الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الوليمة حق

جزء التالي صفحة
السابق

باب الوليمة حق وقال عبد الرحمن بن عوف قال لي النبي صلى الله عليه وسلم أولم ولو بشاة

4871 حدثنا يحيى بن بكير قال حدثني الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فكان أمهاتي يواظبنني على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم فخدمته عشر سنين وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشرين سنة فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش أصبح النبي صلى الله عليه وسلم بها عروسا فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا وبقي رهط منهم عند النبي صلى الله عليه وسلم فأطالوا المكث فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا فمشى النبي صلى الله عليه وسلم ومشيت حتى جاء عتبة حجرة عائشة ثم ظن أنهم خرجوا فرجع ورجعت معه حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يقوموا فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ورجعت معه حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة وظن أنهم خرجوا فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينه بالستر وأنزل الحجاب [ ص: 138 ]

التالي السابق


[ ص: 138 ] قوله ( باب الوليمة حق ) هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الطبراني من حديث وحشي بن حرب رفعه الوليمة حق ، والثانية معروف ، والثالثة فخر ولمسلم من طريق الزهري عن الأعرج وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال " شر الطعام طعام الوليمة يدعى الغني ويترك المسكين وهي حق " الحديث . ولأبي الشيخ والطبراني في " الأوسط " من طريق ، مجاهد عن أبي هريرة رفعه الوليمة حق وسنة ، فمن دعي فلم يجب فقد عصى الحديث ، وسأذكر حديث زهير بن عثمان في ذلك وشواهده بعد ثلاثة أبواب . وروى أحمد من حديث بريدة قال " لما خطب علي فاطمة قال رسول صلى الله عليه وسلم : إنه لا بد للعروس من وليمة " وسنده لا بأس به ، قال ابن بطال قوله " الوليمة حق " أي ليست بباطل بل يندب إليها وهي سنة فضيلة ، وليس المراد بالحق الوجوب . ثم قال : ولا أعلم أحدا أوجبها . كذا قال ، وغفل عن رواية في مذهبه بوجوبها نقلها القرطبي وقال : إن مشهور المذهب أنها مندوبة . وابن التين عن أحمد لكن الذي في " المغني " أنها سنة ، بل وافق ابن بطال في نفي الخلاف بين أهل العلم في ذلك ، قال وقال بعض الشافعية : هي واجبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها عبد الرحمن بن عوف ، ولأن الإجابة إليها واجبة فكانت واجبة . وأجاب بأنه طعام لسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة ، والأمر محمول على الاستحباب بدليل ما ذكرناه ، ولكونه أمره بشاة وهي غير واجبة اتفاقا ، وأما البناء فلا أصل له . قلت : وسأذكر مزيدا في " باب إجابة الداعي " قريبا . والبعض الذي أشار إليه من الشافعية هو وجه معروف عندهم ، وقد جزم به سليم الرازي وقال : إنه ظاهر نص " الأم " ونقله عن النص أيضا الشيخ أبو إسحاق في المهذب ، وهو قول أهل الظاهر كما صرح به ابن حزم ، وأما سائر الدعوات غيرها فسيأتي البحث فيه بعد ثلاثة أبواب .

قوله ( وقال عبد الرحمن بن عوف قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : أولم ولو بشاة ) هذا طرف من حديث طويل وصله المصنف في أول البيوع من حديث عبد الرحمن بن عوف نفسه ، ومن حديث أنس أيضا وسأذكر شرحه مستوفى إن شاء الله تعالى في الباب الذي يليه ، والمراد منه ورود صيغة الأمر بالوليمة ، وأنه لو رخص في تركها لما وقع الأمر باستدراكها بعد انقضاء الدخول . وقد اختلف السلف في وقتها هـل هو عند العقد أو عقبه أو عند الدخول أو عقبه أو موسع من ابتداء العقد إلى انتهاء الدخول على أقوال : قال النووي : اختلفوا فحكى عياض أن الأصح عند المالكية استحبابه بعد الدخول ، وعن جماعة منهم أنه عند العقد ، وعند ابن حبيب عند العقد وبعد الدخول . وقال له موضع آخر : يجوز قبل الدخول وبعده . وذكر ابن السبكي أن أباه قال : لم أر في كلام الأصحاب تعين وقتها ، وأنه استنبط من قول البغوي : ضرب الدف في النكاح جائز في العقد والزفاف [ ص: 139 ] قبل وبعد قريبا منه ، أن وقتها موسع من حين العقد ، قال : والمنقول من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنها بعد الدخول كأنه يشير إلى قصة زينب بنت جحش ، وقد ترجم عليه البيهقي في وقت الوليمة اهــ ، وما نفاه من تصريح الأصحاب متعقب بأن الماوردي صرح بأنها عند الدخول ، وحديث أنس في هذا الباب صريح في أنها بعد الدخول لقوله فيه " أصبح عروسا بزينب فدعا القوم " واستحب بعض المالكية أن تكون عند البناء ويقع الدخول عقبها وعليه عمل الناس اليوم ، ويؤيد كونها للدخول لا للإملاك أن الصحابة بعد الوليمة ترددوا هـل هي زوجة أو سرية ، فلو كانت الوليمة عند الإملاك لعرفوا أنها زوجة لأن السرية لا وليمة لها فدل على أنها عند الدخول أو بعده .

قوله في حديث أنس ( مقدم النبي صلى الله عليه وسلم ) بالنصب على الظرف أي زمان قدومه ، وسيأتي في الأشربة من طريق شعيب عن الزهري عن أنس " قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا ابن عشر سنين ، ومات وأنا ابن عشرين " وتقدم قبل بابين في الحديث المعلق عن أبي عثمان عن أنس أنه خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، ويأتي في كتاب الآداب من طريق سلام بن مسكين عن ثابت عن أنس قال " خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، والله ما قال لي أف قط " الحديث . ولمسلم من رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس في حديث آخره " قال أنس والله لقد خدمته تسع سنين " ولا منافاة بين الروايتين ، فإن مدة خدمته كانت تسع سنين وبعض أشهر فألغى الزيادة تارة وجبر الكسر أخرى .

قوله ( فكن أمهاتي ) يعني أمه وخالته ومن في معناهما ، وإن ثبت كون مليكة جدته فهي مرادة هنا لا محالة .

قوله ( يواظبنني ) كذا للأكثر بظاء مشالة وموحدة ثم نونين من المواظبة ، وللكشميهني بطاء مهملة بعدها تحتانية مهموزة بدل الموحدة من المواطأة وهي الموافقة ، وفي رواية الإسماعيلي يوطنني بتشديد الطاء المهملة ونونين الأولى مشددة بغير ألف بعد الواو ولا حرف آخر بعد الطاء من التوطين ، وفي لفظ له مثله لكن بهمزة ساكنة بعدها النونان من التوطئة تقول وطأته على كذا أي حرضته عليه .

قوله ( وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب ) تقدم البحث فيه وبسط شرحه في تفسير سورة الأحزاب



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث