الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب قضاء الفوائت

478 - ( عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك } متفق عليه ، ولمسلم : { إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله عز وجل يقول : { أقم الصلاة لذكري ) } } .

479 - ( وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله تعالى يقول : { وأقم الصلاة لذكري } } . رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي ) .

التالي السابق


قوله : ( من نسي ) تمسك بدليل الخطاب من قال : إن العامد لا يقضي الصلاة ; لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط ، فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي ، وإلى ذلك ذهب داود وابن حزم وبعض أصحاب الشافعي ، وحكاه في البحر عن ابني الهادي والأستاذ ، ورواية عن القاسم والناصر .

قال ابن تيمية حفيد المصنف : والمنازعون لهم ليس لهم حجة [ ص: 32 ] قط يرد إليها عند التنازع وأكثرهم يقولون : لا يجب القضاء إلا بأمر جديد ، وليس معهم هنا أمر ونحن لا ننازع في وجوب القضاء فقط ، بل ننازع في قبول القضاء منه وصحة الصلاة في غير وقتها وأطال البحث في ذلك واختار ما ذكره داود ومن معه والأمر كما ذكره فإني لم أقف مع البحث الشديد للموجبين للقضاء على العامد وهم من عدا من ذكرنا على دليل ينفق في سوق المناظرة ، ويصلح للتعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم إلا حديث { فدين الله أحق أن يقضى } باعتبار ما يقتضيه اسم الجنس المضاف من العموم ، ولكنهم لم يرفعوا إليه رأسا .

وأنهض ما جاءوا به في هذا المقام قولهم : إن الأحاديث الواردة بوجوب القضاء على الناسي يستفاد من مفهوم خطابها وجوب القضاء على العامد ; لأنها من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى ، فتدل بفحوى الخطاب وقياس الأولى على المطلوب وهذا مردود ; لأن القائل بأن العامد لا يقضي لم يرد أنه أخف حالا من الناسي بل بأن المانع من وجوب القضاء على العامد أنه لا يسقط الإثم عنه فلا فائدة فيه ، فيكون إثباته مع عدم النص عبثا بخلاف الناسي والنائم فقد أمرهما الشارع بذلك وصرح بأن القضاء كفارة لهما لا كفارة لهما سواه ، ومن جملة حججهم أن قوله في الحديث : { لا كفارة لها إلا ذلك } يدل على أن العامد مراد بالحديث ; لأن النائم والناسي لا إثم عليهما ، قالوا : فالمراد بالناسي التارك سواء كان عن ذهول أم لا .

ومنه قوله تعالى: { نسوا الله فنسيهم } وقوله تعالى: { نسوا الله فأنساهم أنفسهم } ولا يخفى عليك أن هذا الكلام يستلزم عدم وجوب القضاء على الناسي والنائم لعدم الإثم الذي جعلوا الكفارة منوطة به والأحاديث الصحيحة قد صرحت بوجوب ذلك عليهما ، وقد استضعف الحافظ في الفتح هذا الاستدلال . وقال : الكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد ، على أنه قد قيل : إن المراد بالكفارة هي الإتيان بها تنبيها على أنه لا يكفي مجرد . التوبة والاستغفار من دون فعل لها .

وقد أنصف ابن دقيق العيد فرد جميع ما تشبثوا به ، والمحتاج إلى إمعان النظر ما ذكرنا لك سابقا من عموم حديث : { فدين الله أحق أن يقضى } لا سيما على قول من قال : إن وجوب القضاء بدليل هو الخطاب الأول الدال على وجوب الأداء ، فليس عنده في وجوب القضاء على العامد فيما نحن بصدده تردد ; لأنه يقول : المتعمد للترك قد خوطب بالصلاة ووجب عليه تأديتها فصارت دينا عليه ، والدين لا يسقط إلا بأدائه ، إذا عرفت هذا علمت أن المقام من المضايق وأن قول النووي في شرح مسلم بعد حكاية قول من قال : لا يجب القضاء على العامد أنه خطأ من قائله وجهالة - من الإفراط المذموم .

وكذلك قول المقبلي في المنار : إن باب القضاء ركب على غير أساس ليس فيه كتاب ولا سنة إلى آخر كلامه من التفريط . قوله : ( لا كفارة لها إلا ذلك ) استدل بالحصر الواقع [ ص: 33 ] في هذه العبارة على الاكتفاء بفعل الصلاة عند ذكرها وعدم وجوب إعادتها عند حضور وقتها من اليوم الثاني ، وسيأتي الكلام علي ذلك عند الكلام على حديث عمران بن حصين من آخر هذا الباب . والأمر بفعلها عند الذكر يدل على وجوب المبادرة بها فيكون حجة لمذهب من قال بوجوبه على الفور ، وهو الهادي والمؤيد بالله والناصر وأبو حنيفة وأبو يوسف والمزني والكرخي .

وقال القاسم ومالك والشافعي وروي عن المؤيد بالله أنه على التراخي واستدلوا في قضاء الصلاة بما في بعض روايات حديث نوم الوادي من { أنه لما استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم بعد فوات الصلاة بالنوم أخر قضاءها واقتادوا رواحلهم حتى خرجوا من الوادي } ورد بأن التأخير لمانع آخر وهو ما دل عليه الحديث بأن ذلك الوادي كان به شيطان ، ولأهل القول الأول حجج غير مختصة بقضاء الصلاة ، وكذلك أهل القول الآخر .

واعلم أن الصلاة المتروكة في وقتها لعذر النوم والنسيان لا يكون فعلها بعد خروج وقتها المقدر لها لهذا العذر قضاء ، وإن لزم ذلك باصطلاح الأصول لكن الظاهر من الأدلة أنها أداء لا قضاء ، فالواجب الوقوف عند مقتضى الأدلة حتى ينتهض دليل يدل على القضاء . والحديثان يدلان على وجوب فعل الصلاة إذا ما فاتت بنوم أو نسيان وهو إجماع . قال المصنف رحمه الله تعالىبعد أن ساق حديث أبي هريرة : وفيه أن الفوائت يجب قضاؤها على الفور وأنها تقضى في أوقات النهي وغيرها ، وأن من مات وعليه صلاة فإنها لا تقضى عنه ولا يطعم عنه لها لقوله : { لا كفارة لها إلا ذلك } وفيه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخه انتهى .

480 - ( وعن أبي قتادة قال : { ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاة ، فقال : إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة ، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها } . رواه النسائي والترمذي وصححه ) . الحديث أخرجه أيضا أبو داود من حديثه . قال الحافظ : وإسناده على شرط مسلم ، ورواه مسلم بنحوه في قصة نومهم في صلاة الفجر ولفظه : { ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حتى ينتبه لها فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها } الحديث يدل على أن النائم ليس بمكلف حال نومه وهو إجماع ولا ينافيه إيجاب الضمان عليه ما أتلفه وإلزامه أرش ما جناه ; لأن ذلك من الأحكام الوضعية لا التكليفية ، وأحكام الوضع تلزم النائم والصبي والمجنون بالاتفاق [ ص: 34 ] وظاهر الحديث أنه لا تفريط في النوم سواء كان قبل دخول وقت الصلاة أو بعده قبل تضيقه

وقيل : إنه إذا تعمد النوم قبل تضيق الوقت واتخذ ذلك ذريعة إلى ترك الصلاة لغلبة ظنه أنه لا يستيقظ إلا وقد خرج الوقت كان آثما ، والظاهر أنه لا إثم عليه بالنظر إلى النوم ; لأنه فعله في وقت يباح فعله فيه فيشمله الحديث ، وأما إذا نظر إلى التسبب به للترك فلا إشكال في العصيان بذلك ولا شك في إثم من نام بعد تضيق الوقت لتعليق الخطاب به ، والنوم مانع من الامتثال ، والواجب إزالة المانع ، وقد تقدم الكلام على قوله في الحديث " فإذا نسي أحدكم صلاة " . . . إلخ .

481 - ( { وعن أبي قتادة في قصة نومهم عن صلاة الفجر قال : ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم } . رواه أحمد ومسلم ) . الحديث أورده مسلم مطولا وذكر فيه قصة أبي قتادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه على راحلته وأن أبا قتادة زعمه ثلاث مرات ، وأخرج النسائي وابن ماجه طرفا منه .

قوله : ( ثم أذن بلال ) فيه استحباب الأذان للصلاة الفائتة .

قوله : ( فصلى ) . . . إلخ فيه استحباب قضاء السنة الراتبة ; لأن الظاهر أن هاتين الركعتين اللتين قبل الغداة هما سنة الصبح

قوله : ( كما كان يصنع كل يوم ) فيه إشارة إلى أن صفة قضاء الفائتة كصفة أدائها فيؤخذ منه أن فائتة الصبح يقنت فيها وإلى ذلك ذهبت الشافعية وسيأتي الكلام على القنوت وتحقيق ما هو الحق فيه . ويؤخذ منه أيضا أنه يجهر في الصبح المقضية بعد طلوع الشمس . ولهذا قال المصنف رحمه الله: وفيه دليل على الجهر في قضاء الفجر نهارا انتهى . وقال بعض أصحاب الشافعي : إنه يسن فقط وحمل قوله كما كان يصنع على الأفعال فقط وفيه ضعف .

482 - ( وعن عمران بن حصين قال : { سرينا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان في آخر الليل عرسنا فلم نستيقظ حتى أيقظنا حر الشمس فجعل الرجل منا يقوم دهشا إلى طهوره ، ثم أمر بلالا فأذن ، ثم صلى الركعتين قبل الفجر ، ثم أقام فصلينا فقالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نعيدها في وقتها من الغد ؟ فقال : أينهاكم ربكم تعالى عن الربا ويقبله منكم } . رواه أحمد في مسنده ) . الحديث أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما وابن أبي شيبة والطبراني ، وأخرجه [ ص: 35 ] البخاري ومسلم مطولا عن أبي رجاء العطاردي عن عمران ، وليس فيهما ذكر الأذان والإقامة ولا قوله " فقالوا : يا رسول الله ألا نعيدها إلى آخره " . وأخرجه أبو داود من حديث الحسن عن عمران وفيه ذكر الأذان والإقامة دون قوله : " فقالوا يا رسول الله إلى آخر الحديث المذكور " ولكنه أخرج هذه الزيادة التي في حديث الباب النسائي ، وذكرها الحافظ في الفتح واحتج بها ، ويعارضها ما في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة بلفظ : { فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها } .

وما في سنن أبي داود من حديث عمران بن حصين بلفظ { : من أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض مثلها } ويشهد لصحة تلك الرواية ما تقدم في أول الباب من حديث أنس بلفظ : { لا كفارة لها إلا ذلك } ويدل على صحتها إجماع المسلمين على عدم وجوب قضاء تلك الصلاة التي فعلها النائم عند استيقاظه والساهي عند ذكره إذا حضر وقتها ، كما صرح بذلك الخطابي والحافظ ابن حجر

والمعارضة برواية مسلم السابقة غير صحيحة لاحتمال أن يريد بقوله فليصلها عند وقتها أي الصلاة التي تحضر ; لأنه ربما توهم أن وقتها قد تحول إلى ذلك الوقت الذي ذكرها فيه ، ولا يريد أنه يعيد الصلاة بعد خروج وقتها ، ذكر معنى ذلك النووي والحافظ وغيرهما . وأما رواية أبي داود فقال الحافظ : إنها خطأ من راويها ، قال : وحكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري .

وقد ذكر الحافظ في الفتح أنه رواها أبو داود من حديث عمران بن حصين ورأيناها في السنن من حديث أبي قتادة الأنصاري ، ولم يتفرد بها عمران حتى يقال في تضعيفها إنها من رواية الحسن عنه وقد صرح علي بن المديني وأبو حاتم وغيرهما أن الحسن لم يسمع منه ولكنها لا تنتهض لمعارضة حديث الباب بعد تأييده بما أسلفنا لا سيما بعد تصريح الحافظ بأنها خطأ . قال المصنف رحمه اللهبعد سياقه لحديث الباب : فيه دليل على أن الفائتة يسن لها الأذان والإقامة والجماعة ، وأن النداءين مشروعان في السفر ، وأن السنن الرواتب تقضى انتهى . قوله : ( عرسنا ) التعريس : نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة ، هكذا قاله الخليل . وقال أبو زيد : هو النزول أي وقت كان من ليل أو نهار .

قوله : ( فأذن ثم أقام ) سيأتي الكلام على الأذان والإقامة في القضاء في باب من عليه فائتة آخر الأذان إن شاء الله تعالى

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث