الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء ليس على المسلمين جزية

633 حدثنا يحيى بن أكثم حدثنا جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصلح قبلتان في أرض واحدة وليس على المسلمين جزية حدثنا أبو كريب حدثنا جرير عن قابوس بهذا الإسناد نحوه وفي الباب عن سعيد بن زيد وجد حرب بن عبيد الله الثقفي قال أبو عيسى حديث ابن عباس قد روي عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أن النصراني إذا أسلم وضعت عنه جزية رقبته وقول النبي صلى الله عليه وسلم ليس على المسلمين عشور إنما يعني به جزية الرقبة وفي الحديث ما يفسر هذا حيث قال إنما العشور على اليهود والنصارى وليس على المسلمين عشور

التالي السابق


( باب ما جاء ليس على المسلمين جزية ) الجزية : ما يؤخذ من أهل الذمة وتسميتها بذلك للاجتزاء بها في حقن دمهم . قال العراقي في شرح الترمذي : معناه أنه إذا أسلم في أثناء الحول لا يؤخذ عن ذلك العام شيء ، قال : وقد جرت عادة المصنفين بذكر الجزية بعد الجهاد ، وقد أدخلها المصنف في الزكاة تبعا لمالك . قال ابن العربي : أول من أدخل الجزية في أبواب الصدقة مالك في الموطأ ، فتبعه قوم من المصنفين وترك اتباعه آخرون . قال : ووجه إدخالها فيها التكلم على حقوق الأموال ، فالصدقة حق المال على المسلمين ، والجزية حق المال على الكفار .

قوله : ( حدثنا يحيى بن أكثم ) بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح المثلثة قال في التقريب : يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن التميمي المروزي أبو محمد القاضي المشهور فقيه صدوق إلا أنه رمي بسرقة الحديث ولم يقع ذلك له ، وإنما كان يرى الرواية بالإجازة والوجادة ، من العاشرة ( أخبرنا جرير ) هو ابن عبد الحميد ( عن قابوس بن أبي ظبيان ) بفتح المعجمة وسكون الموحدة بعدها تحتانية ، قال الحافظ : فيه لين ( عن أبيه ) أي أبي ظبيان واسمه حصين بن جندب الكوفي ، ثقة

قوله : ( لا يصلح قبلتان في أرض واحدة ) قال التوربشتي : أي لا يستقيم دينان بأرض واحدة على سبيل المظاهرة والمعادلة ، أما المسلم فليس له أن يختار الإقامة بين ظهراني قوم كفار ؛ لأن المسلم إذا صنع ذلك فقد أحل نفسه فيهم محل الذمي فينا ، وليس له أن يجر إلى نفسه الصغار ، وأما الذي يخالف دينه دين الإسلام فلا يمكن من الإقامة في بلاد الإسلام إلا ببذل الجزية ثم لا يؤذن له في الإشاعة بدينه انتهى . ( وليس على المسلمين جزية ) أي من أسلم من أهل الذمة قبل أداء ما وجب عليه من الجزية فإنه لا يطالب به ؛ لأنه مسلم وليس على مسلم جزية . والحديث رواه أبو داود وزاد في آخره : وسئل سفيان الثوري عن هذا فقال : يعني إذا أسلم فلا جزية عليه . وروى الطبراني في معجمه الأوسط عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : من أسلم فلا جزية عليه .

[ ص: 222 ] قوله : ( وفي الباب عن سعيد بن زيد وجد حرب بن عبيد الله الثقفي ) أما حديث سعيد بن زيد فلينظر من أخرجه ، وأما حديث جد حرب فأخرجه أبو داود مرفوعا بلفظ : إنما العشور على اليهود والنصارى وليس على المسلمين عشور .

قوله : ( وحديث ابن عباس قد روي إلخ ) لم يحكم الترمذي على حديث ابن عباس بشيء من الصحة أو الضعف ، وقد عرفت أن في سنده قابوس بن ظبيان وفيه لين ، والحديث أخرجه أحمد وأبو داود .

قوله : ( وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : ليس على المسلمين جزية عشور يعني به جزية الرقبة ) أي المراد من قوله : جزية عشور ؛ جزية الرقبة لإخراج الأرض ، ( وفي الحديث ما يفسر هذا حيث قال : إنما العشور ) بضم العين جمع عشر ( على اليهود والنصارى وليس على المسلمين عشور ) أخرجه أبو داود . وقد فهم الترمذي أن المراد من العشور في هذا الحديث جزية الرقبة ، قال ابن العربي في عارضة الأحوذي : ظن أبو عيسى أن حديث أبي أمية عن أبيه في العشور أنه الجزية وليس كذلك ، وإنما أعطوا العهد على أن يقروا في بلادهم ولا يعترضوا في أنفسهم ، وأما على أن يكونوا في دارنا كهيئة المسلمين في التصرف فيها والتحكم بالتجارة في مناكبها فلما أن داحت الأرض بالإسلام وهدأت الحال عن الاضطراب وأمكن الضرب فيها للمعاش أخذ منهم عمر ثمن تصرفهم ، وكان شيئا يؤخذ منهم في الجاهلية فأقره الإسلام ، وخفف الأمر فيما يجلب إلى المدينة نظرا لها ؛ إذ لم يكن تقدير حتم ولا من النبي -صلى الله عليه وسلم- أصل ، إنما كان كما قال ابن شهاب حملا للحال كما كان في الجاهلية . وقد كانت في الجاهلية أمور أقرها الإسلام ، فهذه هي العشور [ ص: 223 ] التي انفرد بروايتها أبو أمية ، فأما الجزية كما قال أبو عيسى فلا ، انتهى كلام ابن العربي .

وقال القاري في المرقاة شرح المشكاة في شرح هذا الحديث ما لفظه : قال ابن الملك : أراد به عشر مال التجارة لا عشر الصدقات في غلات أرضهم .

قال الخطابي : لا يؤخذ من المسلم شيء من ذلك دون عشر الصدقات ، وأما اليهود والنصارى فالذي يلزمهم من العشور هو ما صولحوا عليه وقت العقد ، فإن لم يصالحوا على شيء فلا عشور عليهم ، ولا يلزمهم شيء أكثر من الجزية ، فأما عشور أراضيهم وغلاتهم فلا تؤخذ منهم عند الشافعية ، وقال أبو حنيفة : إن أخذوا منا عشورا في بلادهم إذا ترددنا إليهم في التجارات أخذنا منهم ، وإن لم يأخذوا لم نأخذ ، انتهى .

وتبعه ابن الملك ، لكن المقرر في المذهب ـ في مال التجارة ـ أن العشر يؤخذ من مال الحربي ، ونصف العشر من الذمي ، وربع العشر من المسلم بشروط ذكرت في كتاب الزكاة . نعم يعامل الكفار بما يعاملون المسلمين ، إذا كان بخلاف ذلك ، وفي شرح السنة إذا دخل أهل الحرب بلاد الإسلام تجارا . فإن دخلوا بغير أمان ولا رسالة غنموا ، وإن دخلوا بأمان وشرطه أن يؤخذ منهم عشر أو أقل أو أكثر أخذ المشروط ، وإذا طافوا في بلاد الإسلام فلا يؤخذ منهم في السنة إلا مرة ، انتهى ما في المرقاة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث