الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب منه

جزء التالي صفحة
السابق

2463 حدثنا سويد أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري عن عروة وابن المسيب أن حكيم بن حزام قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى فقال حكيم فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا فكان أبو بكر يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا فقال عمر إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأب أن يأخذه فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس شيئا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي قال هذا حديث صحيح

التالي السابق


قوله : ( عن عروة بن الزبير وابن المسيب ) هو سعيد بن المسيب ( أن حكيم بن حزام ) بن خويلد بن أسد بن عبد العزى المكي ابن أخي خديجة أم المؤمنين ، أسلم يوم الفتح وصحب ، وله أربع وسبعون سنة ، ثم عاش إلى سنة أربع وخمسين أو بعدها وكان عالما بالنسب .

قوله : ( إن هذا المال خضرة حلوة ) أنث الخبر لأن المراد الدنيا شبهه بالرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذة ، فإن الأخضر مرغوب على انفراده بالنسبة إلى اليابس ، والحلو مرغوب فيه على انفراده بالنسبة للحامض . فالإعجاب بهما إذا اجتمعا أشد ( بسخاوة نفس ) أي بغير شره ولا إلحاح أي من أخذه بغير سؤال [ ص: 138 ] وهذا بالنسبة إلى الآخذ ، ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى المعطي أي بسخاوة نفس المعطي أي انشراحه بما يعطيه ، والظاهر هو الأول ( ومن أخذه بإشراف نفس ) أي بطمع أو حرص أو تطلع وهذا بالنسبة إلى الآخذ ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى المعطي أي بكراهيته من غير طيب نفس بالإعطاء كذا قيل ، والظاهر هو الأول ( وكان ) أي السائل الآخذ الصدقة في هذه الصورة لما يسلط عليه من عدم البركة وكثرة الشره والنهمة ( كالذي يأكل ولا يشبع ) أي الذي يسمي جوعه كذابا لأنه من علة به وسقم فكلما أكل ازداد سقما ولم يحدث شبعا ( واليد العليا خير من اليد السفلى ) المراد من اليد العليا هي المنفقة ومن اليد السفلى هي السائلة . وهو القول الراجح المعول عليه في تفسير اليد العليا والسفلى . فعند الطبراني بإسناد صحيح عن حكيم بن حزام مرفوعا : يد الله فوق يد المعطي ، ويد المعطي فوق يد المعطى ، ويد المعطى أسفل الأيدي . وللطبراني من حديث عدي الجذامي مرفوعا مثله .

ولأبي داود وابن خزيمة من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك عن أبيه مرفوعا : الأيدي ثلاثة : " فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى " . ولأحمد والبزار من حديث عطية السعدي : اليد المعطية هي العليا ، والسائلة هي السفلى . فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية وأن السفلى هي السائلة وهذا هو المعتمد وهو قول الجمهور قاله الحافظ في الفتح ( لا أرزأ ) بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الزاي بعدها همزة أي لا أنقص ماله بالطلب منه ( ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا ) قال الحافظ : إنما امتنع حكيم من أخذ العطاء مع أنه حقه لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئا فيعتاد الأخذ فيتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده ففطمها عن ذلك وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، إنما أشهد عليه عمر لأنه أراد أن لا ينسبه أحد لم يعرف باطن الأمر إلى منع حكيم من حقه .

[ ص: 139 ] قوله : ( هذا حديث صحيح ) وأخرجه الشيخان .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث