الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب استحباب الوضوء مما مسته النار والرخصة في تركه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

أبواب ما يستحب الوضوء لأجله

باب استحباب الوضوء مما مسته النار والرخصة في تركه

264 - ( عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد [ ص: 262 ] فقال : إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { توضئوا مما مست النار } ) .

265 - وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { توضئوا مما مست النار } .

266 - ( وعن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله رواهن أحمد ومسلم والنسائي ) .

التالي السابق


قوله : ( أثوار أقط ) الأثوار جمع ثور هي القطعة وهي من الأقط بالثاء المثلثة والأقط : لبن جامد مستحجر وهو مما مسته النار . قوله : ( يتوضأ على المسجد ) استدل به على جواز الوضوء في المسجد . وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على جوازه ما لم يؤذ به أحدا . والأحاديث تدل على وجوب الوضوء مما مسته النار ، وقد اختلف الناس في ذلك ، فذهب جماعة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة ، وعبد الله بن مسعود وأبو الدرداء وابن عباس وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وجابر بن سمرة وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة وأبي بن كعب وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله وعائشة وجماهير التابعين ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وابن المبارك وأحمد وإسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى وأبي ثور وأبي خيثمة وسفيان الثوري وأهل الحجاز وأهل الكوفة إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسته النار .

وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي مما مسته النار ، وقد ذكرناهم في باب الوضوء من لحوم الإبل ، استدل الأولون بالأحاديث التي سيأتي ذكرها في هذا الباب ، واستدل الآخرون بالأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء مما مسته النار ، وقد ذكر المصنف بعضها ههنا . وأجاب الأولون عن ذلك بجوابين . الأول : أنه منسوخ بحديث جابر الآتي . الثاني : أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين ، قال النووي : ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول ثم أجمع العلماء بعد ذلك أنه لا يجب الوضوء من أكل ما مسته النار ، ولا يخفاك أن الجواب الأول إنما يتم بعد تسليم أن فعله صلى الله عليه وسلم يعارض القول الخاص بنا وينسخه ، والمتقرر في الأصول خلافا وقد نبهناك على ذلك في باب الوضوء من لحوم الإبل .

وأما الجواب الثاني فقد تقرر أن الحقائق الشرعية مقدمة على غيرها ، وحقيقة الوضوء الشرعية : هي غسل جميع الأعضاء التي تغسل للوضوء فلا يخالف هذه الحقيقة إلا لدليل . وأما دعوى الإجماع فهي من الدعاوى التي لا يهابها طالب الحق ولا تحول بينه وبين مراده منه نعم ، الأحاديث الواردة في ترك التوضؤ من لحوم الغنم مخصصة [ ص: 263 ] لعموم الأمر بالوضوء مما مست النار وما عدا لحوم الغنم داخل تحت ذلك العموم .

267 - وعن ميمونة قالت : { أكل النبي صلى الله عليه وسلم من كتف شاة ، ثم قام فصلى ولم يتوضأ } .

268 - ( وعن { عمرو بن أمية الضمري قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من كتف شاة ، فأكل منها فدعي إلى الصلاة ، فقام وطرح السكين وصلى ولم يتوضأ } متفق عليهما ) . قوله : ( يحتز من كتف شاة ) قال النووي : فيه جواز قطع اللحم بالسكين وذلك قد تدعو الحاجة إليه لصلابة اللحم أو كبر القطعة قالوا : ويكره من غير حاجة . قوله : ( فدعي إلى الصلاة ) في هذا دليل على استحباب استدعاء الأئمة إلى الصلاة إذا حضر وقتها . والحديث يدل على عدم وجوب الوضوء مما مسته النار ، وقد عرفت الخلاف والكلام فيه فلا نعيده .

269 - ( وعن { جابر قال : أكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر خبزا ولحما فصلوا ولم يتوضئوا } رواه أحمد . )

270 - ( وعن جابر قال : { كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار } رواه أبو داود والنسائي ) . الحديث الأول أخرجه ابن أبي شيبة والضياء في المختارة . والحديث الآخر أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان ، وقال أبو داود : هذا اختصار من حديث ( قربت للنبي صلى الله عليه وسلم خبزا ولحما فأكله ثم دعا بالوضوء فتوضأ قبل الظهر ثم دعا بفضل طعامه فأكل ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ ) وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه نحوه وزاد : يمكن أن يكون شعيب بن أبي حمزة حدث به من حفظه فوهم فيه . وقال ابن حبان نحوا مما قاله أبو داود ، وله علة أخرى ، قال الشافعي في سنن حرملة : لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل ، وقال البخاري في الأوسط : حدثنا علي بن المديني قال : قلت لسفيان : إن أبا علقمة الفروي روى عن ابن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أكل لحما ولم يتوضأ ) فقال : أحسبني سمعت ابن المنكدر قال : أخبرني [ ص: 264 ] من سمع جابرا . قال الحافظ : ويشهد لأصل الحديث ما أخرجه البخاري في الصحيح عن سعيد بن الحارث قلت لجابر : الوضوء مما مست النار قال : لا ، وللحديث شاهد من حديث محمد بن مسلمة ، أخرجه الطبراني في الأوسط ولفظه : ( أكل آخر أمره لحما ثم صلى ولم يتوضأ ) وقال النووي في شرح مسلم : حديث جابر حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم الصحيحة ، والحديث يدل على عدم وجوب الوضوء مما مسته النار

، وقد تقدم الكلام على ذلك . قال المصنف رحمه الله: وهذه النصوص إنما تنفي الإيجاب لا الاستحباب ولهذا قال للذي سأله : ( أنتوضأ من لحوم الغنم قال : إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ ) ولولا أن الوضوء من ذلك مستحب لما أذن فيه ; لأنه إسراف وتضييع للماء بغير فائدة انتهى

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث