو لا يصلح للاستدلال به على الوجوب ، وقد قيل : إنه أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث المذكور وهو ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث ابن مسعود مرفوعا { تابعوا بين الحج والعمرة فإن المتابعة بينهما تنفي الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد ، وليس للحجة المبرورة جزاء إلا الجنة } فإن ظاهره التسوية بين أصل الحج والعمرة ، ولكن الحق ما أسلفناه ، لأن هذا استدلال بمجرد الاقتران وقد تقدم ما فيه ، وأما الأمر بالمتابعة فهو مصروف عن معناه الحقيقي بما سلف .

وفي الحديث دلالة على [ ص: 336 ] استحباب الاستكثار من الاعتمار خلافا لقول من قال : يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرة كالمالكية ولمن قال : يكره أكثر من مرة في الشهر من غيرهم ، واستدل للمالكية بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة وأفعاله على الوجوب أو الندب

وتعقب بأن المندوب لا ينحصر في أفعاله صلى الله عليه وسلم فقد كان يترك الشيء وهو يستحب فعله لدفع المشقة عن أمته ، وقد ندب إلى العمرة بلفظه ، فثبت الاستحباب من غير تقييد واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن يكن متلبسا بالحج إلا ما نقل عن الحنفية أنها تكره في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق . وعن الهادوية أنها تكره في أيام التشريق فقط ، وعن الهادوية أنها تكره في أشهر الحج لغير المتمتع والقارن إذ يشتغل بها عن الحج ، ويجاب بأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في عمره ثلاث عمر مفردة كلها في أشهر الحج ، وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب جواز العمرة في جميع السنة

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث