الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين

316 حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مالك بن أنس عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس قال وفي الباب عن جابر وأبي أمامة وأبي هريرة وأبي ذر وكعب بن مالك قال أبو عيسى وحديث أبي قتادة حديث حسن صحيح وقد روى هذا الحديث محمد بن عجلان وغير واحد عن عامر بن عبد الله بن الزبير نحو رواية مالك بن أنس وروى سهيل بن أبي صالح هذا الحديث عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم الزرقي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا حديث غير محفوظ والصحيح حديث أبي قتادة والعمل على هذا الحديث عند أصحابنا استحبوا إذا دخل الرجل المسجد أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين إلا أن يكون له عذر قال علي بن المديني وحديث سهيل بن أبي صالح خطأ أخبرني بذلك إسحق بن إبراهيم عن علي بن المديني

التالي السابق


( باب ما جاء إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين )

قوله : ( عن عامر بن عبد الله بن الزبير ) ابن العوام الأسدي المدني ثقة عابد ( عن عمرو بن سليم الزرقي ) بضم الزاي وفتح الراء بعده قاف ثقة من كبار التابعين مات سنة 104 أربع ومائة يقال له رؤية .

قوله : ( فليركع ركعتين ) أي فليصل ركعتين من إطلاق الجزء على الكل . قال الحافظ في الفتح : واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب . ونقل ابن بطال عن أهل الظاهر الوجوب . والذي صرح به ابن حزم عدمه .

ومن أدلة عدم الوجوب قوله صلى الله عليه وسلم للذي رآه يتخطى : اجلس فقد آذيت ولم يأمره بصلاة كذا استدل به الطحاوي وغيره وفيه نظر ، انتهى . قلت : لعل وجه النظر أنه لا مانع له من أن يكون قد فعلها في جانب من المسجد قبل وقوع التخطي منه أو أنه كان ذلك قبل الأمر بها والنهي عن تركها .

[ ص: 217 ] قلت . ومن أدلة عدم الوجوب ما أخرجه ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون المسجد ، ثم يخرجون ولا يصلون .

وأجيب عن ذلك بأن التحية إنما تشرع لمن أراد الجلوس ، وليس في الرواية أن الصحابة كانوا يدخلون ويجلسون ويخرجون بغير صلاة تحية ، وليس فيها إلا مجرد الدخول والخروج ، فلا يتم الاستدلال ، إلا بعد تبيين أنهم كانوا يجلسون .

ومن أدلة عدم الوجوب حديث ضمام بن ثعلبة عند الشيخين وغيرهما لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما فرض الله عليه من الصلاة فقال : الصلوات الخمس ، فقال : هل علي غيرها ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع . وأجيب عن ذلك بأن التعاليم الواقعة في مبادئ الشريعة لا تصلح لصرف وجوب ما تجدد من الأوامر وإلا لزم قصر واجبات الشريعة على الصلاة والصوم والحج والزكاة والشهادتين ، واللازم باطل فكذا الملزوم .

وأجيب أيضا بأن قوله : إلا أن تطوع ينفي وجوب الواجبات ابتداء لا الواجبات بأسباب يختار المكلف فعلها كدخول المسجد مثلا ، لأن الداخل ألزم نفسه الصلاة بالدخول فكأنه أوجبها على نفسه ، فلا يصح شمول ذلك الصارف لمثلها . وذكر الشوكاني جوابا ثالثا ، وذكر الجواب الأول مفصلا ، وقال في آخر كلامه : إذا عرفت هذا لاح لك أن الظاهر ما قاله أهل الظاهر ، انتهى .

وقال الطحاوي أيضا : الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها ليس هذا الأمر بداخل فيها . قال الحافظ : هما عمومان تعارضا : الأمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل ، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة ، فلا بد من تخصيص أحد العمومين ، فذهب جمع إلى تخصيص النهي وتعميم الأمر وهو الأصح عند الشافعية ، وذهب جمع إلى عكسه وهو قول الحنفية والمالكية . وقال الشوكاني في النيل بعد ذكر هذين العمومين ما لفظه فتخصيص أحد العمومين بالآخر تحكم ، وكذلك ترجيح أحدهما على الآخر مع كون كل واحد منهما في الصحيحين بطرق متعددة ، ومع اشتمال كل واحد منهما على النهي أو النفي الذي في معناه ، ولكنه إذا ورد ما يقضي بتخصيص أحد العمومين عمل عليه ، وصلاته صلى الله عليه وسلم سنة الظهر بعد العصر مختص به ، بل ثبت عند أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت له أم سلمة أفنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال : لا . ولو سلم عدم الاختصاص لما كان في ذلك إلا جواز قضاء سنة الظهر لا جواز جميع ذوات الأسباب ، نعم حديث يزيد بن الأسود الذي سيأتي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجلين : ما منعكما أن تصليا معنا ؟ فقالا : قد صلينا في رحالنا فقال : إذا صليتما في رحالكما ثم [ ص: 218 ] أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة . وكانت تلك الصلاة صلاة الصبح كما سيأتي يصلح لأن يكون من جملة المخصصات لعموم الأحاديث القاضية بالكراهة ، وكذلك ركعتا الطواف . وبهذا التقرير يعلم أن فعل تحية المسجد في الأوقات المكروهة وتركها لا يخلو عند القائل بوجوبها من إشكال والمقام عندي من المضائق والأولى للمتورع ترك دخول المساجد في أوقات الكراهة ، انتهى كلام الشوكاني .

قوله : ( قبل أن يجلس ) قال الحافظ : صرح جماعة بأنه إذا خالف وجلس لا يشرع التدارك ، وفيه نظر لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر أنه دخل المسجد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أركعت ركعتين ؟ قال : لا ، قال : قم فاركعهما . ترجم عليه ابن حبان أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس ، قال الحافظ : ومثله قصة سليك كما سيأتي في الجمعة ، انتهى . قال القاري في المرقاة : وما يفعله بعض العوام من الجلوس أولا ، ثم القيام للصلاة ثانيا باطل لا أصل له ، انتهى . قلت : ويبطله حديث الباب .

قوله : ( وفي الباب عن جابر وأبي أمامة وأبي هريرة وأبي ذر وكعب بن مالك ) أما حديث جابر فأخرجه البخاري ومسلم بلفظ : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سليكا الغطفاني لما أتى يوم الجمعة والنبي يخطب فقعد قبل أن يصلي الركعتين : أن يصليهما . وأخرج مسلم عن جابر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره لما أتى المسجد بثمن جمله الذي اشتراه منه صلى الله عليه وسلم أن يصلي الركعتين . أما حديث أبي أمامة فلم أقف عليه . وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن عدي كما في التلخيص . وأما حديث أبي ذر فأخرجه ابن حبان في صحيحه وتقدم لفظه . وأما حديث كعب بن مالك فأخرجه الشيخان بلفظ : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقدم من سفر إلا نهارا في الضحى فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ، ثم جلس فيه .

قوله : ( حديث أبي قتادة حديث حسن صحيح ) أخرجه الأئمة الستة في كتبهم ( وروى سهيل بن أبي صالح هذا الحديث عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن عمرو بن سليم عن [ ص: 219 ] جابر بن عبد الله ) فذكر سهيل بن أبي صالح عن جابر بن عبد الله بدل أبي قتادة وخالف غير واحد من أصحاب عامر بن عبد الله .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث