الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من قال ليس على المحصر بدل

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب من قال ليس على المحصر بدل وقال روح عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله وقال مالك وغيره ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان ولا قضاء عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شيء قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت ثم لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحدا أن يقضوا شيئا ولا يعودوا له والحديبية خارج من الحرم

1718 حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال حين خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بعمرة من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أهل بعمرة عام الحديبية ثم إن عبد الله بن عمر نظر في أمره فقال ما أمرهما إلا واحد فالتفت إلى أصحابه فقال ما أمرهما إلا واحد أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة ثم طاف لهما طوافا واحدا ورأى أن ذلك مجزيا عنه وأهدى

التالي السابق


قوله : ( باب من قال ليس على المحصر بدل ) بفتح الموحدة والمهملة ، أي : قضاء لما أحصر فيه من حج أو عمرة ، وهذا هو قول الجمهور كما تقدم قريبا .

[ ص: 15 ] قوله : ( وقال روح ) يعني : ابن عبادة ، وهذا التعليق وصله إسحاق بن راهويه في تفسيره عن روح بهذا الإسناد ، وهو موقوف على ابن عباس ، ومراده بالتلذذ وهو بمعجمتين الجماع . وقوله : " حبسه عذر " كذا للأكثر بضم المهملة وسكون المعجمة بعدها راء ، ولأبي ذر " حبسه عدو " بفتح أوله وفي آخره واو . وقوله : " أو غير ذلك " أي : من مرض أو نفاد نفقة . وقد ورد عن ابن عباس نحو هذا بإسناد آخر . أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه ، وفيه " فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها ، وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه " . وقوله : " وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله " هذه مسألة اختلاف بين الصحابة ومن بعدهم ، فقال الجمهور : يذبح المحصر الهدي حيث يحل سواء كان في الحل أو في الحرم ، وقال أبو حنيفة : لا يذبحه إلا في الحرم ، وفصل آخرون كما قاله ابن عباس هنا وهو المعتمد . وسبب اختلافهم في ذلك هل نحر النبي - صلى الله عليه وسلم - الهدي بالحديبية في الحل أو في الحرم ، وكان عطاء يقول : لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم ، ووافقه ابن إسحاق ، وقال غيره من أهل المغازي : إنما نحر في الحل .

وروى يعقوب بن سفيان من طريق مجمع بن يعقوب عن أبيه قال : لما حبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه نحروا بالحديبية وحلقوا ، وبعث الله ريحا فحملت شعورهم فألقتها في الحرم " قال ابن عبد البر في " الاستذكار " : فهذا يدل على أنهم حلقوا في الحل . قلت : ولا يخفى ما فيه ، فإنه لا يلزم من كونهم ما حلقوا في الحرم لمنعهم من دخوله أن لا يكونوا أرسلوا الهدي مع من نحره في الحرم ، وقد ورد ذلك في حديث ناجية بن جندب الأسلمي : قلت : يا رسول الله ، ابعث معي بالهدي حتى أنحره في الحرم ، ففعل أخرجه النسائي من طريق إسرائيل ، عن مجزأة بن زاهر ، عن ناجية ، وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن إسرائيل لكن قال : " عن ناجية عن أبيه " لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه ، بل ظاهر القصة أن أكثرهم نحر في مكانه وكانوا في الحل ، وذلك دال على الجواز ، والله أعلم .

قوله : ( وقال مالك وغيره ) هو مذكور في " الموطأ " ولفظه أنه بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حل هو وأصحابه بالحديبية فنحروا الهدي وحلقوا رءوسهم وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت وقبل أن يصل إليه الهدي ثم لم نعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أحدا من أصحابه ، ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ، ولا أن يعودوا لشيء . وسئل مالك عمن أحصر بعدو فقال : يحل من كل شيء ، وينحر هديه ، ويحلق رأسه حيث حبس ، وليس عليه قضاء .

وأما قول البخاري وغيره فالذي يظهر لي أنه عنى به الشافعي ؛ لأن قوله في آخره : " والحديبية خارج الحرم " هو من كلام الشافعي في " الأم " ، وعنه أن بعضها في الحل وبعضها في الحرم ، لكن إنما نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحل استدلالا بقوله تعالى : وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله قال : ومحل الهدي عند أهل العلم الحرم ، وقد أخبر الله تعالى أنهم صدوهم عن ذلك . قال : فحيثما أحصر ذبح وحل ، ولا قضاء عليه من قبل أن الله تعالى لم يذكر قضاء ، والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت لأنا علمنا من متواطئ أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون ، ثم اعتمر عمرة القضية فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال ، ولو لزمهم القضاء لأمرهم بأن لا يتخلفوا عنه . وقال في موضع آخر : إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش ، لا على أنهم وجب [ ص: 16 ] عليهم قضاء تلك العمرة ، انتهى .

وقد روى الواقدي في المغازي من طريق الزهري ، ومن طريق أبي معشر وغيرهما قالوا : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يعتمروا فلم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر أو مات ، وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهد الحديبية وكانت عدتهم ألفين ويمكن الجمع بين هذا إن صح وبين الذي قبله بأن الأمر كان على طريق الاستحباب ؛ لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر ، وقد روى الواقدي أيضا من حديث ابن عمر قال : " لم تكن هذه العمرة قضاء ، ولكن كان شرطا على قريش أن يعتمر المسلمون من قابل في الشهر الذي صدهم المشركون فيه " .

قوله : ( ثم طاف لهما ) أي : للحج والعمرة ، وهذا يخالف قول الكوفيين : إنه يجب لهما طوافان .

قوله : ( ورأى أن ذلك مجزئ عنه ) كذا لأبي ذر وغيره بالرفع على أنه خبر " أن " ، ووقع في رواية كريمة : " مجزيا " فقيل : هو على لغة من ينصب بـ " أن " المبتدأ والخبر ، أو هي خبر " كان " المحذوفة . والذي عندي أنه من خطأ الكاتب ، فإن أصحاب " الموطأ " اتفقوا على روايته بالرفع على الصواب .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث