الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من نسي التشهد الأول حتى انتصب قائما لم يرجع

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 143 ] باب من نسي التشهد الأول حتى انتصب قائما لم يرجع

1024 - ( عن ابن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم { صلى فقام في الركعتين فسبحوا به فمضى ، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم سلم } . رواه النسائي ) .

1025 - ( وعن زيادة بن علاقة قال : { صلى المغيرة بن شعبة ، فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس فسبح به من خلفه ، فأشار إليهم أن قوموا بنا ، فلما فرغ من صلاتهم سلم ثم سجد سجدتين وسلم ، ثم قال : هكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم } رواه أحمد والترمذي وصححه ) .

1026 - ( وعن المغيرة بن شعبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس وإن استتم قائما فلا يجلس وسجد سجدتي السهو } رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه )

التالي السابق


الحديث الأول أخرجه بقية الأئمة الستة بنحو لفظ النسائي الذي ذكره المصنف . والحديث الثاني أخرجه أيضا أبو داود ، وفي إسناده المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، استشهد به البخاري وتكلم فيه غير واحد . وأخرجه الترمذي أيضا من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الشعبي عن المغيرة . قال أحمد : لا يحتج بحديث ابن أبي ليلى وقد تكلم فيه غير واحد . والحديث الثالث أخرجه أيضا الدارقطني والبيهقي ، ومداره على جابر الجعفي وهو ضعيف جدا ، وقد قال أبو داود : ولم أخرج عنه في كتابي غير هذا . قوله : ( فقام في الركعتين ) يعني أنه قام إلى الركعة الثالثة ولم يتشهد عقب الركعتين .

قوله : ( فلما فرغ من صلاته ) استدل به من قال : إن السلام ليس من الصلاة ، وقد تقدم البحث عن ذلك ، وتعقب بأن السلام لما كان للتحلل من الصلاة كان المصلي إذا انتهى إليه كمن فرغ من صلاته ويدل على ذلك قوله في رواية ابن ماجه من طريق جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد عن الأعرج : حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن يسلم ، فدل على أن بعض الرواة حذف الاستثناء لوضوحه والزيادة من الحافظ مقبولة . قوله : ( ثم سلم ) استدل بذلك من قال : إن السجود قبل [ ص: 144 ] التسليم ، وقد قدمنا الخلاف فيه وما هو الحق .

وزاد الترمذي في الحديث " وسجدهما الناس معه " مكان " ما نسي من الجلوس " .

وفي هذه الزيادة فائدتان : إحداهما - : أن المؤتم يسجد مع إمامه لسهو الإمام ، ولقوله في الحديث الصحيح : " لا تختلفوا " . وقد أخرج البيهقي والبزار عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن الإمام يكفي من وراءه ، فإن سها الإمام فعليه سجدتا السهو ، وعلى من وراءه من أن يسجدوا معه ، وإن سها أحد ممن خلفه فليس عليه أن يسجد والإمام يكفيه } وفي إسناده خارجة بن مصعب وهو ضعيف ، وأبو الحسين المدائني وهو مجهول ، والحكم بن عبيد الله وهو أيضا ضعيف .

وفي الباب عن ابن عباس عند ابن عدي وفي إسناده عمر بن عمرو العسقلاني وهو متروك ، وقد ذهب إلى أن المؤتم يسجد لسهو الإمام ولا يسجد لسهو نفسه الحنفية والشافعية ومن أهل البيت زيد بن علي والناصر والمؤيد بالله والإمام يحيى .

وروي عن مكحول والهادي أنه يسجد لسهوه لعموم الأدلة ، وهو الظاهر لعدم انتهاض هذا الحديث لتخصيصها ، وإن وقع السهو من الإمام والمؤتم فالظاهر أنه يكفي سجود واحد من المؤتم إما مع الإمام أو منفردا ، وإليه ذهب الفريقان والناصر والمؤيد بالله . وذهب الهادي إلى أنه يجب عليه سجودان ، لسهو الإمام ثم لسهو نفسه ، والظاهر ما ذهب إليه الأولون والفائدة الثانية : أن قوله : مكان ما نسي من الجلوس ، يدل على أن السجود إنما هو لأجل ترك الجلوس لا لترك التشهد ، حتىلو أنه جلس مقدار التشهد ولم يتشهد لا يسجد .

وجزم أصحاب الشافعي وغيرهم أنه يسجد لترك التشهد وإن أتى بالجلوس . قوله : ( فليجلس ) زاد في رواية " ولا سهو عليه " وبها تمسك من قال : إنما السجود هو لفوات التشهد لا لفعل القيام . وإلى ذلك ذهب النخعي وعلقمة والأسود والشافعي في أحد قوليه .

وذهبت العترة وأحمد بن حنبل إلى أنه يجب السجود لفعل القيام لما روي عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم { تحرك للقيام في الركعتين الآخرتين من العصر على جهة السهو ، فسبحوا له فقعد ثم سجد للسهو } أخرجه البيهقي والدارقطني موقوفا عليه .

وفي بعض طرقه أنه قال : " هذه السنة " قال الحافظ : ورجاله ثقات .

وأخرج الدارقطني والحاكم والبيهقي عن ابن عمر من حديثه بلفظ : { لا سهو إلا في قيام عن جلوس أو جلوس عن قيام } وهو ضعيف .

واستدل بأحاديث الباب أن التشهد الأول ليس من فروض الصلاة ، إذ لو كان فرضا لما جبر بالسجود ، ولم يكن بد من الإتيان به كسائر الفروض ، وبذلك قال أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور . وذهب أحمد وأهل الظاهر إلى وجوبه ، وقد تقدم الكلام على هذا الاستدلال والجواب عنه في شرح أحاديث التشهد .

قوله : ( وإن استتم قائما فلا يجلس ) فيه أنه لا يجوز العود إلى القعود والتشهد بعد الانتصاب الكامل ; لأنه قد تلبس بالفرض [ ص: 145 ] فلا يقطعه ويرجع إلى السنة . وقيل : يجوز له العود ما لم يشرع في القراءة ، فإن عاد عالما بالتحريم بطلت صلاته لظاهر النهي ; ولأنه زاد قعودا . وهذا إذا تعمد العود ، فإن عاد ناسيا لم تبطل صلاته .

وأما إذا لم يستتم القيام فإنه يجب عليه العود لقوله في الحديث : { إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس } . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث