الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صلاة التراويح

جزء التالي صفحة
السابق

باب صلاة التراويح .

942 - ( عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة ، فيقول : { من قام رمضان إيمانا واحتسابا ، غفر له ما تقدم من ذنبه } . رواه الجماعة ) .

943 - ( وعن عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله عز وجل فرض صيام رمضان ، وسننت قيامه ، فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه } . رواه أحمد والنسائي وابن ماجه ) .

التالي السابق


حديث عبد الرحمن بن عوف في إسناده النضر بن شيبان وهو ضعيف . وقال النسائي : هذا الحديث خطأ ، والصواب حديث أبي سلمة عن أبي هريرة قوله : ( من غير أن يأمر فيه بعزيمة ) فيه التصريح بعدم وجوب القيام ، وقد فسره بقوله " من قام . . . إلخ " فإنه يقتضي الندب دون الإيجاب ، وأصرح منه قوله في الحديث الآخر : " وسننت قيامه بعد قوله فرض صيام رمضان " قوله : ( من قام رمضان ) المراد قيام لياليه مصليا ، ويحصل بمطلق ما يصدق عليه القيام ، وليس من شرطه استغراق جميع أوقات الليل .

قيل : ويكون أكثر الليل . وقال النووي : إن قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح : يعني أنه يحصل بها المطلوب من القيام لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها

وأغرب الكرماني فقال : اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح ، قوله : ( إيمانا واحتسابا ) قال النووي : معنى إيمانا : تصديقا بأنه حق معتقدا فضيلته ، ومعنى احتسابا : أن يريد الله - تعالى - وحده ، لا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص . قوله : ( غفر له ما تقدم من ذنبه ) زاد [ ص: 62 ] أحمد والنسائي " وما تأخر " . قال الحافظ : وقد ورد في غفران ما تقدم وما تأخر عدة أحاديث جمعتها في كتاب مفرد ا هـ

قيل : ظاهر الحديث يتناول الصغائر والكبائر ، وبذلك جزم ابن المنذر ، وقيل : الصغائر فقط وبه جزم إمام الحرمين . قال النووي : وهو معروف عن الفقهاء ، وعزاه عياض إلى أهل السنة ، وقد ورد أن غفران الذنوب المتقدمة معقول ، وأما المتأخرة فلا ، لأن المغفرة تستدعي سبق ذنب . وأجيب عنه بأن ذلك كناية عن عدم الوقوع

وقال الماوردي : إنها تقع منهم الذنوب مغفورة . والحديث يدل على فضيلة قيام رمضان وتأكد استحبابه ، واستدل به أيضا على استحباب صلاة التراويح ، لأن القيام المذكور في الحديث المراد به صلاة التراويح كما تقدم عن النووي والكرماني .

قال النووي : اتفق العلماء على استحبابها ، قال : واختلفوا في أن الأفضل صلاتها في بيته منفردا أم في جماعة في المسجد ، فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية وغيرهم : الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة رضي الله عنهم ، واستمر عمل المسلمين عليه ، لأنه من الشعائر الظاهرة ، فأشبه صلاة العيد ، وبالغ الطحاوي فقال : إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية

وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم : الأفضل فرادى في البيت لقوله صلى الله عليه وسلم : { أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة } متفق عليه . وقالت العترة : إن التجميع فيها بدعة ، وسيأتي تمام الكلام على صلاة التراويح

944 - ( وعن جبير بن نفير عن أبي ذر قال : { صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصل بنا حتى بقي سبع من الشهر ، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ، ثم لم يقم بنا في الثالثة ، وقام بنا في الخامسة ، حتى ذهب شطر الليل ، فقلنا : يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه ؟ فقال : إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ، ثم لم يقم بنا حتى بقي ثلاث من الشهر ، فصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه ، فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح ، قلت له : وما الفلاح ؟ قال : السحور } . رواه الخمسة وصححه الترمذي ) . الحديث رجال إسناده عند أهل السنن كلهم رجال الصحيح ، قوله : ( فلم يصل بنا ) لفظ أبي داود { صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع }

قوله : ( لو نفلتنا ) النفل محركة في الأصل الغنيمة والهبة ، ونفله النفل وأنفله : [ ص: 63 ] أعطاه إياه ، والمراد هنا لو قمت بنا طول ليلتنا ونفلتنا من الأجر الذي يحصل من ثواب الصلاة قوله : ( فصلى بنا في الثالثة ) أي في ليلة ثلاث بقيت من الشهر ، وكذا قوله : في السادسة ، في الخامسة

وفيه أنه كان يتخولهم بقيام الليل لئلا يثقل عليهم ، كما كان ذلك ديدنه صلى الله عليه وسلم في الموعظة ، فكان يقوم بهم ليلة ويدع القيام أخرى .

وفيه تأكد مشروعية القيام في الأفراد من ليالي العشر الآخرة من رمضان لأنها مظنة الظفر بليلة القدر ، قوله : ( ودعا أهله ونساءه ) فيه استحباب ندب الأهل إلى فعل الطاعات وإن كانت غير واجبة

وقد أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته ، فإن أبت نضح في وجهها الماء ، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء } .

وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه أيضا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعا كتبا في الذاكرين والذاكرات } قوله : ( الفلاح ) قال في القاموس : الفلاح : الفوز والنجاة والبقاء في الخير

والسحور ، قال : والسحور ما يتسحر به : أي ما يؤكل في وقت السحر وهو قبيل الصبح . والحديث استدل به على استحباب صلاة التراويح لأن الظاهر منه أنه صلى الله عليه وسلم أمهم في تلك الليالي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث