الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم

إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم جملة معترضة ، وورود هذه الآية عقب ذكر اختلاق المتقعرين على القرآن المرجفين بالقالة فيه بين الدهماء يومئ إلى أن المراد بالذين لا يؤمنون هم أولئك المردود عليهم آنفا ، وهم فريق معلوم بشدة العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم وبالتصلب في التصدي لصرف الناس عنه ، بحيث بلغوا من الكفر غاية ما وراءها غاية ، فحقت عليهم كلمة الله أنهم لا يؤمنون ، فهؤلاء فريق غير معين يومئذ ، ولكنهم مشار إليهم على وجه الإجمال ، وتكشف عن تعيينهم عواقب أحوالهم .

فقد كان من الكافرين بالنبيء صلى الله عليه وسلم أبو جهل ، وأبو سفيان ، وكان أبو سفيان أطول مدة في الكفر من أبي جهل ، ولكن أبا جهل كان يخلط كفره بأذى النبيء صلى الله عليه وسلم والحنق عليه ، وكان أبو سفيان مقتصرا على الانتصار لدينه ولقومه ، ودفع المسلمين عن أن يغلبوهم فحرم الله أبا جهل الهداية ; فأهلكه كافرا ، وهدى أبا سفيان ; فأصبح من خيرة المؤمنين ، وتشرف بصهر النبيء صلى الله عليه وسلم ، وكان الوليد بن المغيرة وعمر بن الخطاب [ ص: 289 ] كافرين ، وكان كلاهما يدفع الناس من اتباع الإسلام ، ولكن الوليد كان يختلق المعاذير والمطاعن في القرآن ، وذلك من الكيد ، وعمر كان يصرف الناس بالغلظة علنا دون اختلاق ; فحرم الله الوليد بن المغيرة الاهتداء ، وهدى عمر إلى الإسلام ، فأصبح الإسلام به عزيز الجانب ، فتبين الناس أن الوليد من الذين لا يؤمنون بآيات الله ، وأن عمر ليس منهم ، وقد كانا معا كافرين في زمن ما ، ويشير إلى هذا المعنى الذي ذكرناه قوله تعالى إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار فوصف من لا يهديه الله بوصفي ; الكذب ، وشدة الكفر .

فتبين أن معنى قوله تعالى الذين لا يؤمنون بآيات الله من كان الإيمان منافيا لجبلة طبعه لا لأميال هواه ، وهذا يعلم الله أنه لا يؤمن ، وأنه ليس معرضا للإيمان ; فلذلك لا يهديه الله ، أي لا يكون الهداية في قلبه .

وهذا الأسلوب عكس أسلوب قوله تعالى ( إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ) ، وكل يرمي إلى معنى عظيم .

فموقع هذه الجملة من التي قبلها موقع التعليل لجميع أقوالهم المحكية ، والتذييل لخلاصة أحوالهم ، ولذلك فصلت بدون عطف .

وعطف ولهم عذاب أليم على لا يهديهم الله للدلالة على حرمانهم من الخير ، وإلقائهم في الشر ; لأنهم إذا حرموا الهداية فقد وقعوا في الضلالة ، وماذا بعد الحق إلا الضلال ، وهذا كقوله تعالى كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ، ويشمل العذاب عذاب الدنيا - وهو عذاب القتل - مثل ما أصاب أبا جهل يوم بدر من ألم الجراح ، وهو في سكرات الموت ، ثم من إهانة الإجهاز عليه عقب ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث