الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين

وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين .

عود إلى ما افتتحت به السورة من التنويه بالقرآن وكونه الآية العظمى بما اقتضاه قوله : تلك آيات الكتاب المبين كما تقدم لتختتم السورة بإطناب التنويه بالقرآن كما ابتدئت بإجمال التنويه به ، والتنبيه على أنه أعظم آية اختارها الله أن تكون معجزة أفضل المرسلين . فضمير ( وإنه ) عائد إلى معلوم من المقام بعد ذكر آيات الرسل الأولين . فبواو العطف اتصلت الجملة بالجمل التي قبلها ، وبضمير القرآن اتصل غرضها بغرض صدر السورة .

فجملة ( وإنه لتنزيل رب العالمين ) معطوفة على الجمل التي قبلها المحكية فيها أخبار الرسل المماثلة أحوال أقوامهم لحال قوم محمد صلى الله عليه وسلم وما أيدهم الله به من الآيات ليعلم أن القرآن هو آية الله لهذه الأمة ، فعطفها على الجمل التي مثلها عطف القصة على القصة لتلك المناسبة . ولكن هذه الجملة متصلة في المعنى بجملة ( تلك آيات الكتاب المبين ) بحيث لولا ما فصل بينها وبين الأخرى من طول الكلام لكانت معطوفة عليها . ووجه الخطاب إلى النبيء صلى الله عليه وسلم ; لأن في التنويه بالقرآن تسلية له على ما يلاقيه من إعراض الكافرين عن قبوله وطاعتهم فيه .

والتأكيد ب ( إن ) ولام الابتداء لرد إنكار المنكرين .

والتنزيل مصدر بمعنى المفعول للمبالغة في الوصف حتى كأن المنزل نفس التنزيل . وجملة ( نزل به الروح الأمين ) بيان ل ( تنزيل رب العالمين ) ، أي : كان تنزيله على هذه الكيفية .

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وأبو جعفر بتخفيف زاي ( نزل ) ورفع ( الروح ) . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف ( نزل ) بتشديد الزاي ونصب ( الروح الأمين ) ، أي : نزله الله به .

[ ص: 189 ] و ( الروح الأمين ) : جبريل وهو لقبه في القرآن ، سمي روحا ; لأن الملائكة من عالم الروحانيات وهي المجردات . وتقدم الكلام على الروح في سورة الإسراء ، وتقدم ( روح القدس ) في البقرة . ونزول جبريل إذن الله تعالى ، فنزوله تنزيل من رب العالمين .

و ( الأمين ) صفة جبريل ; لأن الله أمنه على وحيه . والباء في قوله ( نزل به ) للمصاحبة .

والقلب : يطلق على ما به قبول المعلومات كما قال تعالى : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أي : إدراك وعقل .

وقوله ( على قلبك ) يتعلق بفعل ( نزل ) ، و ( على ) للاستعلاء المجازي ; لأن النزول وصول من مكان عال فهو مقتض استقرار النازل على مكان .

ومعنى نزول جبريل على قلب النبيء عليهما السلام : اتصاله بقوة إدراك النبيء لإلقاء الوحي الإلهي في قوته المتلقية للكلام الموحى بألفاظه ; ففعل ( نزل ) حقيقة .

وحرف ( على ) مستعار للدلالة على التمكن مما سمي بقلب النبيء مثل استعارته في قوله تعالى : أولئك على هدى من ربهم .

وقد وصف النبيء صلى الله عليه وسلم ذلك في حديث الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول .

وهذان الوصفان خاصان بوحي نزول القرآن . وثمة وحي من قبيل إبلاغ المعنى وسماه النبيء صلى الله عليه وسلم في حديث آخر نفثا . فقال : إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستوفي أجلها . فهذا اللفظ ليس من القرآن فهو وحي بالمعنى ( والروع : العقل ) . وقد يكون الوحي في رؤيا النوم فإن النبيء لا ينام [ ص: 190 ] قلبه ، ويكون أيضا بسماع كلام الله من وراء حجاب ، وقد بينا في شرح الحديث النكتة في اختصاص إحدى الحالتين ببعض الأوقات .

وأشعر قوله ( على قلبك ) أن القرآن ألقي في قلبه بألفاظه ، قال تعالى : وما كنت تتلو من قبله من كتاب .

ومعنى ( لتكون من المنذرين ) لتكون من الرسل . واختير من أفعاله النذارة ; لأنها أخص بغرض السورة فإنها افتتحت بذكر إعراضهم وبإنذارهم .

وفي ( من المنذرين ) من المبالغة في تمكن وصف الرسالة منه ما تقدم غير مرة في مثل هذه الصيغة في هذه القصص وغيرها . و ( بلسان ) حال من الضمير المجرور في ( نزل به الروح الأمين ) .

والباء للملابسة . واللسان : اللغة ، أي : نزل بالقرآن ملابسا للغة عربية مبينة أي : كائنا القرآن بلغة عربية .

والمبين : الموضح الدلالة على المعاني التي يعنيها المتكلم فإن لغة العرب أفصح اللغات وأوسعها لاحتمال المعاني الدقيقة الشريفة مع الاختصار ، فإن ما في أساليب نظم كلام العرب من علامات الإعراب ، والتقديم والتأخير ، وغير ذلك ، والحقيقة والمجاز والكناية ، وما في سعة اللغة من الترادف ، وأسماء المعاني المقيدة ، وما فيها من المحسنات ، ما يلج بالمعاني إلى العقول سهلة متمكنة ، فقدر الله تعالى هذه اللغة أن تكون هي لغة كتابه الذي خاطب به كافة الناس فأنزل بادئ ذي بدء بين العرب أهل ذلك اللسان ومقاويل البيان ثم جعل منهم حملته إلى الأمم تترجم معانيه فصاحتهم وبيانهم ، ويتلقى أساليبه الشادون منهم وولدانهم ، حين أصبحوا أمة واحدة يقوم باتحاد الدين واللغة كيانهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث