الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب العلل

جزء التالي صفحة
السابق

حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق أخبرنا النضر بن عبد الله الأصم حدثنا إسمعيل بن زكريا عن عاصم عن ابن سيرين قال كان في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد لكي يأخذوا حديث أهل السنة ويدعوا حديث أهل البدع

التالي السابق


( أخبرنا النضر بن عبد الله الأصم ) ذكره ابن حبان في الثقات ( عن عاصم ) هو عاصم بن سليمان الأحول ( فلما وقعت الفتنة ) أي بظهور أهل البدع والأهواء ( ويدعوا ) بفتح الدال المهملة أي يتركوا من ودع يدع ( حديث أهل البدع ) بكسر الموحدة وفتح الدال المهملة جمع البدعة وهي اعتقاد أمر محدث على خلاف ما عرف في الدين ، وما جاء عن [ ص: 333 ] رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بنوع شبهة وتأويل لا بطريق جحود وإنكار فإن ذلك كفر ، وحديث المبتدع مردود عند الجمهور وعند البعض إن كان متصفا بصدق اللهجة وصيانة اللسان قبل ، وقال بعضهم : إن كان منكرا لأمر متواتر في الشرع وقد علم بالضرورة كونه من الدين فهو مردود ، وإن لم يكن بهذه الصفة يقبل ، وإن كفره المخالفون مع وجود ضبط وورع وتقوى واحتياط وصيانة .

والمختار أنه إن كان داعيا إلى بدعته ومروجا له رد . وإن لم يكن كذلك قبل ، إلا أن يروي شيئا يقوي به بدعته . فهو مردود قطعا . وبالجملة الأئمة مختلفون في أخذ الحديث من أهل البدع والأهواء وأرباب المذاهب الزائغة .

وقال صاحب جامع الأصول : أخذ جماعة من أئمة الحديث من فرقة الخوارج والمنتسبين إلى القدر والتشيع والرفض ، وسائر أصحاب البدع والأهواء ، وقد احتاط جماعة آخرون وتورعوا عن أخذ حديث من هذه الفرق ولكل منهم نيات انتهى .

ولا شك أن أخذ الحديث من هذه الفرق يكون بعد التحري والاستصواب ومع ذلك الاحتياط في عدم الأخذ لأنه قد ثبت أن هؤلاء الفرق كانوا يضعون الأحاديث لترويج مذاهبهم ، وكانوا يقرون به بعد التوبة والرجوع ، كذا في المقدمة للشيخ عبد الحق الدهلوي .

وقال النووي في شرح مسلم : قال العلماء من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول : المبتدع الذي يكفر ببدعته لا يقبل روايته بالاتفاق ، وأما الذي لا يكفر بها فاختلفوا في روايته ، فمنهم من ردها مطلقا لفسقه ولا ينفعه التأويل ، ومنهم من قبلها مطلقا إذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه سواء كان داعية إلى بدعته أو غير داعية ، وهذا محكي عن إمامنا الشافعي -رضي الله عنه- لقوله : أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة ، لكونهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم ومنهم من قال : يقبل إذا لم يكن داعية إلى بدعته ولا يقبل إذا كان داعية . وهذا مذهب كثيرين أو الأكثرين من العلماء وهو الأعدل الصحيح . وقال بعض أصحاب الشافعي : اختلف أصحاب الشافعي في غير الداعية واتفقوا على عدم قبول الداعية وقال أبو حاتم بن حبان بكسر الحاء : لا يجوز الاحتجاج بالداعية عند أئمتنا قاطبة لا خلاف بينهم في ذلك وأما المذهب الأول فضعيف جدا ، ففي الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث الاحتجاج بكثيرين من المبتدعين غير الدعاة . ولم يزل السلف والخلف على قبول الرواية منهم والاحتجاج بها والسماع منهم وإسماعهم من غير إنكار منهم انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث