الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في قراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه

جزء التالي صفحة
السابق

698 - ( وعن عبادة قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف ، قال : { إني أراكم تقرءون وراء إمامكم } ، قال : قلنا يا رسول الله أي والله ، قال { لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها } . رواه أبو داود والترمذي .

وفي لفظ : { فلا تقرءوا من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن } . رواه أبو داود والنسائي والدارقطني ، وقال : كلهم ثقات ) .

699 - ( وعن عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال . { لا يقرأن أحد منكم شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن } . رواه الدارقطني وقال : رجاله كلهم ثقات ) .

التالي السابق


الحديث أخرجه أيضا أحمد والبخاري في جزء القراءة وصححه وابن حبان والحاكم والبيهقي من طريق ابن إسحاق قال : حدثني مكحول عن محمود بن ربيعة عن عبادة ، وتابعه زيد بن واقد وغيره عن مكحول ، ومن شواهده ما رواه أحمد من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لعلكم تقرءون والإمام يقرأ قالوا : إنا لنفعل . قال : لا ، إلا بأن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب } قال الحافظ : إسناده حسن . ورواه ابن حبان من طريق أيوب عن أبي قلابة عن أنس ، وزعم أن الطريقتين محفوظتان ، وخالفه البيهقي فقال : إن طريق أبي قلابة عن أنس ليست بمحفوظة ، ومحمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث فذهبت مظنة تدليسه وتابعه من تقدم

قوله : ( فثقلت عليه القراءة ) أي شق عليه التلفظ والجهر بالقراءة ويحتمل أن يراد به أنها التبست عليه القراءة بدليل ما عند أبي داود من حديث [ ص: 253 ] عبادة في رواية له بلفظ " فالتبست عليه القراءة " . قوله : ( لا تفعلوا ) هذا النهي محمول على الصلاة الجهرية كما في الرواية الأخرى التي ذكرها المصنف بلفظ " إذا جهرت به " وبلفظ : " إذا جهرت بالقراءة " وفي رواية لمالك والنسائي وأبي داود والترمذي وحسنها عن أبي هريرة بلفظ { فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم } كما تقدم في الحديث الذي قبل هذا .

وفي لفظ للدارقطني { إذا أسررت بقراءتي فاقرءوا وإذا جهرت بقراءتي فلا يقرأ معي أحد } . قوله : ( فإنه لا صلاة ) قد تقدم الكلام على ما يقدر في هذا النفي

والحديث استدل به من قال بوجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام وهو الحق . وقد تقدم بيان ذلك ، وظاهر الحديث الإذن بقراءة الفاتحة جهرا لأنه استثنى من النهي عن الجهر خلفه ، ولكنه أخرج ابن حبان من حديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أتقرءون في صلاتكم خلف الإمام والإمام يقرأ ؟ فلا تفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه } وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط والبيهقي ، وأخرجه عبد الرزاق عن أبي قلابة مرسلا ، وظاهر التقييد بقوله " من القرآن " يدل على أنه لا بأس بالاستفتاح حال قراءة الإمام بما ليس بقرآن والتعوذ والدعاء . وقد ذهب ابن حزم إلى أن المؤتم لا يأتي بالتوجه وراء الإمام ، قال : لأن فيه شيئا من القرآن ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ خلف الإمام إلا أم القرآن وهو فاسد ; لأنه إن أراد بقوله : لأن فيه شيئا من القرآن كل توجه ، فقد عرفت مما سلف أن أكثرها مما لا قرآن فيه ، وإن أراد خصوص توجه علي رضي الله عنه الذي فيه " وجهت وجهي إلى آخره " فليس محل النزاع هذا التوجه الخاص ولكنه ينبغي لمن صلى خلف إمام يتوجه قبل التكبيرة كالهادوية أو دخل في الصلاة حال قراءة الإمام أن يأتي بأخصر التوجهات ليتفرغ لسماع قراءة الإمام

ويمكن أن يقال لا يتوجه بشيء من التوجهات من صلى خلف إمام لا يتوجه بعد التكبيرة لأن عمومات القرآن والسنة قد دلت على وجوب الإنصات والاستماع والتوجه حال قراءة الإمام للقرآن غير منصت ولا مستمع وإن لم يكن تاليا للقرآن إلا عند من يجوز تخصيص مثل هذا العموم بمثل هذا المفهوم أعني مفهوم قوله من القرآن ، هذا هو التحقيق في المقام . فائدة : قد عرفت مما سلف وجوب الفاتحة على كل إمام ومأموم في كل ركعة وعرفناك أن تلك الأدلة صالحة للاحتجاج بها على أن قراءة الفاتحة من شروط صحة الصلاة ، فمن زعم أنها تصح صلاة من الصلوات أو ركعة من الركعات بدون فاتحة الكتاب فهو محتاج إلى إقامة برهان يخصص تلك الأدلة

ومن ههنا يتبين لك ضعف ما ذهب إليه الجمهور أن من أدرك الإمام راكعا دخل معه واعتد بتلك الركعة وإن لم يدرك شيئا من القراءة [ ص: 254 ] واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة : { من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة في صلاته يوم الجمعة فليضف إليها ركعة أخرى } رواه الدارقطني من طريق ياسين بن معاذ وهو متروك .

وأخرجه الدارقطني بلفظ : { إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجمعة فقد أدرك ، وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى } ولكنه رواه من طريق سليمان بن داود الحراني ومن طريق صالح بن أبي الأخضر ، وسليمان متروك وصالح ضعيف ، على أن التقييد بالجمعة في كلا الروايتين مشعر بأن غير الجمعة بخلافها ، وكذا التقييد بالركعة في الرواية الأخرى يدل على خلاف المدعى ، لأن الركعة حقيقة لجميعها ، وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز لا يصار إليه إلا لقرينة ، كما وقع عند مسلم من حديث البراء بلفظ : { فوجدت قيامه فركعته فاعتداله فسجدته } فإن وقوع الركعة في مقابلة القيام والاعتدال والسجود قرينة تدل على أن المراد بها الركوع ، وقد ورد حديث : " من أدرك ركعة من صلاة الجمعة " بألفاظ لا تخلو طرقها عن مقال حتى قال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه : لا أصل لهذا الحديث ، إنما المتن : { من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها } وكذا قال الدارقطني والعقيلي وأخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ : { من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه } وليس في ذلك دليل لمطلوبهم لما عرفت من أن مسمى الركعة جميع أذكارها وأركانها حقيقة شرعية وعرفية ، وهما مقدمتان على اللغوية كما تقرر في الأصول ، فلا يصح جعل حديث ابن خزيمة وما قبله قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي .

فإن قلت : فأي فائدة على هذا في التقييد بقوله : " قبل أن يقيم صلبه " قلت : دفع توهم أن من دخل مع الإمام ثم قرأ الفاتحة وركع الإمام قبل فراغه منها غير مدرك ، إذا تقرر لك هذا علمت أن الواجب الحمل على الإدراك الكامل للركعة الحقيقية لعدم وجود ما تحصل به البراءة من عهدة أدلة وجوب القيام القطعية وأدلة وجوب الفاتحة وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الظاهر وابن خزيمة وأبو بكر الضبعي ، وروى ذلك ابن سيد الناس في شرح الترمذي وذكر فيه حاكيا عمن روى عن ابن خزيمة أنه احتج لذلك بما روي عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : { من أدرك الإمام في الركوع فليركع معه وليعد الركعة } وقد رواه البخاري في القراءة خلف الإمام من حديث أبي هريرة أنه قال : " إن أدركت القوم ركوعا لم تعتد بتلك الركعة " قال الحافظ : وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفا ، وأما المرفوع فلا أصل له ، وقال الرافعي تبعا للإمام : إن أبا عاصم العبادي حكى عن ابن خزيمة أنه احتج به ، وقد حكى هذا المذهب البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام ، وحكاه في الفتح عن جماعة من الشافعية ، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي وغيره من محدثي الشافعية ورجحه المقبلي

[ ص: 255 ] قال : وقد بحثت هذه المسألة وأحطتها في جميع بحثي فقها وحديثا فلم أحصل منها على غير ما ذكرت ، يعني من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط .

قال العراقي في شرح الترمذي بعد أن حكى عن شيخه السبكي : أنه كان يختار أنه لا يعتد بالركعة من لا يدرك الفاتحة ما لفظه : وهو الذي يختاره ا هـ .

فالعجب ممن يدعي الإجماع والمخالف مثل هؤلاء . وأما احتجاج الجمهور بحديث أبي بكرة حيث صلى خلف الصف مخافة أن تفوته الركعة فقال صلى الله عليه وسلم : { زادك الله حرصا ولا تعد } ولم يؤمر بإعادة الركعة ، فليس فيها ما يدل على ما ذهبوا إليه ، لأنه كما لم يأمره بالإعادة لم ينقل إلينا أنه اعتد بها .

والدعاء له بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها لأن الكون مع الإمام مأمور به سواء كان الشيء الذي يدركه المؤتم معتدا به أم لا ، كما في حديثه { إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا } . أخرجه أبو داود وغيره على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أبا بكرة عن العود إلى مثل ذلك . والاحتجاج بشيء قد نهي عنه لا يصح . وقد أجاب ابن حزم في المحلى عن حديث أبي بكرة ، فقال : إنه لا حجة لهم فيه لأنه ليس فيه اجتزاء بتلك الركعة

ثم استدل على ما ذهب إليه من أنه لا بد في الاعتداد بالركعة من إدراك القيام والقراءة بحديث : { ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا } ثم جزم بأنه لا فرق بين فوت الركعة والركن والذكر المفروض ، لأن الكل فرض لا تتم الصلاة إلا به ، قال : فهو مأمور بقضاء ما سبقه به الإمام وإتمامه فلا يجوز تخصيص شيء من ذلك بغير نص آخر ، ولا سبيل إلى وجوده قال : وقد أقدم بعضهم على دعوى الإجماع على ذلك وهو كاذب في ذلك لأنه قد روي عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة حتى يقرأ أم القرآن ، وروي القضاء أيضا عن زيد بن وهب ثم قال : فإن قيل : إنه يكبر قائما ثم يركع فقد صار مدركا للوقفة قلنا : وهذه معصية أخرى وما أمر الله تعالى قط ولا رسوله أن يدخل في الصلاة من غير الحال التي يجد الإمام عليها .

وأيضا لا يجزئ قضاء شيء يسبق به من الصلاة إلا بعد سلام الإمام لا قبل ذلك . وقال أيضا في الجواب عن استدلالهم بحديث { : من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة } أنه حجة عليهم لأنه مع ذلك لا يسقط عنه قضاء ما لم يدرك من الصلاة انتهى والحاصل : أن أنهض ما احتج به الجمهور في المقام حديث أبي هريرة حينئذ باللفظ الذي ذكره ابن خزيمة لقوله فيه { قبل أن يقيم صلبه } كما تقدم . وقد عرفت أن ذكر الركعة فيه مناف لمطلوبهم ، وابن خزيمة الذي عولوا عليه في هذه الرواية من القائلين بالمذهب الثاني كما عرفت ، ومن البعيد أن يكون هذا الحديث عنده صحيحا ويذهب إلى خلافه . ومن الأدلة على ما ذهبنا إليه في هذه المسألة حديث أبي قتادة وأبي هريرة المتفق عليهما بلفظ : { ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا } قال الحافظ في الفتح [ ص: 256 ] قد استدل بهما على أن من أدرك الإمام راكعا لم يحتسب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته ، لأنه فاته القيام والقراءة فيه ، ثم قال : وحجة الجمهور حديث أبي بكرة ، وقد عرفت الجواب عن احتجاجهم له

وقد ألف السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رسالة في هذه المسألة ورجح مذهب الجمهور ، وقد كتبت أبحاثا في الجواب عليها



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث