الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع

جزء التالي صفحة
السابق

باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع

703 حدثنا محمد بن مقاتل قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يونس عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع ويقول سمع الله لمن حمده ولا يفعل ذلك في السجود [ ص: 257 ]

التالي السابق


[ ص: 257 ] قوله : ( باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع ) قد صنف البخاري في هذه المسألة جزءا منفردا ، وحكى فيه عن الحسن وحميد بن هلال أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك . قال البخاري : ولم يستثن الحسن أحدا . وقال ابن عبد البر : كل من روي عنه ترك الرفع في الركوع والرفع منه روي عنه فعله إلا ابن مسعود . وقال محمد بن نصر المروزي : أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة . وقال ابن عبد البر : لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما إلا ابن القاسم . والذي نأخذ به الرفع على حديث ابن عمر ، وهو الذي رواه ابن وهب وغيره عن مالك ، ولم يحك الترمذي عن مالك غيره ، ونقل الخطابي وتبعه القرطبي في المفهم أنه آخر قولي مالك وأصحهما ، ولم أر للمالكية دليلا على تركه ولا متمسكا إلا بقول ابن القاسم . وأما الحنفية فعولوا على رواية مجاهد أنه صلى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ذلك . وأجيبوا بالطعن في إسناده ؛ لأن أبا بكر بن عياش راويه ساء حفظه بآخره ، وعلى تقدير صحته فقد أثبت ذلك سالم ونافع وغيرهما عنه وستأتي رواية نافع بعد بابين ، والعدد الكثير أولى من واحد ، لاسيما وهم مثبتون وهو ناف ، مع أن الجمع بين الروايتين ممكن وهو أنه لم يكن يراه واجبا ففعله تارة وتركه أخرى . ومما يدل على ضعفه ما رواه البخاري في " جزء رفع اليدين " عن مالك أن ابن عمر كان إذا رأى رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى ، واحتجوا بحديث ابن مسعود " أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه عند الافتتاح ثم لا يعود " أخرجه أبو داود ، ورده الشافعي بأنه لم يثبت ، قال : ولو ثبت لكان المثبت مقدما على النافي ، وقد صححه بعض أهل الحديث ؛ لكنه استدل به على عدم الوجوب ، والطحاوي إنما نصب الخلاف مع من يقول بوجوبه كالأوزاعي وبعض أهل الظاهر ، ونقل البخاري عقب حديث ابن عمر في هذا الباب عن شيخه علي بن المديني قال : حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع والرفع منه لحديث ابن عمر هذا ، وهذا في رواية ابن عساكر . وقد ذكره البخاري في " جزء رفع اليدين " وزاد : وكان علي أعلم أهل زمانه . ومقابل هذا قول بعض الحنفية أنه يبطل الصلاة . ونسب بعض متأخري المغاربة فاعله إلى البدعة ، ولهذا مال بعض محققيهم كما حكاه ابن دقيق العيد إلى تركه درءا لهذه المفسدة . وقد قال البخاري في " جزء رفع اليدين " : من زعم أنه بدعة فقد طعن في الصحابة فإنه لم يثبت عن أحد منهم تركه . قال : ولا أسانيد أصح من أسانيد الرفع . انتهى والله أعلم .

وذكر البخاري أيضا أنه رواه سبعة عشر [ ص: 258 ] رجلا من الصحابة ، وذكر الحاكم وأبو القاسم بن منده ممن رواه العشرة المبشرة ، وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ أنه تتبع من رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلا .

قوله : ( أخبرنا عبد الله ) هو ابن المبارك ، ويونس هو ابن يزيد . وأفادت هذه الطريق تصريح الزهري بإخبار سالم له به .

قوله : ( عن أبيه ) سماه غير أبي ذر فقالوا " عن عبد الله بن عمر " .

قوله : ( حين يكبر للركوع ) أي : عند ابتداء الركوع ، وهو مقتضى رواية مالك بن الحويرث المذكورة في الباب حيث قال " وإذا أراد أن يركع رفع يديه " وسيأتي في " باب التكبير إذا قام من السجود " من حديث أبي هريرة " ثم يكبر حين يركع " .

قوله : ( ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع ) أي : إذا أراد أن يرفع . ويؤيده رواية أبي داود من طريق الزبيدي عن الزهري بلفظ " ثم إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما حتى يكونا حذو منكبيه " ومقتضاه أنه يبتدئ رفع يديه عند ابتداء القيام من الركوع ، وأما رواية ابن عيينة عن الزهري التي أخرجها عنه أحمد وأخرجها عن أحمد أبو داود بلفظ " وبعد ما يرفع رأسه من الركوع " فمعناه بعد ما يشرع في الرفع لتتفق الروايات .

قوله : ( ولا يفعل ذلك في السجود أي : لا في الهوي إليه ولا في الرفع منه كما في رواية شعيب في الباب الذي بعده حيث قال " حين يسجد ولا حين يرفع رأسه " وهذا يشمل ما إذا نهض من السجود إلى الثانية والرابعة والتشهدين ، ويشمل ما إذا قام إلى الثالثة أيضا لكن بدون تشهد لكونه غير واجب وإذا قلنا باستحباب جلسة الاستراحة لم يدل هذا اللفظ على نفي ذلك عند القيام منها إلى الثانية والرابعة ، لكن قد روى يحيى القطان عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا هذا الحديث وفيه " ولا يرفع بعد ذلك " أخرجه الدارقطني في الغرائب بإسناد حسن . وظاهره يشمل النفي عما عدا المواطن الثلاثة ، وسيأتي إثبات ذلك في موطن رابع بعد بباب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث