الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في المستحاضة

125 حدثنا هناد حدثنا وكيع وعبدة وأبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة قال لا إنما ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي قال أبو معاوية في حديثه وقال توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت قال وفي الباب عن أم سلمة قال أبو عيسى حديث عائشة حديث حسن صحيح وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين وبه يقول سفيان الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي أن المستحاضة إذا جاوزت أيام أقرائها اغتسلت وتوضأت لكل صلاة

التالي السابق


( باب في المستحاضة ) الاستحاضة جريان الدم من فرج المرأة في عرق يقال له العاذل بعين مهملة وذال معجمة ، يقال استحيضت المرأة استمر بها الدم بعد أيامها المعتادة فهي مستحاضة كذا في الفتح .

[ ص: 331 ] قوله : ( جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش ) بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية ، قال الحافظ في التقريب : صحابية لها حديث في الاستحاضة .

( إني امرأة أستحاض ) بصيغة المجهول ( فلا أطهر ) أي لا ينقطع عني الدم ( أفأدع الصلاة ) كانت قد علمت أن الحائض لا تصلي فظنت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم من الفرج فأرادت تحقيق ذلك فقالت أفأدع الصلاة أي أتركها ، والعطف على مقدر بعد الهمزة لأن لها صدر الكلام ، أي أيكون لي حكم الحائض فأترك الصلاة .

( قال لا ) أي لا تدعي الصلاة ( إنما ذلك ) بكسر الكاف أي الذي تشتكينه .

( عرق ) بكسر العين المهملة ، أي دم عرق انشق وانفجر منه الدم ، أو إنما سببها عرق منها في أدنى الرحم .

( وليست ) أي العلة التي تشتكينها ، وفي رواية الشيخين على ما في المشكاة " ليس " وهو الظاهر .

( بالحيضة ) قال الحافظ : بفتح الحاء كما نقله الخطابي عن أكثر المحدثين أو كلهم وإن كان قد اختار الكسر على إرادة الحالة لكن الفتح هنا أظهر ، وقال النووي وهو متعين أو قريب من المتعين ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أراد إثبات الاستحاضة ونفي الحيض ، وأما قوله فإذا أقبلت الحيضة فيجوز فيه الوجهان معا جوازا حسنا . انتهى كلامه . قال الحافظ : والذي في روايتنا بفتح الحاء في الموضعين .

( فإذا أقبلت الحيضة ) قال القاري : بالكسر اسم للحيض ويؤيده رواية الفتح ، وقيل المراد بها الحالة التي كانت تحيض فيها وهي تعرفها فيكون ردا إلى العادة ، وقيل المراد بها الحالة التي تكون للحيض من قوة الدم في اللون والقوام ، ويؤيده حديث عروة الذي يتلوه وهي لم تعرف أيامها فيكون ردا إلى التمييز ، قال الطيبي : وقد اختلف العلماء فيه فأبو حنيفة منع اعتبار التمييز مطلقا والباقون عملوا بالتمييز في حق المبتدأة ، واختلفوا فيما إذا تعارضت العادة والتمييز فاعتبر مالك وأحمد وأكثر أصحابنا التمييز ولم ينظروا إلى العادة ، وعكس ابن خيران . انتهى .

قلت : أراد بحديث عروة الذي رواه عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف ، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق رواه أبو داود والنسائي .

( فاغسلي عنك الدم وصلي ) ، أي بعد الاغتسال وفي رواية للبخاري : ثم اغتسلي وصلي .

[ ص: 332 ] قوله : ( قال أبو معاوية في حديثه وقال : توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت ) قال بعضهم إن هذا مدرج ، وقد رد الحافظ في الفتح عليه ، وجزم بعضهم أنه موقوف على عروة ، وقد رد الحافظ عليه أيضا وقال : ولم يتفرد أبو معاوية بذلك فقد رواه النسائي من طريق حماد بن زيد عن هشام ، وادعى أن حمادا تفرد بهذه الزيادة وأومأ مسلم أيضا إلى ذلك وليس كذلك ، فقد رواها الدارمي من طريق حماد بن سلمة والسراج من طريق يحيى بن سليم كلاهما عن هشام . انتهى .

وفي الحديث دليل على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض وتعمل على إقباله وإدباره ، فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث فتتوضأ لكل صلاة لكنها لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤادة أو مقضية لظاهر قوله : ثم توضئي لكل صلاة ، وبهذا قال الجمهور ، وعند الحنفية أن الوضوء متعلق بوقت الصلاة فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة وما شاءت من الفوائت ما لم يخرج وقت الحاضرة ، على قولهم المراد بقوله : توضئي لكل صلاة ، ففيه مجاز الحذف ويحتاج إلى دليل ، وعند المالكية يستحب له الوضوء لكل صلاة ولا يجب إلا بحدث آخر ، وقال أحمد وإسحاق : إن اغتسلت لكل فرض فهو أحوط ، قاله الحافظ في الفتح ، وقال ابن عبد البر : ليس في حديث مالك ذكر الوضوء لكل صلاة على المستحاضة وذكر في حديث غيره فلذا كان مالك يستحبه لها ولا يوجبه كما لا يوجبه على صاحب السلس . قال الحافظ في الفتح : فإن قلت : قال في الهداية لنا قوله - عليه السلام - المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة . قلت : قال الحافظ الزيلعي في تخريج الهداية غريب جدا ، وقال الحافظ في الدراية لم أجده هكذا وإنما في حديث أم سلمة تتوضأ لكل صلاة . فإن قلت : قال ابن الهمام في فتح القدير نقلا عن شرح مختصر الطحاوي : روى أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش توضئي لوقت كل صلاة ، فهذه الرواية بلفظ توضئي لوقت كل صلاة ، تدل على أن المراد بقوله توضئي لكل صلاة ، أي لوقت كل صلاة .

قلت : نعم لو كان هذا اللفظ في هذا الطريق محفوظا لكان دليلا على المطلوب ، لكن في كونه محفوظا كلاما فإن الطرق الصحيحة كلها قد وردت بلفظ توضئي لكل صلاة ، وأما هذا اللفظ فلم [ ص: 333 ] يقع في واحد منها ، وقد تفرد به الإمام أبو حنيفة وهو سيئ الحفظ كما صرح به الحافظ ابن عبد البر ، والله تعالى أعلم .

قوله : ( وفي الباب عن أم سلمة ) أخرجه الخمسة إلا الترمذي كذا في المنتقى ولفظه : أنها استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة تهراق الدم فقال : لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر فتدع الصلاة ثم لتغتسل وتستثفر ثم تصلي .

قوله : ( حديث عائشة حديث حسن صحيح ) وأخرجه الشيخان .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث