الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 74 ] باب صلاة الضحى

955 - ( عن أبي هريرة قال : { أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث : بصيام ثلاثة أيام في كل شهر ، وركعتي الضحى ، وأن أوتر قبل أن أنام } . متفق عليه .

وفي لفظ لأحمد ومسلم : { وركعتي الضحى كل يوم } ) .

التالي السابق


في الباب أحاديث منها ما سيذكره المصنف في هذا الباب . ومنها غير ما ذكره عن أنس عند الترمذي وابن ماجه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا في الجنة } .

وعن أبي الدرداء عند الترمذي وحسنه مثل حديث نعيم بن همار الذي سيذكره المصنف ، وعنه حديث آخر عند مسلم بنحو حديث أبي هريرة المذكور .

وعن أبي هريرة حديث آخر عند الترمذي وابن ماجه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من حافظ على شفعة الضحى غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر } .

وعن أبي سعيد عند الترمذي وحسنه قال : { كان صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول : لا يدعها ، ويدعها حتى نقول : لا يصليها } .

وعن عائشة غير الحديث الذي سيذكره المصنف عنها عند مسلم والنسائي والترمذي في الشمائل من رواية معاذة العدوية قالت : { قلت لعائشة : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ؟ قالت : نعم ، أربعا ويزيد ما شاء الله } .

وعن أبي أمامة عند الطبراني في الكبير مثل حديث نعيم بن همار الذي سيذكره المصنف ، وفي إسناده القاسم بن عبد الرحمن ، وثقه الجمهور وضعفه بعضهم وله حديث آخر عند الطبراني بنحو حديث عائشة الذي سيذكره المصنف ، وفي إسناده ميمون بن زيد عن ليث بن أبي سليم وكلاهما متكلم فيه .

وعن عتبة بن عبد الله عند الطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من صلى صلاة الصبح في جماعة ثم يثبت حتى يسبح سبحة الضحى كان له كأجر حاج ومعتمر تام له حجه وعمرته } وفي إسناده الأحوص بن حكيم ، ضعفه الجمهور ووثقه العجلي .

وعن ابن أبي أوفى عند الطبراني في الكبير { أنه صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح ركعتين } وعن ابن عباس عند الطبراني في الأوسط بنحو حديث أبي ذر الذي سيذكره المصنف .

وعن جابر عند الطبراني في الأوسط أيضا أنه { رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ست ركعات } . وعن حذيفة عند ابن أبي شيبة في المصنف أنه { رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ثمان ركعات طول فيهن } .

وعن عائذ بن عمرو عند أحمد والطبراني { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى } وعن عبد الله بن عمر عند الطبراني في الكبير مثل حديث نعيم بن همار الذي سيذكره المصنف .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد والطبراني قال : { بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فغنموا [ ص: 75 ] وأسرعوا الرجعة ، فتحدث الناس بقرب مغزاهم وكثرة غنيمتهم وسرعة رجعتهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أدلكم على أقرب منهم مغزى وأكثر غنيمة ، وأوشك رجعة ؟ من توضأ ثم خرج إلى المسجد بسبحة الضحى فهو أقرب منهم مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة } .

وعن أبي موسى عند الطبراني في الأوسط قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من صلى الضحى أربعا وقبل الأولى أربعا ، بني له بيت في الجنة } .

وعن عتبان بن مالك عند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى في بيته ، وقصة عتبان في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته في الصحيح ، لكن ليس فيها ذكر سبحة الضحى .

وعن عقبة بن عامر عند أحمد وأبي يعلى بنحو حديث نعيم بن همار .

وعن علي عليه السلام عند النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ، قال العراقي : وإسناده جيد .

وعن معاذ بن أنس عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرا غفر له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر } قال العراقي : وإسناده ضعيف .

وعن النواس بن سمعان عند الطبراني في الكبير مثل حديث نعيم بن همار ، قال العراقي : وإسناده صحيح

وعن أبي بكرة عند ابن عدي قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ، فجاء الحسن وهو غلام فلما سجد ركب ظهره } وفي إسناده عمرو بن عبيد وهو متروك .

وعن أبي مرة الطائفي عند أحمد مثل حديث نعيم بن همار . وعن سعد بن أبي وقاص عند البزار { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمكة يوم فتحها ثمان ركعات يطيل القراءة فيها والركوع } . قال السيوطي : وسنده ضعيف

وعن قدامة وحنظلة الثقفيين عند ابن منده وابن شاهين قالا : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتفع النهار وذهب كل أحد وانقلب الناس خرج إلى المسجد فركع ركعتين أو أربعا ثم ينصرف } .

وعن رجل من الصحابة عند ابن عدي " أنه { رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى }

وعن ابن عباس حديث آخر عند ابن أبي حاتم أنه صلى الله عليه وسلم قال : { أمرت بالضحى ولم تؤمروا بها } .

وعن الحسن بن علي عند البيهقي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من صلى الفجر ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى من الضحى ركعتين حرمه الله على النار أن تلحقه أو تطعمه } وعن عبد الله بن جراد بن أبي جراد عند الديلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { المنافق لا يصلي الضحى ، ولا يقرأ { قل يا أيها الكافرون } } .

وعن عمر بن الخطاب عند حميد بن زنجويه بنحو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتقدم وله حديث آخر عند ابن أبي شيبة . وعن أبي هريرة حديث آخر عند أبي يعلى بسند رجاله ثقات بنحو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق . وهذه الأحاديث المذكورة تدل على استحباب صلاة الضحى ، وقد ذهب إلى ذلك طائفة من العلماء منهم الشافعية والحنفية ، ومن أهل البيت علي بن الحسين وإدريس بن عبد الله

[ ص: 76 ] وقد جمع ابن القيم في الهدي الأقوال فبلغت ستة ، الأول : أنها سنة ، واستدلوا بهذه الأحاديث التي قدمناها

الثاني : لا تشرع إلا لسبب ، واحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعلها لسبب ، فاتفق وقوعه وقت الضحى وتعددت الأسباب ، فحديث أم هانئ في صلاته يوم الفتح ، كان لسبب الفتح ، وأن سنة الفتح أن يصلي عنده ثمان ركعات ، قال : وكان الأمراء يسمونها صلاة الفتح ، وصلاته عند القدوم من مغيبه كما في حديث عائشة كانت لسبب القدوم ، فإنه صلى الله عليه وسلم " كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين " وصلاته في بيت عتبان بن مالك كانت لسبب وهو تعليم عتبان إلى أين يصلي في بيته النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل ذلك . وأما أحاديث الترغيب فيها والوصية بها فلا تدل على أنها سنة راتبة لكل أحد ، ولهذا خص بذلك أبا هريرة وأبا ذر ، ولم يوص بذلك أكابر الصحابة . والقول الثالث : أنها لا تستحب أصلا .

والقول الرابع : يستحب فعلها تارة وتركها أخرى . والقول الخامس : تستحب صلاتها والمحافظة عليها في البيوت . والقول السادس : أنها بدعة ، روي ذلك عن ابن عمر وإليه ذهب الهادي عليه السلام والقاسم وأبو طالب ، ولا يخفاك أن الأحاديث الواردة بإثباتها قد بلغت مبلغا لا يقصر البعض منه عن اقتضاء الاستحباب

وقد جمع الحاكم الأحاديث في إثباتها في جزء مفرد عن نحو عشرين نفسا من الصحابة ، وكذلك السيوطي صنف جزءا في الأحاديث الواردة في إثباتها

وروى فيه عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يصلونها ، منهم أبو سعيد الخدري ، وقد روى ذلك عنه سعيد بن منصور وأحمد بن حنبل وعائشة ، وقد روى ذلك عنها سعيد بن منصور وابن أبي شيبة ، وأبو ذر

وقد روى ذلك عنه ابن أبي شيبة ، وعبد الله بن غالب ، وقد روى ذلك عنه أبو نعيم

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنه سئل : هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلونها ؟ فقال : نعم ، كان منهم من يصلي ركعتين ، ومنهم من يصلي أربعا ، ومنهم من يمد إلى نصف النهار

وأخرج سعيد بن منصور أيضا في سننه عن ابن عباس أنه قال : طلبت صلاة الضحى في القرآن فوجدتها ههنا { يسبحن بالعشي والإشراق }

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في الإيمان من وجه آخر عن ابن عباس أنه قال : إن صلاة الضحى لفي القرآن وما يغوص عليها إلا غواص في قوله تعالى: { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال }

وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن عون العقيلي في قوله تعالى: { إنه كان للأوابين غفورا } قال : الذين يصلون صلاة الضحى وأما احتجاج القائلين بأنها لا تشرع إلا لسبب بما سلف فالأحاديث التي ذكرها المصنف وذكرناها في هذا الباب ترده ، وكذلك ترد اعتذار من اعتذر عن أحاديث الوصية والترغيب بما تقدم من الاختصاص ، وترد أيضا [ ص: 77 ] قول ابن القيم

إن عامة أحاديث الباب في أسانيدها مقال ، وبعضها منقطع وبعضها موضوع لا يحل الاحتجاج به فإن فيها الصحيح والحسن وما يقاربه ، كما عرفت قوله : ( في حديث الباب وركعتي الضحى ) : قد اختلفت أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله في مقدار صلاة الضحى ، فأكثر ما ثبت من فعله ثمان ركعات ، وأكثر ما ثبت من قوله اثنتا عشرة ركعة

وقد أخرج الطبراني عن أبي الدرداء مرفوعا { من صلى الضحى لم يكتب من الغافلين ومن صلى أربعا كتب من القانتين ، ومن صلى ستا كفي ذلك اليوم ، ومن صلى ثمانيا كتب من العابدين ، ومن صلى ثنتي عشرة بنى الله له بيتا في الجنة } قال الحافظ وفي إسناده ضعف ، وله شاهد من حديث أبي ذر ، رواه البزار ، وفي إسناده ضعف أيضا

وحديث أنس المتقدم فيه التصريح بأن الضحى اثنتا عشرة ركعة ، وقد ضعفه النووي . قال الحافظ : لكن إذا ضم حديث أبي ذر وأبي الدرداء إلى حديث أنس قوي وصلح للاحتجاج ، وقال أيضا : إن حديث أنس ليس في إسناده من أطلق عليه الضعف ، وبه يندفع تضعيف النووي له ، ولكنه تابعه الحافظ في التلخيص . وقد ذهب قوم منهم أبو جعفر الطبري وبه جزم الحليمي والروياني من الشافعية إلى أنه لا حد لأكثرها

قال العراقي في شرح الترمذي : لم أر عن أحد من الصحابة والتابعين أنه حصرها في اثنتي عشرة ركعة ، وكذا قال السيوطي . وقد اختلف في الأفضل ، فقيل : ثمان ، وقيل : أربع .

956 - ( وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة ، فكل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى } . رواه أحمد مسلم وأبو داود ) .

957 - ( وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل ، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة ، قالوا : فمن الذي يطيق ذلك يا رسول الله ؟ قال : النخامة في المسجد يدفنها ، أو الشيء ينحيه عن الطريق ، فإن لم يقدر فركعتا الضحى تجزي عنك } رواه أحمد وأبو داود ) . [ ص: 78 ] الحديث الأول أخرجه أيضا النسائي . والحديث الثاني أخرجه أبو داود عن أحمد بن محمد المروزي وهو ثقة عن علي بن الحسين بن واقد ، وهو من رجال مسلم ، عن أبيه ، وهو أيضا من رجال مسلم ، عن عبد الله بن بريدة فذكره وقد أخرجه أيضا حميد بن زنجويه في فضائل الأعمال ، ولم يعزه السيوطي في جزء الضحى إلا إليه . قوله : ( سلامى ) قال النووي : بضم السين وتخفيف اللازم ، وأصله عظام الأصابع وسائر الكف ثم استعمل في عظام البدن ومفاصله ، ويدل على ذلك ما في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { خلق الإنسان على ستين وثلاثمائة مفصل على كل مفصل صدقة } .

وفي القاموس : أنها عظام صغار طول إصبع أو أقل في اليد والرجل . انتهى . وقيل : كل عظم مجوف من صغار العظام . وقيل : ما بين كل مفصلين من عظام الأنامل ، وقيل : العروق التي في الأصابع وهي ثلاثمائة وستون أو أكثر . قوله : ( ويجزي من ذلك ركعتان . . . إلخ ) قال النووي : ضبطنا يجزي بفتح أوله وضمه ، فالضم من الإجزاء ، والفتح من جزى يجزي : أي كفى

والحديثان يدلان على عظم فضل الضحى وكبر موقعها وتأكد مشروعيتها ، وأن ركعتيها تجزيان عن ثلاثمائة وستين صدقة ، وما كان كذلك فهو حقيق بالمواظبة والمداومة . ويدلان أيضا على مشروعية الاستكثار من التسبيح والتحميد والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودفن النخامة وتنحية ما يؤذي المار عن الطريق وسائر أنواع الطاعات ليسقط بفعل ذلك ما على الإنسان من الصدقات اللازمة في كل يوم .

958 - ( وعن نعيم بن همار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { قال ربكم - عز وجل - : يا بن آدم صل لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره } رواه أحمد وأبو داود ، وهو للترمذي من حديث أبي ذر وأبي الدرداء ) الحديث في إسناده اختلاف كثير ، قال المنذري : وقد جمعت طرقه في جزء مفرد . وقد اختلف أيضا في اسم همار المذكور ، فقيل : هبار بالباء الموحدة ، وقيل : هدار بالدال المهملة

وقيل : همام بالميمين ، وقيل : خمار بالخاء المفتوحة المعجمة ، وقيل : حمار بالحاء المهملة المكسورة ، والراء مهملة في همار وهبار وخمار وحمار وهدار

قوله : ( وهو للترمذي من حديث أبي ذر وأبي الدرداء ) هكذا في النسخ الصحيحة بدون إثبات الألف التي للتخيير بين أبي ذر وأبي الدرداء ، والصواب إثباتها ، لأن الترمذي إنما روى حديثا واحدا وتردد هل هو من رواية أبي ذر أو من رواية أبي الدرداء ؟ ولم يرو لكل منهما حديثا ، [ ص: 79 ] ولا روى الحديث عنهما جميعا ، ولفظ الحديث في الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله - تبارك وتعالى - : { إن الله - تعالى - قال : ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره } قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب انتهى .

وفي إسناده إسماعيل بن عياش ، وقد صحح جماعة من الأئمة حديثه إذا كان عن الشاميين ، وهو هنا كذلك ، لأن بحير بن سعد شامي ، وإسماعيل رواه عنه ، وهذا الحديث قد روي عن جماعة من الصحابة قد قدمنا الإشارة إليهم في أول الباب ، واستدل به على مشروعية صلاة الضحى ، لكنه لا يتم إلا على تسليم أنه أريد بالأربع المذكورة صلاة الضحى

وقد قيل : يحتمل أن يراد بها فرض الصبح وركعتا الفجر لأنها هي التي في أول النهار حقيقة ، ويكون معناه : كقوله صلى الله عليه وسلم : { من صلى الصبح فهو في ذمة الله } . قال العراقي : وهذا ينبني على أن النهار هل هو من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس ؟ . والمشهور الذي يدل عليه كلام جمهور أهل اللغة وعلماء الشريعة أنه من طلوع الفجر

قال : وعلى تقدير أن يكون النهار من طلوع الفجر فلا مانع من أن يراد بهذه الأربع الركعات بعد طلوع الشمس ، لأن ذلك الوقت ما خرج عن كونه أول النهار ، وهذا هو الظاهر من الحديث وعمل الناس ، فيكون المراد بهذه الأربع ركعات صلاة الضحى . انتهى

وقد اختلف في وقت دخول الضحى ، فروى النووي في الروضة ، عن أصحاب الشافعي أن وقت الضحى يدخل بطلوع الشمس ولكن تستحب تأخيرها إلى ارتفاع الشمس . وذهب البعض منهم إلى أن وقتها يدخل من الارتفاع ، وبه جزم الرافعي وابن الرفعة . وسيأتي ما يبين وقتها في حديث زيد بن أرقم وحديث علي عليه السلام

959 - ( وعن عائشة قالت : { كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربع ركعات ، ويزيد ما شاء الله } رواه أحمد ومسلم وابن ماجه ) . الحديث يدل على مشروعية صلاة الضحى . وقد اختلفت الأحاديث عن عائشة ، فروي عنها أنه صلى الله عليه وسلم صلاها من غير تقييد كما في حديث الباب . وروي عنها أنها سئلت { هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ؟ قالت : لا ، إلا أن يجيء من مغيبه } ، أخرجه مسلم .

وروي عنها أنها قالت : { ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى قط وإني لأسبحها } ، متفق عليه

وقد جمع بين هذه الروايات بأن قولها : " كان يصلي الضحى أربعا . لا يدل على المداومة " بل على مجرد الوقوع على ما صرح به أهل التحقيق من أن ذلك مدلول كان كما تقدم وإن خالف في ذلك بعض أهل الأصول ، ولا يستلزم [ ص: 80 ] هذا الإثبات أنها رأته يصلي لجواز أن تكون روت ذلك من طريق غيرها .

وقولها إلا أن يجيء من مغيبه يفيد تقييد ذلك المطلق بوقت المجيء من السفر . وقولها : ما رأيته يصلي سبحة الضحى نفي للرؤية ولا يستلزم أن لا يثبت لها ذلك بالرواية ، أو نفي لما عدا الفعل المقيد بوقت القدوم من السفر ، وغاية الأمر أنها أخبرت عما بلغ إليه علمها . وغيرها من أكابر الصحابة أخبر بما يدل على المداومة وتأكد المشروعية ، ومن علم حجة على من لم يعلم لا سيما وذلك الوقت الذي تفعل فيه ليس من الأوقات التي تعتاد فيها الخلوة بالنساء ، وقد تقدم تحقيق ما هو الحق .

960 - ( وعن أم هانئ { أنه لما كان عام الفتح أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غسله فسترت عليه فاطمة ، ثم أخذ ثوبه فالتحف به ، ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى } . متفق عليه ، ولأبي داود عنها : { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح سبحة الضحى ثمان ركعات يسلم بين كل ركعتين } ) قوله : ( وهو بأعلى مكة ) في رواية للبخاري ومسلم أنها قالت : { إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثمان ركعات } . ويجمع بينهما بأن ذلك تكرر منه ، ويؤيده ما رواه ابن خزيمة عنها أن أبا ذر ستره لما اغتسل ويحتمل أن يكون نزل في بيتها بأعلى مكة وكانت في بيت آخر بمكة ، فجاءت إليه فوجدته يغتسل فيصح القولان ، ذكر معنى ذلك الحافظ قوله : ( فسترت عليه فاطمة ) فيه جواز الاغتسال بحضرة امرأة من محارم الرجل إذا كان مستور العورة عنها وجواز تستيرها إياه بثوب أو نحوه قوله : ( ثمان ركعات ) زاد ابن خزيمة من طريق كريب عن أم هانئ " يسلم من كل ركعتين " وزادها أيضا أبو داود كما ذكر المصنف

وفي ذلك رد على من قال : إن صلاة الضحى موصولة سواء كانت ثمان ركعات أو أقل أو أكثر ، والحديث يدل على استحباب صلاة الضحى ، وقد تقدم قول من قال : إن هذه صلاة الفتح لا صلاة الضحى وقد تقدم الجواب عليه

961 - ( وعن زيد بن أرقم قال : { خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون الضحى ، فقال : صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى } رواه أحمد ومسلم ) . [ ص: 81 ] الحديث أخرجه أيضا الترمذي .

ولفظ مسلم : { إن زيد بن أرقم رأى قوما يصلون من الضحى فقال : أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل ؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلاة الأوابين حين ترمض الفصال } وفي رواية له { خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون فقال : صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال } زاد ابن أبي شيبة في المصنف " وهم يصلون الضحى فقال : صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى " وفي رواية لابن مردويه في تفسيره : " وهم يصلون بعد ما ارتفعت الشمس " وفي رواية له " أنه وجدهم قد بكروا بصلاة الظهر فقال ذلك " وفي رواية للطبراني " أنه مر بهم وهم يصلون صلاة الضحى حين أشرقت الشمس " قوله : ( الأوابين ) جمع أواب وهو الراجع إلى الله تعالى من آب إذا رجع قوله : ( إذا رمضت ) بفتح الراء وكسر الميم وفتح الضاد المعجمة أي احترقت من حر الرمضاء وهي شدة الحر . والمراد إذا وجد الفصيل حر الشمس ولا يكون ذلك إلا عند ارتفاعها

والحديث يدل على أن المستحب فعل الضحى في ذلك الوقت وقد توهم أن قول زيد بن أرقم : إن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل كما في رواية مسلم يدل على نفي الضحى وليس الأمر كذلك ، بل مراده أن تأخير الضحى إلى ذلك الوقت أفضل .

962 - ( وعن عاصم بن ضمرة قال : { سألنا عليا عن تطوع النبي صلى الله عليه وسلم بالنهار فقال : كان إذا صلى الفجر أمهل حتى إذا كانت الشمس من هاهنا ، يعني من المشرق ، مقدارها من صلاة العصر من هاهنا قبل المغرب قام فصلى ركعتين ، ثم يمهل حتى إذا كانت الشمس من هاهنا ، يعني من قبل المشرق ، مقدارها من صلاة الظهر من هاهنا ، يعني من قبل المغرب ، قام فصلى أربعا ، وأربعا قبل الظهر إذا زالت الشمس ، وركعتين بعدها ، وأربعا قبل العصر ، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن يتبعهم من المسلمين والمؤمنين } رواه الخمسة إلا أبا داود ) . الحديث حسنه الترمذي وأسانيده ثقات وعاصم بن ضمرة فيه مقال ، ولكن قد وثقه ابن معين وعلي بن المديني قوله : ( إذا كانت الشمس من ههنا ، يعني من المشرق مقدارها من صلاة العصر من ههنا قبل المغرب ) المراد من هذا أنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتي الضحى ومقدار ارتفاع الشمس من جهة المشرق كمقدار ارتفاعها من جهة المغرب عند صلاة العصر ، وفيه تبيين وقتها قوله : ( حتى إذا كانت الشمس ، إلى قوله : قام فصلى أربعا ) .

[ ص: 82 ] المراد : إذا كان مقدار بعد الشمس من مشرقها كمقدار بعدها من مغربها عند صلاة الظهر قام فصلى ذلك المقدار قوله : ( إذا زالت الشمس ) هذا تبيين لما قبله .

وفيه دليل على استحباب أربع ركعات إذا زالت الشمس . قال العراقي : وهي غير الأربع التي هي سنة الظهر قبلها . وممن نص على استحباب صلاة الزوال الغزالي في الإحياء في كتاب الأوراد

ويدل على ذلك ما رواه أبو الوليد بن مغيث الصفار عن عبد الملك بن حبيب قال : بلغني عن ابن مسعود " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ما من عبد مسلم يصلي أربع ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر يحسن فيها الركوع والسجود والخشوع يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب } وذكر حديثا طويلا . ورواه الطبراني موقوفا على ابن مسعود

وما أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن عباس قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استوى النهار خرج إلى بعض حيطان المدينة " وفيه " قام فصلى أربع ركعات لم يتشهد بينهن ويسلم في آخر الأربع "

وقد بوب الترمذي للصلاة عند الزوال ، وذكر حديث عبد الله بن السائب { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعا بعد أن تزول الشمس } وأشار إلى حديث علي هذا ، وإلى حديث أبي أيوب وهو عند ابن ماجه وأبي داود بلفظ " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء } قوله : ( وركعتين بعدها وأربعا قبل العصر ) قد تقدم الكلام على ذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث