الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ذكر تشهد ابن مسعود وغيره

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب ذكر تشهد ابن مسعود وغيره

774 - ( عن ابن مسعود قال : { علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد كفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن : التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله } . رواه الجماعة ، وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله } ، وذكره ، وفيه عند قوله : { وعلى عباد الله الصالحين فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض } ، وفي [ ص: 322 ] آخره ، { ثم يتخير من المسألة ما شاء } . متفق عليه ، ولأحمد من حديث أبي عبيدة عن عبد الله قال : { علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وأمره أن يعلمه الناس : التحيات لله } ، وذكره ، قال الترمذي : حديث ابن مسعود أصح حديث في التشهد والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ) .

التالي السابق


الحديث قال أبو بكر البزار أيضا : هو أصح حديث في التشهد ، قال : وقد روي عن نيف وعشرين طريقا وسرد أكثرها . وممن جزم بذلك البغوي في شرح السنة . وقال مسلم : إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضا ، وغيره اختلف أصحابه . وقال الذهلي : إنه أصح حديث روي في التشهد . ومن مرجحاته أنه متفق عليه دون غيره وأن رواته لم يختلفوا في حرف منه بل نقلوه مرفوعا على صفة واحدة . وقد روى التشهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة غير ابن مسعود . منهم ابن عباس وسيأتي حديثه . ومنهم جابر أخرج حديثه النسائي وابن ماجه والترمذي في العلل والحاكم ورجاله ثقات . ومنهم عمر أخرج حديثه مالك والشافعي والحاكم والبيهقي روي مرفوعا . وقال الدارقطني : لم يختلفوا في أنه موقوف عليه ومنهم ابن عمر ، أخرج حديثه أبو داود والدارقطني والطبراني ، ومنهم علي أخرج حديثه الطبراني بإسناد ضعيف ، ومنهم أبو موسى أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والطبراني ، ومنهم عائشة أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده والبيهقي ، ورجح الدارقطني وقفه . ومنهم سمرة أخرجه أبو داود وإسناده ضعيف ، ومنهم ابن الزبير أخرجه الطبراني وقال : تفرد به ابن لهيعة . ومنهم معاوية أخرجه الطبراني وإسناده حسن قاله الحافظ . ومنهم سلمان أخرجه الطبراني والبزار وإسناده ضعيف . ومنهم أبو حميد أخرجه الطبراني . ومنهم أبو بكر أخرجه البزار وإسناده حسن وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفا . ومنهم الحسين بن علي أخرجه الطبراني . ومنهم طلحة بن عبيد الله ، قال الحافظ : وإسناده حسن ومنهم أنس قال : وإسناده صحيح . ومنهم أبو هريرة قال : وإسناده صحيح أيضا . ومنهم أبو سعيد قال : وإسناده صحيح أيضا . ومنهم الفضل بن عباس وأم سلمة وحذيفة والمطلب بن ربيعة وابن أبي أوفى ، وفي أسانيدهم مقال وبعضها مقارب . قوله : ( التحيات لله ) هي جمع تحية . قال الحافظ ومعناها : السلام وقيل : البقاء وقيل : العظمة وقيل : السلامة من الآفات والنقص وقيل : الملك . قال المحب الطبري : يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركا بين هذه المعاني . وقال الخطابي والبغوي : المراد بالتحيات : أنواع التعظيم . قوله : ( والصلوات ) قيل : المراد الخمس وقيل : أعم العبادات كلها وقيل : الدعوات وقيل : الرحمة وقيل : التحيات : العبادات القولية ، والصلوات : العبادات الفعلية ، والطيبات : العبادات المالية كذا قال الحافظ

[ ص: 323 ] قوله : ( والطيبات ) قيل : هي ما طاب من الكلام . وقيل : ذكر الله وهو أخص . وقيل : الأعمال الصالحة وهو أعم . قال البيضاوي : ويحتمل أن يكون والصلوات والطيبات عطفا على التحيات ويحتمل أن يكون الصلوات مبتدأ خبره محذوف والطيبات معطوفة عليها . قال ابن مالك : إذا جعلت التحيات مبتدأ ولم يكن صفة لموصوف محذوف كان قولك والصلوات مبتدأ لئلا يعطف نعت على منعوته فيكون من باب عطف الجمل بعضها على بعض فكل جملة مستقلة وهذا المعنى لا يوجد عند إسقاط الواو . قوله : ( السلام ) قال الحافظ في التلخيص : أكثر الروايات فيه . يعني حديث ابن مسعود بتعريف السلام في الموضعين ، ووقع في رواية للنسائي سلام علينا بالتنكير ، وفي رواية للطبراني سلام عليك " بالتنكير "

وقال في الفتح : لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام ، وإنما اختلف في ذلك في حديث ابن عباس قال النووي : لا خلاف في جواز الأمرين ولكنه بالألف واللام أفضل ، وهو الموجود في روايات صحيحي البخاري ومسلم ، وأصله النصب وعدل إلى الرفع على الابتداء للدلالة على الدوام والثبات . والتعريف فيه بالألف واللام إما للعهد التقديري : أي السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي ، أو للجنس : أي السلام المعروف لكل أحد وهو اسم من أسماء الله تعالى ومعناه التعويذ بالله والتحصين به ، أو هو السلامة من كل عيب وآفة ونقص وفساد . قال البيضاوي : علمهم أن يفردوه صلى الله عليه وسلم بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم ثم علمهم أن يخصوا أنفسهم لأن الاهتمام بها أهم ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين إعلاما منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملا لهم ا هـ . والمراد بقوله " ورحمة الله " : إحسانه

وقوله : ( وبركاته ) : زيادة من كل خير قاله الحافظ . قوله : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) زاد ابن أبي شيبة " وحده لا شريك له " قال الحافظ في الفتح : وسنده ضعيف لكن ثبتت هذه الرواية في حديث أبي موسى عند مسلم .

وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ .

وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني . وعند أبي داود عن ابن عمر أنه قال : زدت فيها وحده لا شريك له وإسناده صحيح . قوله : ( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) سيأتي في حديث ابن عباس بدون قوله : عبده . وقد أخرج عبد الرزاق عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم " أمر رجلا أن يقول : عبده ورسوله " . ورجاله ثقات لولا إرساله . قوله : ( فإنكم إذا فعلتم ذلك ) في لفظ للبخاري فإنكم إذا قلتموها والمراد

قوله : " وعلى عباد الله الصالحين " وهو كلام معترض بين قوله : " الصالحين " وبين قوله : " أشهد "

قوله : ( على كل عبد صالح ) استدل به على أن الجمع المضاف والجمع المحلى باللام يعم . قوله : ( في السماء والأرض ) في رواية " بين السماء والأرض " أخرجها الإسماعيلي وغيره . [ ص: 324 ] قوله : ( ثم يتخير من المسألة ) قد قدمنا في باب الأمر بالتشهد الأول اختلاف الروايات في هذه الكلمة وفي ذلك دليل على مشروعية الدعاء في الصلاة قبل السلام من أمور الدنيا والآخرة ما لم يكن إثما وإلى ذلك ذهب الجمهور . وقال أبو حنيفة : لا يجوز إلا بالدعوات المأثورة في القرآن والسنة . وقالت الهادوية : لا يجوز مطلقا . والحديث وغيره من الأدلة المتكاثرة التي فيها الإذن بمطلق الدعاء ومقيده ترد عليهم ولولا ما رواه ابن رسلان عن البعض من الإجماع على عدم وجوب الدعاء قبل السلام لكان الحديث منتهضا للاستدلال به عليه لأن التخيير في آحاد الشيء لا يدل على عدم وجوبه كما قال ابن رشد ، وهو المتقرر في الأصول على أنه قد ذهب إلى الوجوب أهل الظاهر .

وروي عن أبي هريرة وقد استدل بقوله في الحديث : " إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل " وبقوله في الرواية الأخرى " وأمره أن يعلمه الناس " القائلون بوجوب التشهد الأخير وهم عمر وابن عمر وابن مسعود والهادي والقاسم والشافعي . وقال النووي في شرح مسلم : مذهب أبي حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء أن التشهدين سنة وإليه ذهب الناصر من أهل البيت عليهم السلام قال : وروي عن مالك القول بوجوب الأخير واستدل القائلون بالوجوب أيضا بقول ابن مسعود { : كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد : السلام على عباد الله } الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي وصححاه وهو مشعر بفرضية التشهد

وأجاب عن ذلك القائلون ، بعدم الوجوب بأن الأوامر المذكورة في الحديث للإرشاد لعدم ذكر التشهد الأخير في حديث المسيء ، وعن قول ابن مسعود بأنه تفرد به ابن عيينة كما قال ابن عبد البر ولكن هذا لا يعد قادحا ، وأن الاعتذار بعدم الذكر في حديث المسيء فصحيح إلا أن يعلم تأخير الأمر بالتشهد عنه كما قدمنا . وأما الاعتذار عن الوجوب بأن الأمر المذكور صرف لهم عما كانوا يقولون من تلقاء أنفسهم ، فلا يدل على الوجوب ، أو بأن قول ابن عباس " كما يعلمنا السورة " يرشد إلى الإرشاد لأن تعليم السورة غير واجب فمما لا يعول عليه ومن جملة ما استدل به القائلون بعدم الوجوب ما ثبت في بعض روايات حديث المسيء من قوله صلى الله عليه وسلم " فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك " ويتوجه على القائلين بالوجوب إيجاب جميع التشهد وعدم التخصيص بالشهادتين كما قالت الهادوية بنفس الدليل الذي استدلوا به على ذلك

وقد اختلف العلماء في الأفضل من التشهدات ، فذهب الشافعي وبعض أصحاب مالك إلى أن تشهد ابن عباس أفضل لزيادة لفظ " المباركات " فيه كما يأتي . وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء وأهل الحديث : تشهد ابن مسعود أفضل لما قدمنا من المرجحات . وقال مالك : تشهد عمر بن الخطاب أفضل لأنه علمه الناس على المنبر ولم ينازعه أحد ، ولفظه : " التحيات لله والزاكيات الطيبات الصلوات لله الحديث وفي [ ص: 325 ] رواية { بسم الله خير الأسماء } قال البيهقي : لم يختلفوا في أن هذا الحديث موقوف على عمر ، ورواه بعض المتأخرين عن مالك مرفوعا . قال الحافظ : وهو وهم

وقالت الهادوية : أفضلها ما رواه زيد بن علي عن علي عليه السلام ولفظه " بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلها لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " وضم إليه أبو طالب ما رواه الهادي في المنتخب من زيادة التحيات لله والصلوات والطيبات بعد قوله والأسماء الحسنى كلها لله . قال النووي : واتفق العلماء على جوازها كلها : يعني التشهدات الثابتة من وجه صحيح وكذلك نقل الإجماع القاضي أبو الطيب الطبري .

775 - ( وعن ابن عباس قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله } . رواه مسلم وأبو داود بهذا اللفظ . ورواه الترمذي وصححه كذلك لكنه ذكر السلام منكرا ، ورواه ابن ماجه كمسلم لكنه قال : { وأشهد أن محمدا عبده ورسوله } . ورواه الشافعي وأحمد بتنكير السلام وقالا فيه : وأن محمدا ، ولم يذكرا أشهد ، والباقي كمسلم . ورواه أحمد من طريق آخر كذلك لكن بتعريف السلام ورواه النسائي كمسلم لكنه نكر السلام وقال : وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) الحديث أخرجه أيضا الدارقطني في إحدى روايتيه وابن حبان في صحيحه بتعريف السلام الأول وتنكير الثاني . وأخرجه الطبراني بتنكير الأول وتعريف الثاني .

قوله : ( التحيات المباركات الصلوات الطيبات ) . قال النووي : تقديره والمباركات والصلوات والطيبات كما في حديث ابن مسعود وغيره ولكن حذفت اختصارا وهو جائز معروف في اللغة . ومعنى الحديث أن التحيات وما بعدها مستحقة لله تعالى ولا يصلح حقيقتها لغيره . والمباركات جمع مباركة : وهي كثيرة الخير وقيل : النماء وهذه زيادة اشتمل عليها حديث ابن عباس كما اشتمل عليها حديث ابن مسعود على زيادة الواو ولولا وقوع الإجماع كما قدمنا على جواز كل تشهد من التشهدات الصحيحة لكان اللازم الأخذ بالزائد فالزائد من ألفاظها . وقد مر شرح بقية ألفاظ الحديث

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث