الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

السورة قطعة من القرآن معينة بمبدأ ونهاية لا يتغيران ، مسماة باسم مخصوص ، تشتمل على ثلاث آيات فأكثر في غرض تام ترتكز عليه معاني آيات تلك السورة ، ناشئ عن أسباب النزول ، أو عن مقتضيات ما تشتمل عليه من المعاني المتناسبة .

وكونها تشتمل على ثلاث آيات مأخوذة من استقراء سور القرآن مع حديث عمر فيما رواه أبو داود عن الزبير قال : جاء الحارث بن خزيمة هو المسمى في بعض الروايات خزيمة وأبا خزيمة بالآيتين من آخر سورة براءة فقال : أشهد أني سمعتهما من رسول الله . فقال عمر وأنا أشهد لقد سمعتهما منه ، ثم قال : لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة إلخ ، فدل على أن عمر ما قال ذلك إلا عن علم بأن ذلك أقل مقدار سوره .

وتسمية القطعة المعينة من عدة آيات القرآن سورة من مصطلحات القرآن ، وشاعت تلك التسمية عند العرب حتى المشركين منهم . فالتحدي للعرب بقوله تعالى فأتوا بعشر سور مثله وقوله فأتوا بسورة من مثله لا يكون إلا تحديا باسم معلوم المسمى والمقدار عندهم وقت التحدي ، فإن آيات التحدي نزلت بعد السور الأول ، وقد جاء في القرآن تسمية سورة النور باسم سورة في قوله تعالى سورة أنزلناها أي هذه سورة ، وقد زادته السنة بيانا . ولم تكن [ ص: 85 ] أجزاء التوراة والإنجيل والزبور مسماة سورا عند العرب في الجاهلية ولا في الإسلام . ووجه تسمية الجزء المعين من القرآن سورة قيل مأخوذة من السور بضم السين وتسكين الواو وهو الجدار المحيط بالمدينة أو بمحلة قوم زادوه هاء تأنيث في آخره مراعاة لمعنى القطعة من الكلام ، كما سموا الكلام الذي يقوله القائل خطبة أو رسالة أو مقامة . وقيل مأخوذة من السؤر بهمزة بعد السين وهو البقية مما يشرب الشارب بمناسبة أن السؤر جزء مما يشرب ، ثم خففوا الهمزة بعد الضمة فصارت واوا ، قال ابن عطية : وترك الهمز في سورة هو لغة قريش ومن جاورها من هذيل وكنانة وهوازن وسعد بن بكر ، وأما الهمز فهو لغة تميم ، وليست إحدى اللغتين بدالة على أن أصل الكلمة من المهموز أو المعتل ، لأن للعرب في تخفيف المهموز وهمز المخفف من حروف العلة طريقتين ، كما قالوا أجوه وإعاء وإشاح ، في وجوه ووعاء ووشاح ، وكما قالوا الذئب بالهمز والذيب بالياء .

قال الفراء : ربما خرجت بهم فصاحتهم إلى أن يهمزوا ما ليس مهموزا كما قالوا رثأت الميت ولبأت بالحج وحلأت السويق ، بالهمز .

وجمع سورة سور بتحريك الواو كغرف ، ونقل في شرح القاموس عن الكراع أنها تجمع على سور بسكون الواو .

وتسوير القرآن من السنة في زمن النبيء صلى الله عليه وسلم ، فقد كان القرآن يومئذ مقسما إلى مائة وأربع عشرة سورة بأسمائها ، ولم يخالف في ذلك إلا عبد الله بن مسعود فإنه لم يثبت المعوذتين في سور القرآن ، وكان يقول إنما هما تعوذ أمر الله رسوله بأن يقوله وليس هو من القرآن ، وأثبت القنوت الذي يقال في صلاة الصبح ، على أنه سورة من القرآن سماها سورة الخلع والخنع . وجعل سورة الفيل وسورة قريش سورة واحدة .

وكل ذلك استنادا لما فهمه من نزول القرآن . ولم يحفظ عن جمهور الصحابة حين جمعوا القرآن أنهم ترددوا ولا اختلفوا في عدد سوره ، وأنها مائة وأربع عشرة سورة ، روى أصحاب السنن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت الآية يقول : ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا ، وكانت السور معلومة المقادير منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم محفوظة عنه في قراءة الصلاة وفي عرض القرآن ، فترتيب الآيات في السور هو بتوقيف [ ص: 86 ] من النبيء صلى الله عليه وسلم ، وكذلك عزا ابن عطية إلى مكي بن أبي طالب وجزم به السيوطي في الإتقان ، وبذلك يكون مجموع السورة من الآيات أيضا توقيفيا ، ولذلك نجد في الصحيح أن النبيء صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة سورة كذا وسورة كذا من طوال وقصار ، ومن ذلك حديث صلاة الكسوف ، وفي الصحيح أن رجلا سأل النبيء صلى الله عليه وسلم أن يزوجه امرأة فقال له النبي : هل عندك ما تصدقها ؟ قال : لا ، فقال : ما معك من القرآن ؟ قال : سورة كذا وسورة كذا لسور سماها ، فقال قد زوجتكها بما معك من القرآن وسيأتي مزيد شرح لهذا الغرض عند الكلام على أسماء السور .

وفائدة التسوير ما قاله صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى فأتوا بسورة من مثله إن الجنس إذا انطوت تحته أنواع كان أحسن وأنبل من أن يكون ببانا واحدا ، وأن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأهز لعطفه كالمسافر إذا علم أنه قطع ميلا أو طوى فرسخا .

وأما ترتيب السور بعضها إثر بعض ، فقال أبو بكر الباقلاني : يحتمل أن النبيء صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر بترتيبها كذلك ، ويحتمل أن يكون ذلك من اجتهاد الصحابة ، وقال الداني : كان جبريل يوقف رسول الله على موضع الآية وعلى موضع السورة .

وفي المستدرك عن زيد بن ثابت أنه قال : كنا عند رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع ، قال البيهقي : تأويله أنهم كانوا يؤلفون آيات السور .

ونقل ابن عطية عن الباقلاني الجزم بأن ترتيب السور بعضها إثر بعض هو من وضع زيد بن ثابت بمشاركة عثمان ، قال ابن عطية : وظاهر الأثر أن السبع الطوال والحواميم والمفصل كانت مرتبة في زمن النبيء صلى الله عليه وسلم ، وكان من السور ما لم يرتب ، فذلك هو الذي رتب وقت كتابة المصحف .

أقول : لا شك أن طوائف من سور القرآن كانت مرتبة في زمن النبيء صلى الله عليه وسلم على ترتيبها في المصحف الذي بأيدينا اليوم الذي هو نسخة من المصحف الإمام الذي جمع وكتب في خلافة أبي بكر الصديق ووزعت على الأمصار نسخ منه في خلافة عثمان ذي النورين فلا شك في أن سور المفصل كانت هي آخر القرآن ولذلك كانت سنة قراءة السورة في الصلوات المفروضة أن يكون في بعض الصلوات من طوال المفصل وفي بعضها من [ ص: 87 ] وسط المفصل وفي بعضها من قصار المفصل . وأن طائفة السور الطولى الأوائل في المصحف كانت مرتبة في زمن النبيء صلى الله عليه وسلم أول القرآن . والاحتمال فيما عدا ذلك .

وأقول : لا شك في أن زيد بن ثابت وعثمان بن عفان وهما من أكبر حفاظ القرآن من الصحابة ، توخيا ما استطاعا ترتيب قراءة النبيء صلى الله عليه وسلم للسور ، وترتيب قراءة الحفاظ التي لا تخفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان زيد بن ثابت من أكبر حفاظ القرآن ، وقد لازم النبيء صلى الله عليه وسلم مدة حياته بالمدينة ، ولم يتردد في ترتيب سور القرآن على نحو ما كان يقرؤها النبيء صلى الله عليه وسلم حين نسخ المصاحف في زمن عثمان . ذلك أن القرآن حين جمع في خلافة أبي بكر لم يجمع في مصحف مرتب وإنما جعلوا لكل سورة صحيفة مفردة ولذلك عبروا عنها بالصحف ، وفي موطأ ابن وهب عن مالك أن ابن عمر قال : جمع أبو بكر القرآن في قراطيس .

وكانت تلك الصحف عند أبي بكر ثم عند عمر ثم عند حفصة بنت عمر أم المؤمنين ، بسبب أنها كانت وصية أبيها على تركته ، فلما أراد عثمان جمع القرآن في مصحف واحد أرسل إلى حفصة فأرسلت بها إليه ، ولما نسخت في مصحف واحد أرجع الصحف إليها ، قال في فتح الباري : وهذا وقع في رواية عمارة بن غزية أن زيد بن ثابت قال : أمرني أبو بكر فكتبت في قطع الأديم والعسب فلما هلك أبو بكر وكان عمر كتبت ذلك في صحيفة واحدة فكانت عنده ، والأصح أن القرآن جمع في زمن أبي بكر في مصحف واحد .

وقد يوجد في آي من القرآن ما يقتضي سبق سورة على أخرى ، مثل قوله في سورة النحل وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل يشير إلى قوله وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر الآية ، من سورة الأنعام فدلت على أن سورة الأنعام نزلت قبل سورة النحل ، وكذلك هي مرتبة في المصحف ، وقد ثبت أن آخر آية نزلت آية في سورة البقرة أو في سورة النساء أو في براءة ، وثلاثتها في الترتيب مقدمة على سور كثيرة .

فالمصاحف الأولى التي كتبها الصحابة لأنفسهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مختلفة في ترتيب وضع السور . وممن كان له مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ، وروي أن أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة . قال في الإتقان : إن من الصحابة من رتب مصحفه على ترتيب النزول أي بحسب ما بلغ إليه علمه وكذلك [ ص: 88 ] كان مصحف علي رضي الله عنه وكان أوله " اقرأ باسم " ، ثم المدثر ، ثم المزمل ، ثم التكوير وهكذا إلى آخر المكي ثم المدني . ومنهم من رتب على حسب الطول والقصر وكذلك كان مصحف أبي وابن مسعود فكانا ابتدآ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران ، وعلى هذه الطريقة أمر عثمان رضي الله عنه بترتيب المصحف المدعو بالإمام ، أخرج الترمذي وأبو داود عن ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر " بسم الله الرحمن الرحيم " ، ووضعتموهما في السبع الطوال ، فقال عثمان كان رسول الله مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوائل ما أنزلت بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها ، فقبض رسول الله ولم يبين لنا أنها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر " بسم الله الرحمن الرحيم فوضعتهما في السبع الطوال .

وهو صريح في أنهم جعلوا علامة الفصل بين السور كتابة البسملة ولذلك لم يكتبوها بين سورة الأنفال وسورة براءة لأنهم لم يجزموا بأن براءة سورة مستقلة ، ولكنه كان الراجح عندهم فلم يقدموا على الجزم بالفصل بينهما تحريا . وفي باب تأليف القرآن من صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه ذكر النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأهن في كل ركعة فسئل علقمة عنها فقال : عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود ، آخرها من الحواميم " حم الدخان " و " عم يتساءلون " ، على أن الجمهور جزموا بأن كثيرا من السور كان مرتبا في زمن النبيء صلى الله عليه وسلم .

ثم اعلم أن ظاهر حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري في باب تأليف القرآن أنها لا ترى القراءة على ترتيب المصحف أمرا لازما فقد سألها رجل من العراق أن تريه مصحفها ليؤلف عليه مصحفه فقالت : وما يضرك أية آية قرأت قبل ، إنما نزل أول ما نزل منه سورة فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، وفي صحيح مسلم عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالبقرة ثم بالنساء ثم بآل عمران في ركعة . قال عياض في الإكمال : هو دليل لكون ترتيب السورة وقع [ ص: 89 ] باجتهاد الصحابة حين كتبوا المصحف وهو قول مالك رحمه الله وجمهور العلماء ، وفي حديث صلاة الكسوف أن النبيء قرأ فيها بسورتين طويلتين ، ولما كانت جهرية فإن قراءته تينك السورتين لا يخفى على أحد ممن صلى معه ، ولذلك فالظاهر أن تقديم سورة آل عمران على سورة النساء في المصحف الإمام ما كان إلا اتباعا لقراءة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما قرأها النبيء كذلك إما لأن سورة آل عمران سبقت في النزول سورة النساء التي هي من آخر ما أنزل ، أو لرعي المناسبة بين سورة البقرة وسورة آل عمران في الافتتاح بكلمة " الم " ، أو لأن النبيء صلى الله عليه وسلم وصفهما وصفا واحدا ، ففي حديث أبي أمامة أن النبيء قال اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران وذكر فضلهما يوم القيامة ، أو لما في صحيح مسلم أيضا عن حديث النواس بن سمعان أن النبيء قال يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران ، وضرب لهما ثلاثة أمثال الحديث .

ووقع في تفسير شمس الدين محمود الأصفهاني الشافعي ، في المقدمة الخامسة من أوائله لا خلاف في أن القرآن يجب أن يكون متواترا في أصله وأجزائه ، وأما في محله ووضعه وترتيبه فعند المحققين من أهل السنة كذلك ; إذ الدواعي تتوفر على نقله على وجه التواتر ، وما قيل التواتر شرط في ثبوته بحسب أصله وليس شرطا في محله ووضعه وترتيبه فضعيف لأنه لو لم يشترط التواتر في المحل جاز أن لا يتواتر كثير من المكررات الواقعة في القرآن وما لم يتواتر يجوز سقوطه ، وهو يعني بالقرآن ألفاظ آياته ومحلها دون ترتيب السور .

قال ابن بطال لا نعلم أحدا قال بوجوب القراءة على ترتيب السور في المصحف بل يجوز أن تقرأ الكهف قبل البقرة ، وأما ما جاء عن السلف من النهي عن قراءة القرآن منكسا ، فالمراد منه أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها . قلت أو يحمل النهي على الكراهة . واعلم أن معنى الطولى والقصرى في السور مراعى فيه عدد الآيات لا عدد الكلمات [ ص: 90 ] والحروف . وأن الاختلاف بينهم في تعيين المكي والمدني من سور القرآن خلاف ليس بكثير . وأن ترتيب المصحف تخللت فيه السور المكية والمدنية .

وأما ترتيب نزول السور المكية ونزول السور المدنية ففيه ثلاث روايات ، إحداها رواية مجاهد عن ابن عباس ، والثانية رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس ، والثالثة لجابر بن زيد ولا يكون إلا عن ابن عباس ، وهي التي اعتمدها الجعبري في منظومته التي سماها " تقريب المأمول في ترتيب النزول " وذكرها السيوطي في الإتقان ، وهي التي جرينا عليها في تفسيرنا هذا .

وأما أسماء السور فقد جعلت لها من عهد نزول الوحي ، والمقصود من تسميتها تيسير المراجعة والمذاكرة ، وقد دل حديث ابن عباس الذي ذكر آنفا أن النبيء صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا نزلت الآية " ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا " ، فسورة البقرة مثلا كانت بالسورة التي تذكر فيها البقرة .

وفائدة التسمية أن تكون بما يميز السورة عن غيرها . وأصل أسماء السور أن تكون بالوصف كقولهم " السورة التي يذكر فيها كذا " ، ثم شاع فحذفوا الموصول وعوضوا عنه الإضافة فقالوا " سورة ذكر البقرة " مثلا ، ثم حذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه فقالوا " سورة البقرة " . أو أنهم لم يقدروا مضافا - وأضافوا السورة لما يذكر فيها لأدنى ملابسة .

وقد ثبت في صحيح البخاري قول عائشة رضي الله عنها لما نزلت الآيات من آخر البقرة الحديث وفيه عن ابن مسعود قال قرأ رسول الله النجم .

وعن ابن عباس أن رسول الله سجد بالنجم . وما روي من حديث عن أنس مرفوعا لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذلك القرآن كله ولكن قولوا السورة التي يذكر فيها آل عمران وكذا القرآن كله فقال أحمد بن حنبل هو حديث منكر ، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ، ولكن ابن حجر أثبت صحته .

ويذكر عن ابن عمر أنه كان يقول مثل ذلك ولا يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ذكره البيهقي في شعب الإيمان ، وكان الحجاج بن يوسف يمنع من يقول " سورة كذا " ، ويقول قل " السورة التي يذكر فيها كذا " ، والذين صححوا حديث أنس تأولوه وتأولوا قول ابن عمر بأن ذلك كان في مكة حين كان المسلمون إذ قالوا " سورة الفيل وسورة العنكبوت " مثلا هزأ بهم المشركون ، وقد روي أن هذا سبب نزول قوله تعالى إنا كفيناك المستهزئين فلما هاجر المسلمون إلى المدينة زال سبب النهي فنسخ ، وقد علم الناس كلهم معنى التسمية .

[ ص: 91 ] ولم يشتهر هذا المنع ولهذا ترجم البخاري في كتاب فضائل القرآن بقوله " باب من لم ير بأسا أن يقول : سورة البقرة وسورة كذا وسورة كذا " وأخرج فيه أحاديث تدل على أنهم قالوا : سورة البقرة ، سورة الفتح ، سورة النساء ، سورة الفرقان ، سورة براءة ، وبعضها من لفظ النبيء صلى الله عليه وسلم ، وعليه فللقائل أن يقول " سورة البقرة " " أو " التي يذكر فيها البقرة " ، وأن يقول " " سورة والنجم " ، و " سورة النجم " ، و " قرأت النجم " وقرأت والنجم ، كما جاءت هذه الإطلاقات في حديث السجود في سورة النجم عن ابن عباس .

والظاهر أن الصحابة سموا بما حفظوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أخذوا لها أشهر الأسماء التي كان الناس يعرفونها بها ، ولو كانت التسمية غير مأثورة ، فقد سمى ابن مسعود القنوت سورة الخلع والخنع كما مر ، فتعين أن تكون التسمية من وضعه ، وقد اشتهرت تسمية بعض السور في زمن النبيء صلى الله عليه وسلم وسمعها وأقرها وذلك يكفي في تصحيح التسمية .

واعلم أن أسماء السور إما أن تكون بأوصافها مثل الفاتحة وسورة الحمد ، وإما أن تكون بالإضافة لشيء اختصت بذكره نحو سورة لقمان وسورة يوسف وسورة البقرة ، وإما بالإضافة لما كان ذكره فيها أوفى نحو سورة هود وسورة إبراهيم ، وإما بالإضافة لكلمات تقع في السورة نحو سورة براءة ، وسورة حم عسق ، وسورة حم السجدة كما سماها بعض السلف ، وسورة فاطر . وقد سموا مجموع السور المفتتحة بكلمة حم آل حم ، وربما سموا السورتين بوصف واحد ، فقد سموا سورة الكافرون وسورة الإخلاص المقشقشتين .

واعلم أن الصحابة لم يثبتوا في المصحف أسماء السور بل اكتفوا بإثبات البسملة في مبدأ كل سورة علامة على الفصل بين السورتين ، وإنما فعلوا ذلك كراهة أن يكتبوا في أثناء القرآن ما ليس بآية قرآنية ، فاختاروا البسملة لأنها مناسبة للافتتاح مع كونها آية من القرآن ، وفي الإتقان : أن سورة البينة سميت في مصحف أبي سورة أهل الكتاب ، وهذا يؤذن بأنه كان يسمي السور في مصحفه . وكتبت أسماء السور في المصاحف باطراد في عصر التابعين ، ولم ينكر عليهم . قال المازري في شرح البرهان عن القاضي أبي بكر الباقلاني : إن أسماء السور لما كتبت المصاحف كتبت بخط آخر لتتميز عن القرآن ، وإن البسملة كانت مكتوبة في أوائل السور بخط لا يتميز عن الخط الذي كتب به القرآن .

وأما ترتيب آيات السورة فإن التنجيم في النزول من المعلوم كما تقدم آنفا ، وذلك في [ ص: 92 ] آياته وسوره فربما نزلت السورة جميعا دفعة واحدة كما نزلت سورة الفاتحة وسورة المرسلات من السور القصيرة ، وربما نزلت نزولا متتابعا كسورة الأنعام ، وفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب قال : آخر سورة نزلت كاملة براءة ، وربما نزلت السورة مفرقة ونزلت السورتان مفرقتين في أوقات متداخلة ، روى الترمذي عن ابن عباس عن عثمان بن عفان قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد ، أي في أوقات متقاربة فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من يكتب الوحي فيقول ضعواهؤلاء الآيات في السورة كذا . ولذلك فقد تكون السورة بعضها مكيا وبعضها مدنيا .

وكذلك تنهية كل سورة كان بتوقيف من النبيء صلى الله عليه وسلم ، فكانت نهايات السور معلومة ، كما يشير إليه حديث من قرأ الآيات الخواتم من سورة آل عمران ، وقول زيد بن ثابت فقدت آخر سورة براءة .

وقد توفي رسول الله والقرآن مسور سورا معينة ، كما دل عليه حديث اختلاف عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم بن حزام في آيات من سورة الفرقان في حياة النبيء صلى الله عليه وسلم كما تقدم في المقدمة الخامسة . وقال عبد الله بن مسعود في سور بني إسرائيل ، والكهف ، ومريم ، وطه ، والأنبياء - هن من العتاق الأول وهن من تلادي وقد جمع من الصحابة القرآن كله في حياة رسول الله زيد بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وأبو زيد ، وأبي بن كعب ، وأبو الدرداء ، وعبد الله بن عمر ، وعبادة بن الصامت ، وأبو أيوب ، وسعد بن عبيد ، ومجمع بن جارية ، وأبو موسى الأشعري ، وحفظ كثير من الصحابة أكثر القرآن على تفاوت بينهم .

وفي حديث غزوة حنين لما انكشف المسلمون قال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس اصرخ يا معشر الأنصار ، يا أصحاب السمرة ، يا أصحاب سورة البقرة فلعل الأنصار كانوا قد عكفوا على حفظ ما نزل من سورة البقرة لأنها أول السور النازلة بالمدينة ، وفي أحكام القرآن لابن العربي عن ابن وهب عن مالك كان شعارهم يوم حنين يا أصحاب سورة البقرة .

وقد ذكر النحويون في الوقف على تاء التأنيث هاء ، أن رجلا نادى : يا أهل سورة البقرة بإثبات التاء في الوقف وهي لغة ، فأجابه مجيب " ما أحفظ منها ولا آيت " محاكاة للغته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث