الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب منه

3421 حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا يوسف بن الماجشون حدثني أبي عن عبد الرحمن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها إنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت آمنت بك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك فإذا ركع قال اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظامي وعصبي فإذا رفع رأسه قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات والأرضين وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد فإذا سجد قال اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه فصوره وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين ثم يكون آخر ما يقول بين التشهد والسلام اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح

التالي السابق


قوله : ( أخبرنا يوسف بن الماجشون ) هو يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون أبو سلمة المدني ثقة من الثامنة ، والماجشون بكسر الجيم وضم الشين المعجمة وهو أبيض الوجه مورده لفظ أعجمي قال النووي ، وقال في المعنى بفتح جيم وقيل بكسرها وبشين معجمة مضمومة وبنون وهو معرب : ماه كون أي شبه القمر سمي به لحمرة وجنتيه يوسف الماجشون وفي بعضها ابن الماجشون وكلاهما صحيح وهو أبو سلمة يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة وهو لقب يعقوب وجرى على أولاده وأولاد أخيه ولذا وقع في بعض الروايات عبد العزيز الماجشون وفي بعضها ابنه انتهى ( أخبرني أبي ) أي يعقوب بن أبي سلمة الماجشون والتيمي مولاهم أبو يوسف المدني صدوق من الرابعة . قوله : ( كان إذا قام في الصلاة قال وجهت إلخ ) وفي الرواية الثالثة الآتية : إذا قام إلى الصلاة المكتوبة وفيها يقول حين يفتتح الصلاة بعد التكبير وجهت إلخ ( وجهت وجهي ) بسكون الياء وفتحها أي توجهت بالعبادة بمعنى أخلصت عبادتي لله ، وقيل صرفت وجهي وعملي ونيتي أو أخلصت وجهتي وقصدي ( للذي فطر السماوات والأرض ) أي إلى الذي ابتدأ خلقهما ( حنيفا ) حال من ضمير وجهت أي مائلا إلى الدين الحق ثابتا عليه . قال في النهاية : الحنيف المائل إلى الإسلام الثابت عليه والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم عليه السلام ، وأصل الحنف الميل ( وما أنا من المشركين ) بيان للحنيف وإيضاح لمعناه ، والمشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم ويهودي ونصراني ومجوسي ومرتد وزنديق وغيرهم ( إن صلاتي ونسكي ) النسك الطاعة والعبادة وكل ما تقرب به إلى الله تعالى : ( ومحياي ومماتي ) أي حياتي وموتي ويجوز فتح الياء فيهما وإسكانهما والأكثرون على فتح ياء محياي وإسكان مماتي ( لله ) أي هو خالقهما ومقدرهما وقيل طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير ، أو حياتي وموتي لله لا تصرف لغيره فيها أو ما أنا عليه من العبادة في حياتي وما أموت خالصة لوجه الله ( رب العالمين ) بدل أو عطف بيان أي مالكهم [ ص: 265 ] ومربيهم وهم ما سوى الله على الأصح ( وبذلك أمرت ) أي بالتوحيد الكامل الشامل للإخلاص قولا واعتقادا ( وأنا من المسلمين ) وفي بعض النسخ : وأنا أول المسلمين ، وكذا في رواية لمسلم قال النووي أي من هذه الأمة ، وفي أخرى له : وأنا من المسلمين ، وفي رواية أبي داود : وأنا أول المسلمين . قال أبو داود في سننه : حدثنا عمرو بن عثمان أخبرنا شريح بن يزيد حدثني شعيب بن أبي حمزة قال : قال لي ابن المنكدر وابن أبي فروة وغيرهما من فقهاء أهل المدينة فإذا قلت أنت فقل : وأنا من المسلمين يعني قوله : وأنا أول المسلمين انتهى . وقال الشوكاني في النيل : قال في الانتصار : إن غير النبي إنما يقول : وأنا من المسلمين وهو وهم منشؤه توهم أن معنى وأنا أول المسلمين أني أول شخص اتصف بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه وليس كذلك بل معناه بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به . ونظيره قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين وقال موسى : وأنا أول المؤمنين وظاهر الإطلاق أنه لا فرق في قوله : وأنا من المسلمين وقوله : وما أنا من المشركين بين الرجل والمرأة وهو صحيح على إرادة الشخص وفي المستدرك للحاكم من رواية عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة : " قومي فاشهدي أضحيتك وقولي : إن صلاتي ونسكي إلى قوله وأنا من المسلمين " . فدل على ما ذكرناه انتهى . ( اللهم ) أي بالله والميم بدل عن حرف النداء ولذا لا يجمع بينهما إلا في الشعر ( أنت الملك ) أي القادر على كل شيء المالك الحقيقي لجميع المخلوقات ( وأنا عبدك ) أي معترف بأنك مالكي ومدبري وحكمك نافذ في ( ظلمت نفسي ) أي اعترفت بالتقصير قدمه على سؤال المغفرة أدبا كما قال آدم وحواء ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ( إنه ) بالكسر استئناف فيه معنى التعليل والضمير للشأن ( لا يغفر الذنوب إلا أنت ) فإنك أنت الغفار الغفور ( واهدني لأحسن الأخلاق ) أي أرشدني لأكملها وأفضلها ووفقني للتخلق بها ( واصرف عني سيئها ) أي قبيحها ( تباركت ) أي استحققت الثناء ، وقيل ثبت الخير عندك وقيل جئت بالبركات أو تكاثر خيرك ، وأصل الكلمة للدوام والثبوت ( وتعاليت ) أي ارتفعت عظمتك وظهر قهرك وقدرتك على من في الكونين ، وقيل أي عن مشابهة كل شيء ( اللهم لك ركعت وبك آمنت ) في تقديم الجار إشارة إلى التخصيص ( ولك أسلمت ) أي لك ذللت وانقدت أو لك [ ص: 266 ] أخلصت وجهي ( خشع ) أي خضع وتواضع أو سكن ( لك سمعي ) فلا يسمع إلا منك ( وبصري ) فلا ينظر إلا بك وإليك وتخصيصهما من بين الحواس لأن أكثر الآفات بهما فإذا خشعتا قلت الوساوس قاله ابن الملك ( ومخي ) قال ابن رسلان : المراد به هنا الدماغ وأصله الودك الذي في العظم وخالص كل شيء مخه ( وعظمي وعصبي ) فلا يقومان ولا يتحركان إلا بك في طاعتك وهن عمد الحيوان وأطنابه واللحم والشحم غاد ورائح ( فإذا رفع رأسه أي من الركوع ( قال ) أي بعد قوله سمع الله لمن حمده كما في الرواية الثالثة الآتية ( ملء السماوات والأرضين ) بكسر الميم ونصب الهمزة بعد اللام ورفعها والنصب أشهر ومعناه حمدا لو كان أجساما لملأ السماوات والأرض لعظمه . قاله النووي ( سجد وجهي ) أي خضع وذل وانقاد " فصوره " زاد مسلم وأبو داود : فأحسن صوره وهو الموافق لقوله تعالى فأحسن صوركم ( أحسن الخالقين ) أي المصورين والمقدرين فإنه الخالق الحقيقي المنفرد بالإيجاد والإمداد وغيره إنما يوجد صورا مموهة ليس فيها شيء من حقيقة الخلق مع أنه تعالى خالق كل صانع وصنعته والله خلقكم وما تعملون ( ثم يكون ) أي بعد فراغه من ركوعه وسجوده ( ما قدمت ) من سيئة ( وما أخرت ) من عمل أي جميع ما فرط مني ; قاله الطيبي . وقال الشوكاني في النيل : المراد بقوله ( ما أخرت ) إنما هو بالنسبة إلى ما وقع من ذنوبه المتأخرة لأن الاستغفار قبل الذنب محال كذا قال أبو الوليد النيسابوري . قال الأسنوي : ولقائل أن يقول المحال إنما هو طلب مغفرته قبل وقوعه وأما الطلب قبل الوقوع أن يغفر إذا وقع فلا استحالة فيه ( وما أسررت وما أعلنت ) أي جميع الذنوب ؛ لأنها إما سر أو علن ( أنت المقدم وأنت المؤخر ) قال البيهقي : قدم من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين وأخر من شاء عن مراتبهم ، وقيل قدم من أحب من أوليائه على غيرهم من عبيده وأخر من أبعده عن غيره فلا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم . قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي مطولا وابن ماجه مختصرا وابن حبان في صحيحه .

[ ص: 267 ]


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث