الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يقول عند افتتاح الصلاة

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما يقول عند افتتاح الصلاة

242 حدثنا محمد بن موسى البصري حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي عن علي بن علي الرفاعي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول الله أكبر كبيرا ثم يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه قال أبو عيسى وفي الباب عن علي وعائشة وعبد الله بن مسعود وجابر وجبير بن مطعم وابن عمر قال أبو عيسى وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب وقد أخذ قوم من أهل العلم بهذا الحديث وأما أكثر أهل العلم فقالوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وهكذا روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم وقد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي وقال أحمد لا يصح هذا الحديث

التالي السابق


قوله : ( نا جعفر بن سليمان الضبعي ) بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة أبو سليمان البصري صدوق زاهد لكنه كان يتشيع ( عن علي بن علي الرفاعي ) بالفاء البصري يكنى أبا إسماعيل لا بأس به ، رمي بالقدر وكان عابدا ، ويقال : كان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم كذا في التقريب .

قوله : ( ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك ) قال ابن الملك : سبحان ، اسم أقيم مقام المصدر وهو التسبيح ، منصوب بفعل مضمر تقديره أسبحك تسبيحا : أي أنزهك تنزيها من كل السوء والنقائص ، وقيل تقديره أسبحك تسبيحا ملتبسا ومقترنا بحمدك فالباء للملابسة والواو زائدة ، وقيل : الواو بمعنى مع أي أسبحك مع التلبس بحمدك وحاصله نفي الصفات السلبية وإثبات النعوت الثبوتية ( وتبارك اسمك ) أي كثرت بركة اسمك إذ وجد كل خير من ذكر اسمك وقيل تعاظم ذاتك ، أو هو على حقيقته ; لأن التعاظم إذا ثبت لأسمائه تعالى فأولى لذاته . ونظيره قوله تعالى سبح اسم ربك الأعلى ( وتعالى جدك ) قال ميرك : تعالى تفاعل من العلو أي علا ورفع عظمتك على عظمة غيرك غاية العلو والرفع وقال ابن حجر : أي تعالى غناؤك عن أن ينقصه إنفاق أو يحتاج إلى معين ونصير ( ثم يقول الله أكبر ) بالسكون ويضم قاله القاري ( كبيرا ) قال مؤكدة ، وقيل منصوب على القطع من اسم الله ، وقيل بإضمار أكبر وقيل صفة لمحذوف أي تكبيرا كبيرا [ ص: 43 ] ( من همزه ) بدل اشتمال أي وسوسته ( ونفخه ) أي كبره المؤدي إلى كفره ( ونفثه ) أي سحره . قال الطيبي : النفخ كناية عن الكبر كأن الشيطان ينفخ فيه بالوسوسة فيعظمه في عينه ويحقر الناس عنده . والنفث عبارة عن الشعر لأنه ينفثه الإنسان من فيه كالرقية انتهى وقيل من نفخه أي تكبره يعني مما يأمر الناس به من التكبر ، ونفثه مما يأمر الناس بإنشاد الشعر المذموم مما فيه هجو مسلم أو كفر أو فسق ، وهمزه أي من جعله أحدا مجنونا بنخسه وغمزه كذا في المرقاة ، قال السيوطي في قوت المغتذي : من همزه فسر في الحديث بالموتة وهي شبه الجنون ، ونفخه فسر بالكبر ، ونفثه فسر بالشعر . قال ابن سيد الناس : وتفسير الثلاثة بذلك من باب المجاز انتهى . قلت : قد جاء هذا التفسير في حديث جبير بن مطعم عند أبي داود

قوله : ( وفي الباب عن علي وعبد الله بن مسعود وعائشة وجابر وجبير بن مطعم وابن عمر ) أما حديث علي فأخرجه إسحاق بن راهويه ، وأعله أبو حاتم كذا في التلخيص ، وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الطبراني وذكره الزيلعي في نصب الراية بإسناده ومتنه ، وأما حديث عائشة فأخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه ، وأما حديث جابر فأخرجه البيهقي وفيه محمد بن المنكدر ، قال البيهقي : اختلف عليه فيه وليس له إسناد قوي ، وأما حديث جابر بن مطعم فأخرجه أبو داود وابن ماجه ، وأما حديث ابن عمر فأخرجه الطبراني في معجمه وذكره الزيلعي في نصب الراية بإسناده ومتنه ، قال : والحديث معلول بعبد الله بن عامر .

قوله : ( وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب ) أخرجه أصحاب السنن الأربعة . قوله : ( وقد أخذ قوم من أهل العلم بهذا الحديث ) فاختاروا أن يقال عند افتتاح الصلاة بعد التكبير سبحانك اللهم إلى قوله : ولا إله غيرك ، ثم يقال : الله أكبر كبيرا ، ثم يقال : أعوذ بالله السميع العليم إلخ ( وأما أكثر أهل العلم فقالوا : إنما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ) فاختاروا هذا الدعاء دون ما [ ص: 44 ] في حديث أبي سعيد المذكور من الزيادة ( وهكذا روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ) ، أما أثر عمر فأخرجه مسلم في صحيحه وغيره ، وأما أثر عبد الله بن مسعود فأخرجه ابن المنذر ، قال الحافظ في التلخيص : قال الحاكم : وقد صح ذلك عن عمر ثم ساقه وهو في صحيح ابن خزيمة ، وهو في صحيح مسلم أيضا ذكره في موضع غير مظنته استطرادا وفي إسناده انقطاع ، انتهى ما في التلخيص .

قلت : ذكره مسلم في باب عدم الجهر بالبسملة عن عبدة أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك وعبدة هذا هو ابن أبي لبابة وهو لم يسمع من عمر قاله النووي . ولذا قال الحافظ : في إسناده انقطاع ، ورواه الدارقطني موصولا كما في بلوغ المرام .

فإن قلت : كيف روى مسلم في صحيحه أثر عمر رضي الله عنه . هذا ، وهو منقطع ، ومن شرط مسلم أن لا يخرج في صحيحه الحديث الضعيف ، والمنقطع من أقسام الضعيف ، قلت : أخرجه استطرادا ، ومقصوده الأصلي هو الحديث الذي أخرجه بعد هذا الأثر في عدم الجهر بالبسملة وهو صحيح متصل .

فإن قلت : فلم أخرجه استطرادا ولم لم يقتصر على إخراج الحديث الصحيح المتصل قلت : إنما فعل مسلم هذا لأنه سمعه هكذا فأداه كما سمع ولهذا نظائر كثيرة في صحيح مسلم وغيره ، ولا إنكار في هذا كله .

قوله : ( والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم ) وعليه عمل الحنفية . قال الحافظ ابن تيمية في المنتقى : وأخرج مسلم في صحيحه أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وروى سعيد بن منصور في سننه عن أبي بكر الصديق أنه كان يستفتح بذلك ، وكذلك رواه الدارقطني عن عثمان بن عفان ، وابن المنذر عن عبد الله بن مسعود . وقال الأسود : كان عمر إذا افتتح الصلاة قال : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ، ولا إله غيرك يسمعنا ذلك ويعلمنا . رواه الدارقطني ، ثم قال ابن تيمية : واختيار هؤلاء وجهر عمر به أحيانا بمحضر من الصحابة ليتعلمه الناس ، مع أن السنة إخفاؤه يدل على أنه الأفضل ، وأنه الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم عليه غالبا وإن [ ص: 45 ] استفتح بما رواه علي ، وأبو هريرة فحسن لصحة الرواية انتهى كلام ابن تيمية ، قال الشوكاني في النيل : ولا يخفى أن ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالإيثار والاختيار ، وأصح ما روي في الاستفتاح حديث أبي هريرة المتقدم ، ثم حديث علي انتهى . قلت : أراد الشوكاني بحديث أبي هريرة الذي رواه الجماعة إلا الترمذي ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل القراءة قلت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، أرأيت سكوتك بين التكبير والقرآن ما تقول ؟ قال : أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب الحديث وأراد بحديث علي الذي رواه أحمد ومسلم والترمذي ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض الحديث . ولا شك في أن أصح ما روي في الاستفتاح هو حديث أبي هريرة فهو أولى بالإيثار والاختيار ، وهذا الحديث لم يروه الترمذي في هذا الباب ، ولم يشر إليه لكنه أشار إليه في باب السكتتين .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث