الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من قال إن الإيمان هو العمل

جزء التالي صفحة
السابق

باب من قال إن الإيمان هو العمل لقول الله تعالى وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون عن قول لا إله إلا الله وقال لمثل هذا فليعمل العاملون

26 حدثنا أحمد بن يونس وموسى بن إسماعيل قالا حدثنا إبراهيم بن سعد قال حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل فقال إيمان بالله ورسوله قيل ثم ماذا قال الجهاد في سبيل الله قيل ثم ماذا قال حج مبرور [ ص: 98 ]

التالي السابق


[ ص: 98 ] قوله : ( باب من قال ) هو مضاف حتما .

قوله : ( إن الإيمان هو العمل ) مطابقة الآيات والحديث لما ترجم له بالاستدلال بالمجموع على المجموع ; لأن كل واحد منها دال بمفرده على بعض الدعوى ، فقوله بما كنتم تعملون عام في الأعمال ، وقد نقل جماعة من المفسرين أن قوله هنا تعملون معناه تؤمنون ، فيكون خاصا . وقوله : عما كانوا يعملون خاص بعمل اللسان على ما نقل المؤلف . وقوله : فليعمل العاملون عام أيضا . وقوله في الحديث " إيمان بالله " في جواب " أي العمل أفضل " ؟ دال على أن الاعتقاد والنطق من جملة الأعمال . فإن قيل : الحديث يدل على أن الجهاد والحج ليسا من الإيمان لما تقتضيه " ثم " المغايرة والترتيب ، فالجواب أن المراد بالإيمان هنا التصديق ، هذه حقيقته ، والإيمان كما تقدم يطلق على الأعمال البدنية لأنها من مكملاته .

قوله : ( أورثتموها ) أي : صيرت لكم إرثا . وأطلق الإرث مجازا عن الإعطاء لتحقق الاستحقاق . و " ما " في قوله " بما " إما مصدرية أي : بعملكم ، وإما موصولة أي بالذي كنتم تعملون . والباء للملابسة أو للمقابلة الصواب أن الباء هنا للسببية ، بخلاف الباء في حديث ( لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله ) فإنها للعوض والمقابلة . فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وحديث " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله " ؟ فالجواب أن المنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عن القبول ، والمثبت في الآية دخولها بالعمل المتقبل ، والقبول إنما يحصل برحمة الله ، فلم يحصل الدخول إلا برحمة الله . وقيل في الجواب غير ذلك كما سيأتي عند إيراد الحديث المذكور .

( تنبيه ) : اختلف الجواب عن هذا السؤال ، وأجيب بأن لفظ " من " مراد في كل منهما ، وقيل وقع باختلاف الأحوال والأشخاص فأجيب كل سائل بالحال اللائق به ، وهذا اختيار الحليمي ونقله عن القفال .

قوله ( وقال عدة ) أي : جماعة من أهل العلم ، منهم أنس بن مالك روينا حديثه مرفوعا في الترمذي وغيره وفي إسناده ضعف . ومنهم ابن عمر روينا حديثه في التفسير للطبري ، والدعاء للطبراني . ومنهم مجاهد رويناه عنه في تفسير عبد الرزاق وغيره .

قوله : ( لنسألنهم إلخ ) قال النووي : معناه عن أعمالهم كلها ، أي التي يتعلق بها التكليف ، وتخصيص ذلك بالتوحيد دعوى بلا دليل . قلت : لتخصيصهم وجه من جهة التعميم في قوله : أجمعين بعد أن تقدم ذكر الكفار إلى قوله : ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين فيدخل فيه المسلم والكافر ، فإن الكافر مخاطب بالتوحيد بلا خلاف ، بخلاف باقي الأعمال ففيها الخلاف ، فمن قال إنهم مخاطبون يقول : إنهم مسؤولون عن الأعمال كلها ، ومن قال إنهم غير مخاطبين يقول : إنما يسألون عن التوحيد فقط ، فالسؤال عن التوحيد متفق عليه . فهذا هو دليل التخصيص ، فحمل الآية عليه أولى ، بخلاف الحمل على جميع الأعمال لما فيه من الاختلاف . والله أعلم .

قوله : ( وقال ) أي : الله عز وجل ( لمثل هذا أي الفوز العظيم فليعمل العاملون أي : في الدنيا . والظاهر أن المصنف تأولها بما تأول به الآيتين المتقدمتين أي : فليؤمن المؤمنون ، أو يحمل العمل على عمومه لأن من آمن لا بد أن يقبل أي لا بد أن يقبل ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ إذ لا يتم إيمانه إلا بذلك ، ومن قبل فمن حقه أن يعمل ، ومن عمل لا بد أن ينال ، فإذا وصل قال : لمثل هذا فليعمل العاملون .

[ ص: 99 ] ( تنبيه ) : يحتمل أن يكون قائل ذلك المؤمن الذي رأى قرينه ، ويحتمل أن يكون كلامه انقضى عند قوله : الفوز العظيم والذي بعده ابتداء من قول الله عز وجل أو بعض الملائكة ، لا حكاية عن قول المؤمن . والاحتمالات الثلاثة مذكورة في التفسير . ولعل هذا هو السر في إبهام المصنف القائل ، والله أعلم .

قوله : ( حدثنا أحمد بن يونس ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي ، نسب إلى جده .

قوله : ( سئل ) أبهم السائل ، وهو أبو ذر الغفاري ، وحديثه في العتق [1] .

قوله : ( قيل ثم ماذا ؟ قال : الجهاد ) وفي مسند الحارث أبي أسامة عن إبراهيم بن سعد " ثم جهاد " فواخى بين الثلاثة في التنكير ، بخلاف ما عند المصنف . وقال الكرماني : الإيمان لا يتكرر كالحج ، والجهاد قد يتكرر ، فالتنوين للإفراد الشخصي ، والتعريف للكمال . إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل . وتعقب عليه بأن التنكير من جملة وجوهه التعظيم ، وهو يعطي الكمال . وبأن التعريف من جملة وجوهه العهد ، وهو يعطي الإفراد الشخصي ، فلا يسلم الفرق . قلت : وقد ظهر من رواية الحارث التي ذكرتها أن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة ; لأن مخرجه واحد ، فالإطالة في طلب الفرق في مثل هذا غير طائلة ، والله الموفق .

قوله : ( حج مبرور ) أي مقبول ومنه بر حجك ، وقيل المبرور الذي لا يخالطه إثم ، وقيل الذي لا رياء فيه .

( فائدة ) : قال النووي : ذكر في هذا الحديث الجهاد بعد الإيمان ، وفي حديث أبي ذر لم يذكر الحج وذكر العتق ، وفي حديث ابن مسعود بدأ بالصلاة ثم البر ثم الجهاد ، وفي الحديث المتقدم ذكر السلامة من اليد واللسان . قال العلماء : اختلاف الأجوبة في ذلك باختلاف الأحوال ، واحتياج المخاطبين ، وذكر ما لم يعلمه السائل والسامعون وترك ما علموه ، ويمكن أن يقال : إن لفظة " من " مرادة كما يقال فلان أعقل الناس والمراد من أعقلهم ، ومنه حديث خيركم خيركم لأهله ومن المعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس ، فإن قيل لم قدم الجهاد وليس بركن على الحج وهو ركن ؟ فالجواب : أن نفع الحج قاصر غالبا ، ونفع الجهاد متعد غالبا ، أو كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين - ووقوعه فرض عين إذ ذاك متكرر - فكان أهم منه فقدم ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث