الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب المصلي يسجد على ما يحمله ولا يباشر مصلاه بأعضائه

جزء التالي صفحة
السابق

باب المصلي يسجد على ما يحمله ولا يباشر مصلاه بأعضائه 754 - ( عن أنس قال : { كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه } . رواه الجماعة ) .

التالي السابق


قوله : ( ثوبه ) قال في الفتح : الثوب في الأصل يطلق على غير المخيط والحديث [ ص: 301 ] يدل على جواز السجود على الثياب لاتقاء حر الأرض وفيه إشارة إلى أن مباشرة الأرض عند السجود هي الأصل لتعليق بسط ثوب بعدم الاستطاعة . وقد استدل بالحديث على جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي . قال النووي : وبه قال أبو حنيفة والجمهور ، وحمله الشافعي على الثوب المنفصل

قال ابن دقيق العيد : يحتاج من استدل به على الجواز إلى أمرين : أحدهما أن لفظ ثوبه دال على المتصل به ، إما من حيث اللفظ وهو تعقيب السجود بالبسط ، وإما من خارج اللفظ وهو قلة الثياب عندهم ، وعلى تقدير أن يكون كذلك وهو الأمر الثاني يحتاج إلى ثبوت كونه متناولا لمحل النزاع وهو أن يكون مما يتحرك بحركة المصلي ، وليس في الحديث ما يدل عليه ، وقد عورض هذا الحديث بحديث خباب بن الأرت عند الحاكم في الأربعين والبيهقي بلفظ { : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء ، في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا } . وأخرجه مسلم بدون لفظ حر وبدون لفظ جباهنا وأكفنا . ويجمع بين الحديثين بأن الشكاية كانت لأجل تأخير الصلاة حتى يبرد الحر ، لا لأجل السجود على الحائل إذ لو كان كذلك لأذن لهم بالحائل المنفصل كما تقدم أنه كان صلى الله عليه وسلم يصلي على الخمرة ، ذكر معنى ذلك الحافظ في التلخيص

وأما ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن صالح بن خيوان السبئي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسجد إلى جنبه وقد اعتم على جبهته فحسر عن جبهته } .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عياض بن عبد الله قال { : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يسجد على كور العمامة فأومأ بيده : ارفع عمامتك } فلا تعارضهما الأحاديث الواردة بأنه صلى الله عليه وسلم كان يسجد على كور عمامته لأنها كما قال البيهقي : لم يثبت منها شيء يعني مرفوعا . وقد رويت من طريق عن جماعة من الصحابة . منها عن ابن عباس عند أبي نعيم في الحلية ، وفي إسناده ضعف كما قال الحافظ . ومنها عن ابن أبي أوفى عند الطبراني ، وفيه قائد أبو الورقاء وهو ضعيف . ومنها عن جابر عند ابن عدي ، وفيه عمرو بن شمر وجابر الجعفي وهما متروكان . ومنها عن أنس عند ابن أبي حاتم في العلل ، وفيه حسان بن سيارة وهو ضعيف ورواه عبد الرزاق مرسلا . وعن أبي هريرة قال أبو حاتم : هو حديث باطل . ويمكن الجمع إن كان لهذه الأحاديث أصل في الاعتبار بأن يحمل حديث صالح بن خيوان وعياض بن عبد الله على عدم العذر من حر أو برد وأحاديث سجوده صلى الله عليه وسلم على كور العمامة على العذر ، وكذلك يحمل حديث الحسن الآتي على العذر المذكور ، ومن القائلين بجواز السجود على كور العمامة عبد الرحمن بن يزيد وسعيد بن المسيب والحسن وأبو بكر المزني ومكحول والزهري روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة . ومن المانعين عن ذلك علي بن أبي طالب وابن عمر وعبادة بن الصامت وإبراهيم وابن سيرين وميمون بن مهران وعمر بن عبد العزيز وجعدة بن هبيرة ، روى [ ص: 302 ] ذلك عنهم أيضا أبو بكر بن أبي شيبة

755 - ( وعن ابن عباس قال : لقد { رأيت رسول الله في يوم مطير وهو يتقي الطين إذا سجد بكساء عليه يجعله دون يديه إلى الأرض إذا سجد } . رواه أحمد ) . الحديث أخرج نحوه ابن أبي شيبة عنه بلفظ { أن : النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها } . وأخرجه بهذا اللفظ أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط والكبير . قال في مجمع الزوائد : رجال أحمد رجال الصحيح . والحديث يدل على جواز الاتقاء بطرف الثوب الذي على المصلي ولكن للعذر ، إما عذر المطر كما في حديث الباب أو الحر والبرد كما في رواية ابن أبي شيبة . وهذا الحديث مصرح بأن الكساء الذي سجد عليه كان متصلا به

وبه استدل القائلون بجواز ترك كشف اليدين في الصلاة ، وقد تقدم ذكرهم في الباب الأول ولكنه مقيد بالعذر كما عرفت إلا أن القول بوجوب الكشف يحتاج إلى دليل إلا أن يقال : إن الأمر بالسجود على الأعضاء المذكورة يقتضي أن لا يكون بينها وبين الأرض حائل ، وقد قدمنا أن مسمى السجود يحصل بوضعها دون كشفها .

756 - ( وعن عبد الله بن عبد الرحمن قال { : جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بنا في مسجد بني الأشهل فرأيته واضعا يديه في ثوبه إذا سجد } . رواه أحمد وابن ماجه وقال : على ثوبه ) . الحديث أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن إسماعيل بن أبي حبيبة عنه . وهذا الحديث قد اختلف في إسناده فقال ابن أبي أويس عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت عن أبيه عن جده ، وهذا أولى بالصواب قاله المزني . وقد استدل به أيضا القائلون بجواز ترك كشف اليدين حال السجود ، وهو أدل على مطلوبهم من حديث ابن عباس لإطلاقه وتقييد حديث ابن عباس بالعذر وقد تقدم تمام الكلام عليه

قال المصنف : وقال البخاري : قال الحسن : كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه . وروى سعيد في سننه عن إبراهيم قال : كانوا يصلون في المساتق والبرانس والطيالسة ولا يخرجون أيديهم انتهى . وكلام الحسن الذي علقه البخاري قد وصله البيهقي وقال : هذا أصح ما في السجود موقوفا على الصحابة . ووصله أيضا عبد الرزاق وابن أبي شيبة . [ ص: 303 ] والقلنسوة بفتح القاف واللام وسكون النون وضم المهملة وفتح الواو وقد تبدل ياء مثناة من تحت ، وقد تبدل ألفا وتفتح السين وبعدها هاء تأنيث : وهي غشاء مبطن يستر به الرأس قاله القزاز في شرح الفصيح . وقال ابن هشام : التي يقال لها العمامة الشاشية .

وفي المحكم : هي من ملابس الرءوس معروفة . وقال أبو هلال العسكري : هي التي تغطى بها العمائم وتستر من الشمس والمطر كأنها عنده رأس البرنس

. وقول الحسن . ( ويداه في كمه ) أي يد كل واحد منهم . قال الحافظ : وكأنه أراد بتغيير الأسلوب بيان أن كل واحد منهم ما كان يجمع بين السجود على العمامة والقلنسوة معا لكن في حالة كان يسجد ويداه في كمه . والمساتق جمع مستقة : وهي فرو طويل الكمين كذا في القاموس . والبرانس جمع برنس بالضم قال في القاموس : هو قلنسوة طويلة ، أو كل ثوب رأسه منه دراعة كان أو جبة . والطيالسة جمع طيلسان



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث