الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

5217 حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فقال بعض النسوة أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريد أن يأكل فقالوا هو ضب يا رسول الله فرفع يده فقلت أحرام هو يا رسول الله فقال لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه قال خالد فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر

التالي السابق


قوله ( عن أبي أمامة بن سهل ) أي ابن حنيف الأنصاري ، له رؤية ولأبيه صحبة ، وتقدم الحديث في أوائل الأطعمة من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال " أخبرني أبو أمامة " .

قوله ( عن عبد الله بن عباس عن خالد بن الوليد ) في رواية يونس المذكورة " أن ابن عباس أخبره أن خالد بن الوليد الذي يقال له سيف الله أخبره " وهذا الحديث مما اختلف فيه على الزهري هل هو من مسند ابن عباس [ ص: 581 ] أو من مسند خالد ، وكذا اختلف فيه على مالك فقال الأكثر عن ابن عباس عن خالد ، وقال يحيى بن بكير في " الموطأ " وطائفة عن مالك بسنده عن ابن عباس وخالد أنهما دخلا ، وقال يحيى بن يحيى التميمي عن مالك بلفظ " عن ابن عباس قال : دخلت أنا وخالد على النبي صلى الله عليه وسلم " أخرجه مسلم عنه وكذا أخرجه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري بلفظ " عن ابن عباس قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم ونحن في بيت ميمونة بضبين مشويين " وقال هشام بن يوسف عن معمر كالجمهور كما تقدم في أوائل الأطعمة ، والجمع بين هذه الروايات أن ابن عباس كان حاضرا للقصة في بيت خالته ميمونة كما صرح به في إحدى الروايات ، وكأنه استثبت خالد بن الوليد في شيء منه لكونه الذي كان باشر السؤال عن حكم الضب وباشر أكله أيضا ، فكان ابن عباس ربما رواه عنه ، ويؤيد ذلك أن محمد بن المنكدر حدث به عن أبي أمامة بن سهل عن ابن عباس قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت ميمونة وعنده خالد بن الوليد بلحم ضب الحديث أخرجه مسلم ، وكذا رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس فلم يذكر فيه خالدا ، وقد تقدم في الأطعمة .

قوله ( إنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة ) زاد يونس في روايته وهي خالته وخالة ابن عباس . قلت : واسم أم خالد لبابة الصغرى ، واسم أم ابن عباس لبابة الكبرى وكانت تكنى أم الفضل بابنها الفضل بن عباس ، وهما أختا ميمونة والثلاث بنات الحارث بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي الهلالي .

قوله ( فأتي بضب محنوذ ) بمهملة ساكنة ونون مضمومة وآخره ذال معجمة أي مشوي بالحجارة المحماة ووقع في رواية معمر بضب مشوي ، والمحنوذ أخص والحنيذ بمعناه ، زاد يونس في روايته " قدمت به أختها حفيدة " وهي بمهملة وفاء مصغر ومضى في رواية سعيد بن جبر " أن أم حفيدة بنت الحارث بن حزن خالة ابن عباس أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم سمنا وأقطا وأضبا " وفي رواية عوف عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن الطحاوي " جاءت أم حفيدة بضب وقنفذ " وذكر القنفذ فيه غريب ، وقد قيل في اسمها هـزيلة بالتصغير وهي رواية الموطأ من مرسل عطاء بن يسار ، فإن كان محفوظا فلعل لها اسمين أو اسم ولقب ، وحكى بعض شراح العمدة في اسمها حميدة بميم وفي كنيتها أم حميد بميم بغير هاء ، وفي رواية بهاء وبفاء ولكن براء بدل الدال وبعين مهملة بدل الحاء بغير هاء ، وكلها تصحيفات .

قوله ( فأهوى ) زاد يونس " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يقدم يده لطعام حتى يسمى له " وأخرج إسحاق بن راهويه والبيهقي في " الشعب " من طريق يزيد ابن الحوتكية عن عمر رضي الله عنه أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب يهديها إليه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل من الهدية حتى يأمر صاحبها فيأكل منها من أجل الشاة التي أهديت إليه بخيبر الحديث وسنده حسن .

قوله ( فقال بعض النسوة أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريد أن يأكل ، فقالوا : هو ضب ) في رواية يونس " فقالت امرأة من النسوة الحضور : أخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدمتن له ، هو الضب يا رسول الله " وكأن المرأة أرادت أن غيرها يخبره ، فلما لم يخبروا بادرت هي فأخبرت ، وسيأتي في " باب إجازة خبر الواحد " من طريق الشعبي عن ابن عمر قال " كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سعد يعني ابن أبي وقاص فذهبوا يأكلون من لحم فنادتهم امرأة من بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم " ولمسلم من طريق يزيد بن الأصم " عن ابن عباس أنه بينما هو عند ميمونة وعندها الفضل بن عباس وخالد بن [ ص: 582 ] الوليد وامرأة أخرى إذ قرب إليهم خوان عليه لحم ، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل قالت له ميمونة إنه لحم ضب ، فكف يده " ، وعرف بهذه الرواية اسم التي أبهمت في الرواية الأخرى ، وعند الطبراني في " الأوسط " من وجه آخر صحيح " فقالت ميمونة أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هـو " .

قوله ( فرفع يده ) زاد يونس " عن الضب " ويؤخذ منه أنه أكل من غير الضب مما كان قدم له من غير الضب ، كما تقدم أنه كان فيه غير الضب ، وقد جاء صريحا في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس كما تقدم في الأطعمة ، قال فأكل الأقط وشرب اللبن .

قوله ( لم يكن بأرض قومي ) في رواية يزيد بن الأصم " هذا لحم لم آكله قط " قال ابن العربي : اعترض بعض الناس على هذه اللفظة " لم يكن بأرض قومي " بأن الضباب كثيرة بأرض الحجاز ، قال ابن العربي : فإن كان أراد تكذيب الخبر فقد كذب هو ، فإنه ليس بأرض الحجاز منها شيء ، أو ذكرت له بغير اسمها أو حدثت بعد ذلك ، وكذا أنكر ابن عبد البر ومن تبعه أن يكون ببلاد الحجاز شيء من الضباب . قلت : ولا يحتاج إلى شيء من هذا بل المراد بقوله صلى الله عليه وسلم " بأرض قومي " قريش فقط فيختص النفي بمكة وما حولها ، ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز ، وقد وقع في رواية يزيد بن الأصم عند مسلم " دعانا عروس بالمدينة فقرب إلينا ثلاثة عشر ضبا ، فآكل وتارك " الحديث ، فبهذا يدل على كثرة وجدانها بتلك الديار .

قوله ( فأجدني أعافه ) بعين مهملة وفاء خفيفة أي أتكره أكله ، يقال عفت الشيء أعافه ، ووقع في رواية سعيد بن جبير " فتركهن النبي صلى الله عليه وسلم كالمتقذر لهن ، ولو كن حراما لما أكلن على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم ولما أمر بأكلهن " كذا أطلق الأمر وكأنه تلقاه من الإذن المستفاد من التقرير ، فإنه لم يقع في شيء من طرق حديث ابن عباس بصيغة الأمر إلا في رواية يزيد بن الأصم عند مسلم فإن فيها " فقال لهم كلوا ، فأكل الفضل وخالد والمرأة " وكذا في رواية الشعبي عن ابن عمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلوا وأطعموا فإنه حلال - أو قال لا بأس به - ولكنه ليس طعامي ، وفي هذا كله بيان سبب ترك النبي صلى الله عليه وسلم وأنه بسبب أنه ما اعتاده ، وقد ورد لذلك سبب آخر أخرجه مالك من مرسل سليمان بن يسار فذكر معنى حديث ابن عباس وفي آخره فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كلا - يعني لخالد وابن عباس - فإنني يحضرني من الله حاضرة قال المازري يعني الملائكة ، وكأن للحم الضب ريحا فترك أكله لأجل ريحه ، كما ترك أكل الثوم مع كونه حلالا . قلت : وهذا إن صح يمكن ضمه إلى الأول ويكون لتركه الأكل من الضب سببان .

قوله ( قال خالد فاجتررته ) بجيم ورائين ، هذا هـو المعروف في كتب الحديث ، وضبطه بعض شراح " المهذب " بزاي قبل الراء وقد غلطه النووي .

قوله ( ينظر ) زاد يونس في روايته " إلى " . وفي هذا الحديث من الفوائد جواز أكل الضب ، وحكى عياض عن قوم تحريمه وعن الحنفية كراهته وأنكر ذلك النووي وقال : لا أظنه يصح عن أحد ، فإن صح فهو محجوج بالنصوص وبإجماع من قبله . قلت : قد نقله ابن المنذر عن علي ، فأي إجماع يكون مع مخالفته ؟ ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم ; وقال الطحاوي في " معاني الآثار " : كره قوم أكل الضب ، منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن ، قال : واحتج محمد بحديث عائشة " أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدي له ضب فلم يأكله ، فقام عليهم سائل ، فأرادت عائشة أن تعطيه ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتعطينه [ ص: 583 ] ما لا تأكلين " ؟ قال الطحاوي : ما في هذا دليل على الكراهة لاحتمال أن تكون عافته ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يكون ما يتقرب به إلى الله إلا من خير الطعام ، كما نهى أن يتصدق بالتمر الرديء اهـ . وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الضب أخرجه أبو داود بسند حسن ، فإنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عتبة عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل ، وحديث ابن عياش عن الشاميين قوي ، وهؤلاء شاميون ثقات ، ولا يغتر بقول الخطابي : ليس إسناده بذاك ، وقول ابن حزم : فيه ضعفاء ومجهولون ، وقول البيهقي : تفرد به إسماعيل بن عياش وليس بحجة ، وقول ابن الجوزي : لا يصح ، ففي كل ذلك تساهل لا يخفى ، فإن رواية إسماعيل عن الشاميين قوية عند البخاري وقد صحح الترمذي بعضها ، وقد أخرج أبو داود من حديث عبد الرحمن بن حسنة " نزلنا أرضا كثيرة الضباب " الحديث ، وفيه أنهم طبخوا منها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض فأخشى أن تكون هذه فأكفئوها أخرجه أحمد وصححه ابن حبان والطحاوي وسنده على شرط الشيخين إلا الضحاك فلم يخرجا له .

وللطحاوي من وجه آخر عن زيد بن وهب ووافقه الحارث بن مالك ويزيد بن أبي زياد ووكيع في آخره " فقيل له إن الناس قد اشتووها أكلوها ، فلم يأكل ولم ينه عنه " والأحاديث الماضية وإن دلت على الحل تصريحا وتلويحا نصا وتقريرا ، فالجمع بينها وبين هذا حمل النهي فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون مما مسخ وحينئذ أمر بإكفاء القدور ، ثم توقف فلم يأمر به ولم ينه عنه ، وحمل الإذن فيه على ثاني الحال لما علم أن الممسوخ لا نسل له ، ثم بعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرمه ، وأكل على مائدته فدل على الإباحة ، وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يتقذره ، وتحمل أحاديث الإباحة على من لا يتقذره ، ولا يلزم من ذلك أنه يكره مطلقا . وقد أفهم كلام ابن العربي أنه لا يحل في حق من يتقذره لما يتوقع في أكله من الضرر وهذا لا يختص بهذا ، ووقع في حديث يزيد بن الأصم " أخبرت ابن عباس بقصة الضب ، فأكثر القوم حوله حتى قال بعضهم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا آكله ولا أنهى عنه ولا أحرمه ، فقال ابن عباس : بئس ما قلتم ، ما بعث نبي الله إلا محرما أو محللا " أخرجه مسلم . قال ابن العربي : ظن ابن عباس أن الذي أخبر بقوله صلى الله عليه وسلم لا آكله أراد لا أحله فأنكر عليه لأن خروجه من قسم الحلال والحرام محال . وتعقبه شيخنا في " شرح الترمذي " بأن الشيء إذا لم يتضح إلحاقه بالحلال أو الحرام يكون من الشبهات فيكون من حكم الشيء قبل ورود الشرع ، والأصح كما قال النووي أنه لا يحكم عليها بحل ولا حرمة .

قلت : وفي كون مسألة الكتاب من هذا النوع نظر ، لأن هذا إنما هـو إذا تعارض الحكم على المجتهد ، أما الشارع إذا سئل عن واقعة فلا بد أن يذكر فيها الحكم الشرعي " وهذا هـو الذي أراده ابن العربي وجعل محط كلام ابن عباس عليه . ثم وجدت في الحديث زيادة لفظة سقطت من رواية مسلم وبها يتجه إنكار ابن عباس ويستغنى عن تأويل ابن العربي لا آكله بلا أحله وذلك أن أبا بكر بن أبي شيبة وهو شيخ مسلم فيه أخرجه في مسنده بالسند الذي ساقه به عند مسلم فقال في روايته " لا آكله ولا أنهى عنه ولا أحله ولا أحرمه " ولعل مسلما حذفها عمدا لشذوذها ، لأن ذلك لم يقع في شيء من الطرق لا في حديث ابن عباس ولا غيره ، وأشهر من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم " لا آكله ولا أحرمه " ابن عمر كما تقدم ، وليس في حديثه " لا أحله " بل جاء التصريح عنه بأنه حلال فلم تثبت هذه اللفظة وهي قوله " لا أحله " لأنها وإن كانت من رواية يزيد بن الأصم وهو ثقة لكنه أخبر بها عن قوم كانوا عند ابن عباس فكانت رواية عن مجهول ، ولم يقل يزيد بن الأصم إنهم صحابة حتى يغتفر عدم تسميتهم . واستدل بعض من منع أكله بحديث أبي سعيد عند [ ص: 584 ] مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ذكر لي أن أمة من بني إسرائيل مسخت " وقد ذكرته وشواهده قبل ، وقال الطبري : ليس في الحديث الجزم بأن الضب مما مسخ ، وإنما خشي أن يكون منهم فتوقف عنه ، وإنما قال ذلك قبل أن يعلم الله تعالى نبيه أن الممسوخ لا ينسل ، وبهذا أجاب الطحاوي ثم أخرج من طريق المعرور بن سويد عن عبد الله بن مسعود قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي مما مسخ ؟ قال : إن الله لم يهلك قوما - أو يمسخ قوما - فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة وأصل هذا الحديث في مسلم ، وكأنه لم يستحضره من صحيح مسلم ، ويتعجب من ابن العربي حيث قال : قوله إن الممسوخ لا ينسل دعوى ، فإنه أمر لا يعرف بالعقل وإنما طريقه النقل ، وليس فيه أمر يعول عليه .

كذا قال ثم قال الطحاوي بعد أن أخرجه من طرق ثم أخرج حديث ابن عمر : فثبت بهذه الآثار أنه لا بأس بأكل الضب ، وبه أقول . قال : وقد احتج محمد بن الحسن لأصحابه بحديث عائشة ، فساقه الطحاوي من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يأكله ، فقام عليهم سائل ، فأرادت عائشة أن تعطيه فقال لها : أتعطيه ما لا تأكلين ؟ قال محمد : دل ذلك على كراهته لنفسه ولغيره وتعقبه الطحاوي باحتمال أن يكون ذلك من جنس ما قال الله تعالى ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ثم ساق الأحاديث الدالة على كراهة التصدق بحشف التمر ، وقد مر ذكرها في كتاب الصلاة في " باب تعليق القنو في المسجد " وبحديث البراء " كانوا يحبون الصدقة بأرداء تمرهم ، فنزلت أنفقوا من طيبات ما كسبتم الآية . قال : فلهذا المعنى كره لعائشة الصدقة بالضب لا لكونه حراما اهـ . وهذا يدل على أنه فهم عن محمد أن الكراهة فيه للتحريم ، والمعروف عن أكثر الحنفية فيه كراهة التنزيه . وجنح بعضهم إلى التحريم وقال : اختلفت الأحاديث وتعذرت معرفة المتقدم فرجحنا جانب التحريم تقليلا للنسخ اهـ . ودعواه التعذر ممنوعة لما تقدم والله أعلم .

ويتعجب من ابن العربي حيث قال : قولهم إن الممسوخ لا ينسل دعوى ، فإنه أمر لا يعرف بالعقل وإنما طريقه النقل ، وليس فيه أمر يعول عليه ، كذا قال وكأنه لم يستحضره من صحيح مسلم ، ثم قال : وعلى تقدير ثبوت كون الضب ممسوخا فذلك لا يقتضي تحريم أكله لأن كونه آدميا قد زال حكمه ولم يبق له أثر أصلا ، وإنما كره صلى الله عليه وسلم الأكل منه لما وقع عليه من سخط الله كما كره الشرب من مياه ثمود اهـ . ومسألة جواز أكل الآدمي إذا مسخ حيوانا مأكولا لم أرها في كتب فقهائنا . وفي الحديث أيضا الإعلام بما شك فيه لإيضاح حكمه ، وأن مطلق النفرة وعدم الاستطابة لا يستلزم التحريم ، وأن المنقول عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يعيب الطعام إنما هـو فيما صنعه الآدمي لئلا ينكسر خاطره وينسب إلى التقصير فيه ; وأما الذي خلق كذلك فليس نفور الطبع منه ممتنعا .

وفيه أن وقوع مثل ذلك ليس بمعيب ممن يقع منه خلافا لبعض المتنطعة . وفيه أن الطباع تختلف في النفور عن بعض المأكولات ، وقد يستنبط منه أن اللحم إذا أنتن لم يحرم لأن بعض الطباع لا تعافه . وفيه دخول أقارب الزوجة بيتها إذا كان بإذن الزوج أو رضاه ، وذهل ابن عبد البر هنا ذهولا فاحشا فقال : كان دخول خالد بن الوليد بيت النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة قبل نزول الحجاب ، وغفل عما ذكره هو أن إسلام خالد كان بين عمرة القضية والفتح ، وكان الحجاب قبل ذلك اتفاقا ، وقد وقع في حديث الباب " قال خالد : أحرام هو يا رسول الله " ؟ فلو كانت القصة قبل الحجاب لكانت قبل إسلام خالد ، ولو كانت قبل إسلامه لم يسأل عن حلال ولا حرام ، ولا خاطب بقوله يا رسول الله . وفيه جواز الأكل من بيت القريب والصهر والصديق ، وكأن خالدا ومن وافقه في الأكل أرادوا جبر قلب الذي أهدته ، أو لتحقق حكم [ ص: 585 ] الحل ، أو لامتثال قوله صلى الله عليه وسلم " كلوا " وفهم من لم يأكل أن الأمر فيه للإباحة . وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤاكل أصحابه ويأكل اللحم حيث تيسر ; وأنه كان لا يعلم من المغيبات إلا ما علمه الله تعالى . وفيه وفور عقل ميمونة أم المؤمنين وعظيم نصيحتها للنبي صلى الله عليه وسلم ، لأنها فهمت مظنة نفوره عن أكله بما استقرت منه ، فخشيت أن يكون ذلك كذلك فيتأذى بأكله لاستقذاره له فصدقت فراستها . ويؤخذ منه أن من خشي أن يتقذر شيئا لا ينبغي أن يدلس له لئلا يتضرر به ، وقد شوهد ذلك من بعض الناس .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث