الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب السواك يوم الجمعة وقال أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم يستن

847 حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة

التالي السابق


قوله : ( باب السواك يوم الجمعة ) أورد فيه حديثا معلقا وثلاثة موصولة ، والمعلق طرف من حديث [ ص: 436 ] أبي سعيد المذكور في " باب الطيب للجمعة " فإن فيه " وأن يستن " أي يدلك أسنانه بالسواك . وأما الموصولة فأولها حديث أبي هريرة " لولا أن أشق " ومطابقته للترجمة من جهة اندراج الجمعة في عموم قوله " كل صلاة " وقال الزين بن المنير : لما خصت الجمعة بطلب تحسين الظاهر من الغسل والتنظيف والتطيب ناسب ذلك تطييب الفم الذي هو محل الذكر والمناجاة ، وإزالة ما يضر الملائكة وبني آدم . ثاني الموصولة حديث أنس " أكثرت عليكم في السواك " قال ابن رشيد مناسبته للذي قبله من جهة أن سبب منعه من إيجاب السواك واحتياجه إلى الاعتذار عن إكثاره عليهم فيه وجود المشقة ، ولا مشقة في فعل ذلك في يوم واحد وهو يوم الجمعة . ثالث الموصولة حديث حذيفة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام من الليل يشوص فاه . ووجه مناسبته أنه شرع في الليل لتجمل الباطن فيكون في الجمعة أحرى ؛ لأنه شرع لها التجمل في الباطن والظاهر ، وقد تقدم الكلام على حديث حذيفة في آخر كتاب الوضوء وأما حديث أبي هريرة فلم يختلف على مالك في إسناده وإن كان له في أصل الحديث إسناد آخر بلفظ آخر سيأتي الكلام عليه في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى .

قوله : ( أو لولا أن أشق على الناس ) هو شك من الراوي ، ولم أقف عليه بهذا اللفظ في شيء من الروايات عن مالك ولا عن غيره ، وقد أخرجه الدارقطني في الموطآت من طريق الموطأ لعبد الله بن يوسف شيخ البخاري فيه بهذا الإسناد بلفظ " أو على الناس " لم يعد قوله " لولا أن أشق " وكذا رواه كثير من رواة الموطأ ورواه أكثرهم بلفظ " المؤمنين " بدل " أمتي " ورواه يحيى بن يحيى الليثي بلفظ " على أمتي " دون الشك .

قوله : ( لأمرتهم بالسواك ) أي باستعمال السواك ، لأن السواك هو الآلة ، وقد قيل إنه يطلق على الفعل أيضا فعلى هذا لا تقدير ، والسواك مذكر على الصحيح ، وحكى في الحكم تأنيثه ، وأنكر ذلك الأزهري .

قوله : ( مع كل صلاة ) لم أرها أيضا في شيء من روايات الموطأ إلا عن معن بن عيسى لكن بلفظ " عند كل صلاة " وكذا النسائي عن قتيبة عن مالك ، وكذا رواه مسلم من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد ، وخالفه سعيد بن أبي هلال عن الأعرج فقال " مع الوضوء " بدل الصلاة أخرجه أحمد من طريقه ، قال القاضي البيضاوي : " لولا " كلمة تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره ، والحق أنها مركبة من " لو " الدالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره و " لا " النافية ، فدل الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقة لأن انتفاء النفي ثبوت فيكون الأمر منفيا لثبوت المشقة ، وفيه دليل على أن الأمر للوجوب من وجهين : أحدهما أنه نفي الأمر مع ثبوت الندبية ، ولو كان للندب لما جاز النفي ، ثانيهما أنه جعل الأمر مشقة عليهم وذلك إنما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب ، إذ الندب لا مشقة فيه لأنه جائز الترك . وقال الشيخ أبو إسحاق في " اللمع " في هذا الحديث دليل على أن الاستدعاء على جهة الندب ليس بأمر حقيقة لأن السواك عند كل صلاة مندوب إليه ، وقد أخبر الشارع أنه لم يأمر به اهـ .

ويؤكده قوله في رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة عند النسائي بلفظ " لفرضت عليهم " بدل لأمرتهم ، وقال الشافعي : فيه دليل على أن السواك ليس بواجب لأنه لو كان واجبا لأمرهم شق عليهم به أو لم يشق اهـ . وإلى القول بعدم وجوبه صار أكثر أهل العلم ، بل ادعى بعضهم فيه الإجماع ، لكن حكى الشيخ أبو حامد وتبعه الماوردي عن إسحاق بن راهويه قال : هو واجب لكل صلاة ، فمن تركه [ ص: 437 ] عامدا بطلت صلاته . وعن داود أنه قال : وهو واجب لكن ليس شرطا . واحتج من قال بوجوبه بورود الأمر به ، فعند ابن ماجه من حديث أبي أمامة مرفوعا " تسوكوا " ولأحمد نحوه من حديث العباس ، وفي الموطأ في أثناء حديث " عليكم بالسواك " ولا يثبت شيء منها ، وعلى تقدير الصحة فالمنفي في مفهوم حديث الباب الأمر به مقيدا بكل صلاة لا مطلق الأمر ، ولا يلزم من نفي المقيد نفي المطلق ولا من ثبوت المطلق التكرار كما سيأتي . واستدل بقوله " كل صلاة " على استحبابه للفرائض والنوافل ، ويحتمل أن يكون المراد الصلوات المكتوبة وما ضاهاها من النوافل التي ليست تبعا لغيرها كصلاة العيد ، وهذا اختاره أبو شامة ، ويتأيد بقوله في حديث أم حبيبة عند أحمد بلفظ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما يتوضئون وله من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ، ومع كل وضوء بسواك فسوى بينهما . وكما أن الوضوء لا يندب للراتبة التي بعد الفريضة إلا إن طال الفصل مثلا ، فكذلك السواك .

ويمكن أن يفرق بينهما بأن الوضوء أشق من السواك ، ويتأيد بما رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ركعتين ، ثم ينصرف فيستاك وإسناده صحيح ، لكنه مختصر من حديث طويل أورده أبو داود ، وبين فيه أنه تخلل بين الانصراف والسواك نوم . وأصل الحديث في مسلم مبينا أيضا ، واستدل به على أن الأمر يقتضي التكرار ، لأن الحديث دل على كون المشقة هي المانعة من الأمر بالسواك ، ولا مشقة في وجوبه مرة ، وإنما المشقة في وجوب التكرار . وفي هذا البحث نظر ، لأن التكرار لم يؤخذ هنا من مجرد الأمر ، وإنما أخذ من تقييده بكل صلاة . وقال المهلب : فيه أن المندوبات ترتفع إذا خشي منها الحرج . وفيه ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه من الشفقة على أمته . وفيه جواز الاجتهاد منه فيما لم ينزل عليه فيه نص ، لكونه جعل المشقة سببا لعدم أمره ، فلو كان الحكم متوقفا على النص لكان سبب انتفاء الوجوب عدم ورود النص لا وجود المشقة .

قال ابن دقيق العيد : وفيه بحث ، وهو كما قال ، ووجهه أنه يجوز أن يكون إخبارا منه - صلى الله عليه وسلم - بأن سبب عدم ورود النص وجود المشقة ، فيكون معنى قوله " لأمرتهم " أي عن الله بأنه واجب . واستدل به النسائي على استحباب السواك للصائم بعد الزوال ، لعموم قوله " كل صلاة " ، وسيأتي البحث فيه في كتاب الصيام .

( فائدة ) : قال ابن دقيق العيد : الحكمة في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة كونها حال تقرب إلى الله ، فاقتضى أن تكون حال كمال ونظافة إظهارا لشرف العبادة ، وقد ورد من حديث علي عند البزار ما يدل على أنه لأمر يتعلق بالملك الذي يستمع القرآن من المصلي ، فلا يزال يدنو منه حتى يضع فاه على فيه ، لكنه لا ينافي ما تقدم . وأما حديث أنس فرجال إسناده بصريون ، وقوله " أكثرت " وقع في رواية الإسماعيلي " لقد أكثرت إلخ " أي بالغت في تكرير طلبه منكم ، أو في إيراد الإخبار في الترغيب فيه . وقال ابن التين : معناه أكثرت عليكم ، وحقيق أن أفعل ، وحقيق أن تطيعوا . وحكى الكرماني أنه روي بضم أوله أي بلغت من عند الله بطلبه منكم . ولم أقف على هذه الرواية إلى الآن صريحة .

( تنبيه ) : ذكره ابن المنير بلفظ " عليكم بالسواك " ولم يقع ذلك في شيء من الروايات في صحيح البخاري ، وقد تعقبه ابن رشيد . واللفظ المذكور وقع في الموطأ عن الزهري عن عبيد بن السباق مرسلا ، وهو في أثناء حديث وصله ابن ماجه من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزهري يذكر ابن عباس فيه ، [ ص: 438 ] وسبق الكلام عليه في آخر " باب الدهن للجمعة " ورواه معمر عن الزهري قال " أخبرني من لا أتهم من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أنهم سمعوه يقول ذلك " .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث