الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون

خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون

جملة خلق الإنسان من عجل معترضة بين جملة وإذا رآك الذين كفروا وبين جملة سأريكم آياتي ، جعلت مقدمة لجملة سأريكم آياتي . أما جملة سأريكم آياتي فهي معترضة بين جملة وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا وبين جملة ويقولون متى هذا الوعد ؛ لأن قوله تعالى : وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا يثير في نفوس المسلمين تساؤلا عن مدى إمهال المشركين ، فكان قوله تعالى : سأريكم آياتي فلا تستعجلون استئنافا بيانيا جاء معترضا بين الجمل التي تحكي أقوال المشركين وما تفرع عليها . فالخطاب إلى المسلمين الذين كانوا يستبطئون حلول الوعيد الذي توعد الله تعالى به المكذبين .

ومناسبة موقع الجملتين أن ذكر استهزاء المشركين بالنبيء - عليه الصلاة والسلام - يهيج حنق المسلمين عليهم فيودوا أن ينزل بالمكذبين الوعيد عاجلا ، فخوطبوا بالتريث وأن لا يستعجلوا ربهم ؛ لأنه أعلم بمقتضى الحكمة في توقيت حلول الوعيد وما في تأخير نزوله من المصالح للدين .

[ ص: 68 ] وأهمها مصلحة إمهال القوم حتى يدخل منهم كثير في الإسلام . والوجه أن تكون الجملة الأولى تمهيدا للثانية .

والعجل : السرعة ، وخلق الإنسان منه استعارة لتمكن هذا الوصف من جبلة الإنسانية .

شبهت شدة ملازمة الوصف بكون مادة التكوين موصوفة ؛ لأن ضعف صفة الصبر في الإنسان من مقتضى التفكير في المحبة والكراهية . فإذا فكر العقل في شيء محبوب استعجل حصوله بداعي المحبة ، وإذا فكر في شيء مكروه استعجل إزالته بداعي الكراهية ، ولا تخلو أحوال الإنسان عن هذين ، فلا جرم كان الإنسان عجولا بالطبع فكأنه مخلوق من العجلة ، ونحوه قوله تعالى : وكان الإنسان عجولا ، وقوله تعالى : إن الإنسان خلق هلوعا . ثم إن أفراد الناس متفاوتون في هذا الاستعجال على حسب تفاوتهم في غور النظر والكفر ، ولكنهم مع ذلك لا يخلون عنه . وأما من فسر العجل بالطين وزعم أنها كلمة حميرية فقد أبعد وما أسعد .

وجملة سأريكم آياتي هي المقصود من الاعتراض . وهي مستأنفة ، والمعنى : وعد بأنهم سيرون آيات الله في نصر الدين ، وذلك بما حصل يوم بدر من النصر وهلاك أئمة الشرك وما حصل بعده من أيام الإسلام التي كان النصر فيها عاقبة المسلمين .

وتفرع على هذا الوعد نهي عن طلب التعجيل ، أي عليكم أن تكلوا ذلك إلى ما يوقته الله ويؤجله ، ولكل أجل كتاب . فهو نهي عن التوغل في هذه الصفة وعن لوازم ذلك التي تفضي إلى الشك في الوعيد ، وحذفت ياء المتكلم من كلمة " تستعجلون " تخفيفا مع بقاء حركتها ، فإذا وقف عليه حذفت الحركة من النون .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث