الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب المواضع المنهي عنها والمأذون فيها للصلاة

جزء التالي صفحة
السابق

616 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل } . رواه أحمد والترمذي وصححه ) .

التالي السابق


الحديث أخرجه ابن ماجه وفي الباب عن جابر بن سمرة عند مسلم . وعن البراء عند أبي داود . وعن سبرة بن معبد عند ابن ماجه . وعن عبد الله بن مغفل عند ابن ماجه أيضا والنسائي . وعن ابن عمر عند ابن ماجه أيضا . وعن أنس عند الشيخين . وعن أسيد بن حضير عند الطبراني . وعن سليك الغطفاني عند الطبراني أيضا .

وفي إسناده جابر الجعفي ضعفه الجمهور ووثقه شعبة وسفيان . وعن طلحة بن عبد الله عند أبي يعلى في مسنده . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد .

وفي إسناده ابن لهيعة ، وله حديث آخر عند الطبراني . وعن عقبة بن عامر عند الطبراني ، ورجال إسناده ثقات . وعن يعيش الجهني المعروف بذي الغرة عند أحمد والطبراني ، ورجال إسناده ثقات .

قوله [ ص: 160 ] في مرابض الغنم ) جمع مربض بفتح الميم وكسر الباء الموحدة وآخره ضاد معجمة . قال الجوهري : المرابض للغنم كالمعاطن للإبل واحدها مربض مثال مجلس . قال : وربوض الغنم والبقر والفرس مثل الإبل وجثوم الطير .

قوله : ( في أعطان الإبل ) هي جمع عطن بفتح العين والطاء المهملتين ، وفي بعض الطرق معاطن وهي جمع معطن بفتح الميم وكسر الطاء . قال في النهاية : العطن مبرك الإبل حول الماء . والحديث يدل على جواز الصلاة في مرابض الغنم ، وعلى تحريمها في معاطن الإبل ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل فقال : لا تصح بحال ، وقال : من صلى في عطن إبل أعاد أبدا . وسئل مالك عمن لا يجد إلا عطن إبل ، قال : لا يصلي فيه ، قيل : فإن بسط عليه ثوبا قال : لا . وقال ابن حزم : لا تحل في عطن إبل . وذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة مع عدم النجاسة ، وعلى التحريم مع وجودها . وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهي هي النجاسة وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها .

وقد عرفت ما قدمناه فيه ، ولو سلمنا النجاسة فيه لم يصح جعلها علة لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم ، إذ لا قائل بالفرق بين أرواث كل من الجنسين وأبوالها ، كما قال العراقي ، وأيضا قد قيل : إن حكمة النهي ما فيها من النفور ، فربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطعها ، أو أذى يحصل له منها أو تشويش الخاطر الملهي عن الخشوع في الصلاة . وبهذا علل النهي أصحاب الشافعي وأصحاب مالك ، وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في معاطنها وبين غيبتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ ، ويرشد إلى صحة هذا حديث ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ { : لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الجن ألا ترون إلى عيونها وهيئتها إذا نفرت ؟ } .

وقد يحتمل أن علة النهي أن يجاء بها إلى معاطنها بعد شروعه في الصلاة فيقطعها أو يستمر فيها مع شغل خاطره . وقيل : لأن الراعي يبول بينها . وقيل : الحكمة في النهي كونها خلقت من الشياطين ويدل على هذا أيضا حديث ابن مغفل السابق . وكذا عند النسائي من حديثه . وعند أبي داود من حديث البراء . وعند ابن ماجه بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة . إذا عرفت هذا الاختلاف في العلة تبين لك أن الحق الوقوف على مقتضى النهي وهو التحريم كما ذهب إليه أحمد والظاهرية . وأما الأمر بالصلاة في مرابض الغنم فأمر إباحة ليس للوجوب . قال العراقي اتفاقا : وإنما نبه صلى الله عليه وسلم على ذلك لئلا يظن أن حكمها حكم الإبل ، أو أنه أخرج على جواب السائل حين سأله عن الأمرين فأجاب في الإبل بالمنع ، وفي الغنم بالإذن .

وأما الترغيب المذكور في الأحاديث بلفظ : " فإنها بركة " فهو إنما ذكر لقصد تبعيدها عن حكم الإبل كما وصف أصحاب الإبل بالغلظ والقسوة [ ص: 161 ] ووصف أصحاب الغنم بالسكينة . فائدة : ذكر ابن حزم أن أحاديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل متواترة بنقل تواتر يوجب العلم .

617 - ( وعن زيد بن جبيرة عن داود بن حصين عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { نهى أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة ، والمجزرة ، والمقبرة ، وقارعة الطريق ، وفي الحمام ، وفي أعطان الإبل ، وفوق ظهر بيت الله } . رواه عبد بن حميد في مسنده وابن ماجه والترمذي ، وقال : إسناده ليس بذاك القوي ، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه ، وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، قال : وحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد ، والعمري ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه ) . الحديث في إسناد الترمذي زيد بن جبيرة وهو ضعيف كما قال الترمذي . قال البخاري وابن معين : زيد بن جبيرة متروك . وقال أبو حاتم : لا يكتب حديثه . وقال النسائي : ليس بثقة . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابع عليه . وقال الحافظ في التلخيص : إنه ضعيف جدا .

وفي إسناد ابن ماجه عبد الله بن صالح وعبد الله بن عمر العمري وهما ضعيفان . قال ابن أبي حاتم في العلل : هما جميعا يعني الحديثين واهيان . وصحح الحديث ابن السكن ، وإمام الحرمين ، وقد تقدم الكلام في المقبرة والحمام وأعطان الإبل وما فيها من الأحاديث الصحيحة .

قوله : ( المزبلة ) فيها لغتان فتح الموحدة وضمها ، حكاهما الجوهري وهي المكان الذي يلقى فيه الزبل .

قوله : ( المجزرة ) بفتح الزاي المكان الذي ينحر فيه الإبل وتذبح فيه البقر والغنم .

قوله : ( وقارعة الطريق ) قيل : المراد به أعلى الطريق ، وقيل : صدره ، وقيل : ما برز منه . والحديث يدل على تحريم الصلاة في هذه المواطن . وقد اختلف في العلة في النهي . وأما في المقبرة والحمام وأعطان الإبل فقد تقدم الكلام في ذلك . وأما في المزبلة والمجزرة فلكونهما محلا للنجاسة فتحرم الصلاة فيهما من غير حائل اتفاقا ، ومع حائل فيه خلاف ، وقيل : إن العلة في المجزرة كونها مأوى الشياطين ، ذكر ذلك عن جماعة اطلعوا على ذلك . وأما في قارعة الطريق فلما فيها من شغل الخاطر المؤدي إلى ذهاب الخشوع الذي هو سر الصلاة .

وقيل : لأنها مظنة النجاسة ، وقيل : لأن الصلاة فيها شغل لحق المار ، ولهذا [ ص: 162 ] قال أبو طالب : إنها لا تصح الصلاة فيها ولو كانت واسعة قال : لاقتضاء النهي الفساد . وقال المؤيد بالله والمنصور بالله : لا تكره في الواسعة إذ لا ضرر لأن العلة عندهما الإضرار بالماء . وأما في ظهر الكعبة فلأنه إذا لم يكن بين يديه سترة ثابتة تستره لم تصح صلاته لأنه مصل على البيت لا إلى البيت . وذهب الشافعي إلى الصحة بشرط أن يستقبل من بنائها قدر ثلثي ذراع . وعند أبي حنيفة لا يشترط ذلك وكذا قال ابن سريج قال : لأنه كمستقبل العرصة لو هدم البيت والعياذ بالله .

فائدة : قال القاضي أبو بكر بن العربي : والمواضع التي لا يصلى فيها ثلاثة عشر ، فذكر السبعة المذكورة في حديث الباب وزاد الصلاة إلى المقبرة وإلى جدار مرحاض عليه نجاسة والكنيسة والبيعة وإلى التماثيل وفي دار العذاب . وزاد العراقي الصلاة في الدار المغصوبة والصلاة إلى النائم والمتحدث والصلاة في بطن الوادي والصلاة في الأرض المغصوبة والصلاة في مسجد الضرار والصلاة إلى التنور فصارت تسعة عشر موضعا ، ودليل المنع من الصلاة في هذه المواطن . أما السبعة الأولى فلما تقدم . وأما الصلاة إلى المقبرة فلحديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد وقد تقدم .

وأما الصلاة إلى جدار مرحاض فلحديث ابن عباس في سبعة من الصحابة بلفظ { نهي عن الصلاة في المسجد تجاهه } حش أخرجه ابن عدي ، قال العراقي : ولم يصح إسناده ، وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الله بن عمرو أنه قال : { لا يصلى إلى الحش } وعن علي قال : " لا يصلى تجاه حش " وعن إبراهيم كانوا يكرهون ثلاثة أشياء فذكر منها الحش .

وفي كراهية استقباله خلاف بين الفقهاء ، أما الكنيسة والبيعة فروى ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس أنه كره الصلاة في الكنيسة إذا كان فيها تصاوير ، وقد رويت الكراهة عن الحسن ولم ير الشعبي وعطاء بن أبي رباح بالصلاة في الكنيسة والبيعة بأسا ولم ير ابن سيرين بالصلاة في الكنيسة بأسا ، وصلى أبو موسى الأشعري وعمر بن عبد العزيز في كنيسة .

ولعل وجه الكراهة ما تقدم من اتخاذهم لقبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد لأنها تصير جميع البيع والمساجد مظنة لذلك . وأما الصلاة إلى التماثيل فلحديث عائشة الصحيح : { أنه قال لها صلى الله عليه وسلم : أزيلي عني قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي } وكان لها ستر فيه تماثيل . وأما الصلاة في دار العذاب فلما عند أبي داود من حديث علي وقال : { نهاني حبي أن أصلي في أرض بابل لأنها ملعونة } وفي إسناده ضعف . وأما إلى النائم والمتحدث فهو في حديث ابن عباس عند أبي داود وابن ماجه وفي إسناده من لم يسم ، وأما في بطن الوادي فورد في بعض طرق الحديث الباب بدل المقبرة .

قال الحافظ : وهي زيادة باطلة لا تعرف . وأما الصلاة في الأرض المغصوبة فلما فيها من استعمال مال الغير بغير إذنه . وأما الصلاة في مسجد [ ص: 163 ] الضرار فقال ابن حزم : إنه لا يجزئ أحدا الصلاة فيه لقصة مسجد الضرار وقوله : { لا تقم فيه أبدا } فصح أنه ليس موضع صلاة . وأما الصلاة إلى التنور فكرهها محمد بن سيرين وقال : بيت نار ، رواه ابن أبي شيبة في المصنف ، وزاد ابن حزم فقال : لا تجوز الصلاة في مسجد يستهزأ فيه بالله أو برسوله أو شيء من الدين أو في مكان يكفر بشيء من ذلك فيه .

وزادت الهادوية كراهة الصلاة إلى المحدث والفاسق والسراج . وزاد الإمام يحيى الجنب والحائض فيكون الجميع ستة وعشرين موضعا . واستدل على كراهة الصلاة إلى المحدث بحديث ذكره الإمام يحيى في الانتصار بلفظ : { لا صلاة إلى محدث ، لا صلاة إلى جنب ، لا صلاة إلى حائض } وقيل في الاستدلال على كراهة الصلاة إليه القياس على الحائض ، وقد ثبت أنها تقطع الصلاة ، وأما الفاسق فإهانة له كالنجاسة . وأما السراج فللفرار من التشبه بعبدة النار ، والأولى عدم التخصيص بالسراج ولا بالتنور بل إطلاق الكراهة على استقبال النار ، فيكون استقبال التنور والسراج وغيرهما من أنواع النار قسما . وأما الجنب والحائض فللحديث الذي في الانتصار ولما في الحائض من قطعها للصلاة .

واعلم أن القائلين بصحة الصلاة في هذه المواطن أو في أكثرها تمسكوا في المواطن التي صحت أحاديثها بأحاديث : { أينما أدركتك الصلاة فصل } ونحوها وجعلوها قرينة قاضية بصحة تأويل الأحاديث القاضية بعدم الصحة . وقد عرفناك أن أحاديث النهي عن المقبرة والحمام ونحوهما خاصة فتبنى العامة عليها وتمسكوا في المواطن التي لم تصح أحاديثها بالقدح فيها لعدم التعبد بما لم يصح ، وكفاية البراءة الأصلية حتى يقوم دليل صحيح ينقل عنها لا سيما بعد ورود عمومات قاضية بأن كل موطن من مواطن الأرض مسجد تصح الصلاة فيه ، وهذا متمسك صحيح لا بد منه .

قوله : ( أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد ) قيل : إن قوله من حديث الليث صفة لحديث ابن عمر بأنه من حديث الليث الذي هو أصح من حديث ابن جبيرة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث