الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ومن سورة القدر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب ومن سورة القدر

3350 حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا القاسم بن الفضل الحداني عن يوسف بن سعد قال قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال سودت وجوه المؤمنين أو يا مسود وجوه المؤمنين فقال لا تؤنبني رحمك الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت إنا أعطيناك الكوثر يا محمد يعني نهرا في الجنة ونزلت هذه الآية إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر يملكها بعدك بنو أمية يا محمد قال القاسم فعددناها فإذا هي ألف شهر لا يزيد يوم ولا ينقص قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل وقد قيل عن القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن والقاسم بن الفضل الحداني هو ثقة وثقه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ويوسف بن سعد رجل مجهول ولا نعرف هذا الحديث على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه

التالي السابق


( ومن سورة القدر ) قيل هي مكية وقيل مدنية وهي خمس آيات .

قوله : ( عن يوسف بن سعد ) الجمحي مولاهم البصري ويقال هو يوسف بن مازن ، ثقة من [ ص: 197 ] الثالثة ( قال قام رجل ) وفي رواية ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل عن عيسى بن مازن : قال قلت للحسن بن علي رضي الله عنه إلخ ( إلى الحسن بن علي ) بن أبي طالب ( بعدما بايع ) أي الحسن بن علي ( معاوية ) أي ابن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي أبا عبد الرحمن الخليفة صحابي أسلم قبل الفتح وكتب الوحي ومات في رجب سنة ستين وقد قارب الثمانين ( أو يا مسود وجوه المؤمنين ) كلمة " أو " للشك ( لا تؤنبني ) بصيغة النهي من التأنيب وهو المبالغة في التوبيخ والتعنيف ( أري ) بصيغة المجهول من الإراءة أي في المنام ( بني أمية على منبره ) وفي رواية ابن جرير : أري في منامه بني أمية يعلون منبره خليفة خليفة إنا أنزلناه أي القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر أي الشرف والعظم وما أدراك أي أعلمك يا محمد ما ليلة القدر تعظيم لشأنها وتعجيب منه ليلة القدر خير من ألف شهر أي ليس فيها ليلة القدر ، فالعمل الصالح فيها خير منه في ألف شهر ليست فيها ( يملكها ) الضمير المنصوب راجع إلى ألف شهر ، والمعنى أن ليلة القدر خير من مدة ألف شهر يملك فيها بنو أمية الولاية والخلافة ( قال القاسم ) أي ابن الفضل الحداني المذكور في الإسناد ( فعددناها ) أي مدة خلافة بني أمية وفي رواية ابن جرير فحسبنا ملك بني أمية ( فإذا هي ألف شهر ) هي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر وكان استقلال إمارة بني أمية منذ بيعة الحسن بن علي لمعاوية وذلك على رأس أربعين سنة من الهجرة وكان انفصال دولتهم على يد أبي مسلم الخراساني سنة اثنتين وثلاثين ومائة وذلك اثنتان وتسعون سنة يسقط منها مدة خلافة ابن الزبير ثمان سنين وثمانية أشهر يبقى ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر كذا في المجمع . قوله : ( هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل وقد قيل عن القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن إلخ ) قال الحافظ ابن [ ص: 198 ] كثير بعد نقل كلام الترمذي هذا : وقد روى هذا الحديث الحاكم في مستدركه من طريق القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن به ، وقول الترمذي إن يوسف هذا مجهول فيه نظر فإنه قد روى عنه جماعة منهم حماد بن سلمة وخالد الحذاء ويونس بن عبيد ، وقال فيه يحيى بن معين هو مشهور ، وفي رواية عن ابن معين قال هو ثقة ، ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن كذا قال وهذا يقتضي اضطرابا في هذا الحديث والله أعلم . ثم هذا الحديث على كل تقدير منكر جدا . قال شيخنا الإمام الحافظ الحجة أبو الحجاج المزي هو حديث منكر . قال وقول القاسم بن الفضل الحداني أنه حسب مدة بني أمية فوجدها ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقص ليس بصحيح فإن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه استقل بالملك حين سلم إليه الحسن بن علي الإمرة سنة أربعين واجتمعت البيعة لمعاوية وسمي ذلك عام الجماعة ثم استمروا فيها متتابعين بالشام وغيرها لم يخرج عنهم إلا مدة دولة عبد الله بن الزبير في الحرمين والأهواز وبعض البلاد قريبا من تسع سنين لكن لم تزل يدهم عن الإمرة بالكلية بل عن بعض البلاد إلى أن استلبهم بنو العباس الخلافة في سنة اثنتين وثلاثين ومائة فيكون مجموع مدتهم اثنتين وتسعين سنة وذلك أزيد من ألف شهر فإن الألف شهر عبارة عن ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر ، وكأن القاسم بن الفضل أسقط من مدتهم أيام ابن الزبير وعلى هذا فتقارب ما قاله للصحة في الحساب .

ومما يدل على ضعف هذا الحديث أنه سيق لذم دولة بني أمية ولو أريد ذلك لم يكن بهذا السياق ، فإن تفضيل ليلة القدر على أيامهم لا يدل على ذم أيامهم ، فإن ليلة القدر شريفة جدا والسورة الكريمة إنما جاءت لمدح ليلة القدر فكيف تمدح بتفضيلها على أيام بني أمية التي هي مذمومة بمقتضى هذا الحديث ، وهل هذا إلا كما قال القائل :


ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

وقال آخر :


إذا أنت فضلت امرأ ذا براعة     على ناقص كان المديح من النقص

ثم الذي يفهم من الآية أن الألف شهر المذكورة في الآية هي أيام بني أمية والسورة مكية فكيف يحال على ألف شهر هي دولة بني أمية ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها ، والمنبر إنما صنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة فهذا كله مما يدل على ضعف الحديث ونكارته انتهى كلام الحافظ ابن كثير .

قلت : وفي قوله : ( ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن كذا [ ص: 199 ] قال ) نظر فإن ابن جرير لم يروه هكذا بل رواه من طريق القاسم بن الفضل عن عيسى بن مازن كما في النسخة المصرية وعليه يصح قول الحافظ ابن كثير ، وهذا يقتضي اضطرابا في هذا الحديث فتفكر .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث