الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء أن الله كتب كتابا لأهل الجنة وأهل النار

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء أن الله كتب كتابا لأهل الجنة وأهل النار

2141 حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن أبي قبيل عن شفي بن ماتع عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال أتدرون ما هذان الكتابان فقلنا لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا فقال للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا ثم قال للذي في شماله هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا فقال أصحابه ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه فقال سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه فنبذهما ثم قال فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير حدثنا قتيبة حدثنا بكر بن مضر عن أبي قبيل نحوه قال أبو عيسى وفي الباب عن ابن عمر وهذا حديث حسن صحيح غريب وأبو قبيل اسمه حيي بن هانئ

التالي السابق


قوله : ( عن أبي قبيل ) اسمه حيي بضم الحاء مهملة وبياءين مصغرا قال في التقريب : حيي بن هانئ بن ناضر ، بنون ومعجمة أبو قبيل ، بفتح القاف وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة المعافري البصري صدوق يهم من الثالثة ( عن شفي بن ماتع ) قال في التقريب : شفي بضم الشين المعجمة وبالفاء مصغرا ، ابن ماتع بمثناة الأصبحي ، ثقة من الثالثة ، أرسل حديثا فذكره بعضهم في الصحابة خطأ ، مات في خلافة هشام ، قاله خليفة .

قوله : ( وفي يده ) بالإفراد والمراد به الجنس وفي المشكاة : يديه بالتثنية والواو للحال ( أتدرون ما هذان الكتابان ) الظاهر من الإشارة أنهما حسيان وقيل تمثيل واستحضار للمعنى الدقيق الخفي في مشاهدة السامع حتى كأنه ينظر إليه رأي العين ، فالنبي صلى الله عليه وسلم كما كوشف له بحقيقة هذا الأمر وأطلعه الله عليه اطلاعا لم يبق معه خفاء صور الشيء الحاصل في قلبه بصورة الشيء الحاصل في يده وأشار إليه إشارة إلى المحسوس .

( فقلنا لا ) أي لا ندري ( يا رسول الله إلا أن تخبرنا ) استثناء مفرغ ، أي لا نعلم بسبب من الأسباب إلا إخبارك إيانا ، وقيل الاستثناء منقطع أي لكن إن أخبرتنا علمنا ، وكأنهم طلبوا بهذا الاستدراك إخباره إياهم ( فقال الذي في يده اليمنى ) أي لأهله وفي شأنه أو عنه ، وقيل قال بمعنى أشار فاللام بمعنى إلى ( هذا كتاب من رب العالمين ) خصه بالذكر دلالة على أنه تعالى مالكهم وهم له مملوكون يتصرف فيهم كيف يشاء فيسعد من يشاء ويشقي من يشاء وكل ذلك عدل وصواب فلا اعتراض لأحد عليه ، وقيل الظاهر أن هذا كلام [ ص: 293 ] صادر على طريق التصوير والتمثيل مثل الثابت في علم الله تعالى أو المثبت في اللوح بالمثبت بالكتاب الذي كان في يده ولا يستبعد إجراؤه على الحقيقة ، فإن الله تعالى قادر على كل شيء والنبي صلى الله عليه وسلم مستعد لإدراك المعاني الغيبية ومشاهدة الصور المصوغة لها .

( فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ) الظاهر أن كل واحد من أهل الجنة وأهل النار يكتب أسماؤهم وأسماء آبائهم وقبائلهم سواء كانوا من أهل الجنة أو النار للتمييز التام كما يكتب في الصكوك ( ثم أجمل على آخرهم ) من قولهم أجمل الحساب إذا تمم ورد التفصيل إلى الإجمال ، وأثبت في آخر الورقة مجموع ذلك وجملته كما هو عادة المحاسبين أن يكتبوا الأشياء مفصلة ثم يوقعوا في آخرها فذلكة ترد التفصيل إلى الإجمال ، وضمن أجمل معنى أوقع فعدي بعلى ، أي أوقع الإجمال على من انتهى إليه التفصيل ، وقيل ضرب بالإجمال على آخر التفصيل أي كتب ويجوز أن يكون حالا أي أجمل في حال انتهاء التفصيل إلى آخرهم ، فعلى بمعنى إلى ( فلا يزاد فيهم ) جزاء شرط أي إذا كان الأمر على ما تقرر من التفصيل والتعيين والإجمال بعد التفصيل في الصك فلا يزاد فيهم ( ولا ينقص ) بصيغة المجهول ( منهم أبدا ) لأن حكم الله لا يتغير .

وأما قوله تعالى لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت ، فمعناه لكل انتهاء مدة وقت مضروب ، فمن انتهى أجله يمحوه ومن بقي من أجله يبقيه على ما هو مثبت فيه وكل ذلك مثبت عند الله في أم الكتاب وهو القدر ، كما يمحو ويثبت هو القضاء ، فيكون ذلك عين ما قدر وجرى في الأجل فلا يكون تغييرا ، أو المراد منه محو المنسوخ من الأحكام وإثبات الناسخ أو محو السيئات من التائب وإثبات الحسنات بمكافأته وغير ذلك ، ويمكن أن يقال المحو والإثبات يتعلقان بالأمور المعلقة دون الأشياء المحكمة كذا في المرقاة .

( ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه ) بصيغة المجهول ، يعني إذا كان المدار على كتابة الأزل فأي فائدة في اكتساب العمل ( فقال سددوا ) أي اطلبوا بأعمالكم السداد والاستقامة ، وهو القصد في الأمر والعدل فيه ، قاله في النهاية ، ( وقاربوا ) أي اقتصدوا في الأمور كلها واتركوا الغلو فيها والتقصير ، يقال قارب فلان في أموره إذا اقتصد ، كذا في النهاية والجواب من أسلوب الحكيم أي فيم أنتم من ذكر القدر والاحتجاج به وإنما خلقتم للعبادة فاعملوا وسددوا ، قاله الطيبي ( فإن صاحب الجنة يختم له ) بصيغة المجهول ( بعمل أهل الجنة ) : أي بعمل مشعر بإيمانه ومشير بإيقائه [ ص: 294 ] ( وإن عمل ) أي ولو عمل قبل ذلك 7 ( أي عمل ) من أعمال أهل النار ( وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار ) أعم من الكفر والمعاصي ( وإن عمل أي عمل ) أي قبل ذلك من أعمال أهل الجنة ( ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه ) أي أشار بهما ، والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال فتطلقه على غير الكلام واللسان ، فتقول قال بيده ، أي أخذ وقال برجله أي مشى ( فنبذهما ) أي طرح ما فيهما من الكتابين وفي الأزهار : الضمير في نبذهما لليدين لأن نبذ الكتابين بعيد من دأبه انتهى ، قال القاري وفيه أن نبذهما ليس بطريق الإهانة بل إشارة إلى أنه نبذهما إلى عالم الغيب ، ثم هذا كله إذا كان هناك كتاب حقيقي ، وأما على التمثيل فيكون المعنى نبذهما أي اليدين ، قلت : ولا ملجئ لحمل لفظ الكتاب في هذا الحديث على معناه المجازي ، ولا مانع من إرادة معناه الحقيقي ، فالظاهر أن يحمل على الحقيقة .

قوله : ( أخبرنا بكر بن مضر ) بن محمد بن حكيم المصري أبو محمد أو أبو عبد الملك ثقة ثبت من الثامنة ، قوله : ( وفي الباب عن ابن عمر ) أخرجه البزار كذا في الفتح .

قوله : ( هذا حديث حسن صحيح غريب ) وأخرجه أحمد والنسائي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث