الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء

والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الأخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا

عطف على الجملة قبلها ، لشدة المناسبة ، وللاتحاد في الحكم وهو التربص ، إذ كلاهما انتظار لأجل المراجعة ، ولذلك لم يقدم قوله الطلاق مرتان على قوله والمطلقات يتربصن لأن هذه الآي جاءت متناسقة ، منتظمة على حسب مناسبات الانتقال على عادة القرآن في إبداع الأحكام ، وإلقائها ، بأسلوب سهل لا تسأم له النفس ، ولا يجيء على صورة التعليم والدرس . وسيأتي كلامنا على الطلاق عند قوله تعالى الطلاق مرتان .

وجملة والمطلقات يتربصن خبرية مراد بها الأمر ، فالخبر مستعمل في الإنشاء وهو مجاز فيجوز جعله مجازا مرسلا مركبا ، باستعمال الخبر في لازم معناه ، وهو التقرر والحصول . وهو الوجه الذي اختاره التفتازاني في قوله تعالى أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار بأن يكون الخبر مستعملا في المعنى المركب الإنشائي ، بعلاقة اللزوم بين الأمر ، مثلا كما هنا ، وبين الامتثال ، حتى يقدر المأمور فاعلا فيخبر عنه . ويجوز جعله مجازا تمثيليا ، كما اختاره الزمخشري في هذه الآية إذ قال : فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجودا ونحوه قولهم في الدعاء : رحمه الله ثقة بالاستجابة . قال التفتازاني : فهو [ ص: 389 ] تشبيه ما هو مطلوب الوقوع بما هو محقق الوقوع في الماضي كما في قول الناس : رحمه الله ، أو في المستقبل ، أو الحال ، كما في هذه الآية . قلت : وقد تقدم في قوله تعالى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وأنه أطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة .

والتعريف في المطلقات تعريف الجنس . وهو مفيد للاستغراق ، إذ لا يصلح لغيره هنا . وهو عام في المطلقات ذوات القروء بقرينة قوله يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ، إذ لا يتصور ذلك في غيرهن . فالآية عامة في المطلقات ذوات القروء ، وليس هذا بعام مخصوص في هذه ، بمتصل ولا بمنفصل ، ولا مراد به الخصوص ، بل هو عام في الجنس الموصوف بالصفة المقدرة التي هي من دلالة الاقتضاء . فالآية عامة في المطلقات ذوات القروء . وهي مخصصة بالحرائر دون الإماء ، فأخرجت الإماء ، بما ثبت في السنة : أن عدة الأمة حيضتان ، رواه أبو داود والترمذي . فهي شاملة لجنس المطلقات ذوات القروء ، ولا علاقة لها بغيرهن من المطلقات ، مثل المطلقات اللاتي لسن من ذوات القروء ، وهن النساء اللاتي لم يبلغن سن المحيض ، والآيسات من المحيض ، والحوامل ، وقد بين حكمهن في سورة الطلاق . إلا أنها يخرج عن دلالتها المطلقات قبل البناء من ذوات القروء ، فهن مخصوصات من هذا العموم بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فهي في ذلك عام مخصوص بمخصص منفصل . وقال المالكية والشافعية : إنها عام مخصوص منه الأصناف الأربعة ، بمخصصات منفصلة ، وفيه نظر فيما عدا المطلقة قبل البناء . وهي عند الحنفية عام أريد به الخصوص بقرينة ، أي بقرينة دلالة الأحكام الثابتة لتلك الأصناف . وإنما لجئوا إلى ذلك لأنهم يرون المخصص المنفصل ناسخا ، وشرط النسخ تقرر المنسوخ ، ولم يثبت وقوع الاعتداد في الإسلام بالإقراء لكل المطلقات .

والحق أن دعوى كون المخصص المنفصل ناسخا ، أصل غير جدير بالتأصيل ; لأن تخصيص العام هو وروده مخرجا منه بعض الأفراد بدليل ، فإن مجيء العمومات بعد الخصوصات كثير ، ولا يمكن فيه القول بنسخ العام للخاص ، لظهور بطلانه ، ولا بنسخ الخاص للعام ، لظهور سبقه ، والناسخ لا يسبق ; وبعد ، فمهما لم يقع عمل بالعموم ، فالتخصيص ليس بنسخ .

[ ص: 390 ] و يتربصن بأنفسهن أي يتلبثن وينتظرن مرور ثلاثة قروء ، وزيد بأنفسهن تعريضا بهن ، بإظهار حالهن في مظهر المستعجلات ، الراميات بأنفسهن إلى التزوج ، فلذلك أمرن أن يتربصن بأنفسهن ، أي يمسكنهن ولا يرسلنهن إلى رجال . قال في الكشاف : ففي ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث ; لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن . وقد زعم بعض النحاة : أن بأنفسهن تأكيد لضمير المطلقات ، وأن الباء زائدة ، ومن هنالك قال بزيادة الباء في التوكيد المعنوي . ذكره صاحب المغني ، ورده ، من جهة اللفظ ، بأن : حق توكيد الضمير المتصل ، أن يكون بعد ذكر الضمير المنفصل أو بفاصل آخر ، إلا أن يقال : اكتفى بحرف الجر ; ومن جهة المعنى ، بأن التوكيد لا داعي إليه ; إذ لا يذهب عقل السامع إلى أن المأمور غير المطلقات الذي هو المبتدأ ، الذي تضمن الضمير خبره .

وانتصب ثلاثة قروء على النيابة عن المفعول فيه ; لأن الكلام على تقدير مضاف ; أي مدة ثلاثة قروء ، فلما حذف المضاف خلفه المضاف إليه في الإعراب .

والقروء جمع قرء - بفتح القاف وضمها وهو مشترك للحيض والطهر . وقال أبو عبيدة : إنه موضوع للانتقال من الطهر إلى الحيض ، أو من الحيض إلى الطهر ، فلذلك إذا أطلق على الطهر أو على الحيض كان إطلاقا على أحد طرفيه . وتبعه الراغب . ولعلهما أرادا بذلك وجه إطلاقه على الضدين . وأحسب أن أشهر معاني القرء ، عند العرب ، هو الطهر ، ولذلك ورد في حديث عمر ، أن ابنه عبد الله ، لما طلق امرأته في الحيض ، سأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . وما سؤاله إلا من أجل أنهم كانوا لا يطلقون إلا في حال الطهر ليكون الطهر الذي وقع فيه الطلاق مبدأ الاعتداد وكون الطهر الذي طلقت فيه هو مبدأ الاعتداد هو قول جميع الفقهاء ما عدا ابن شهاب فإنه قال : يلغى الطهر الذي وقع فيه الطلاق .

واختلف العلماء في المراد من القروء ، في هذه الآية ، والذي عليه فقهاء المدينة ، وجمهور أهل الأثر ، أن القرء : هو الطهر . وهذا قول عائشة ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر ، وجماعة من الصحابة ، من فقهاء المدينة ، ومالك ، والشافعي ، في أوضح كلاميه ، وابن حنبل . والمراد به الطهر الواقع بين دمين . وقال علي ، وعمر ، وابن مسعود ، وأبو حنيفة ، والثوري وابن أبي ليلى ، وجماعة : إنه الحيض . وعن الشافعي ، في أحد قوليه ، أنه الطهر المنتقل منه إلى الحيض ، [ ص: 391 ] وهو وفاق لما فسر به أبو عبيدة ، وليس هو بمخالف لقول الجمهور : إن القرء : الطهر ، فلا وجه لعده قولا ثالثا .

ومرجع النظر عندي ، في هذا ، إلى الجمع بين مقصدي الشارع من العدة . وذلك أن العدة قصد منها تحقق براءة رحم المطلقة ، من حمل المطلق ، وانتظار الزوج لعله أن يرجع . فبراءة الرحم تحصل بحيضة أو طهر واحد ، وما زاد عليه تمديد في المدة انتظارا للرجعة . فالحيضة الواحدة قد جعلت علامة على براءة الرحم ، في استبراء الأمة في انتقال الملك ، وفي السبايا ، وفي أحوال أخرى ، مختلفا في بعضها بين الفقهاء ، فتعين أن ما زاد على حيض واحد ، ليس لتحقق عدم الحمل ، بل لأن في تلك المدة رفقا بالمطلق ، ومشقة على المطلقة ، فتعارض المقصدان ، وقد رجح حق المطلق في انتظاره أمدا بعد حصول الحيضة الأولى وانتهائها ، وحصول الطهر بعدها . فالذين جعلوا القروء أطهارا راعوا التخفيف عن المرأة ، مع حصول الإمهال للزوج ، واعتضدوا بالأثر .

والذين جعلوا القروء حيضات ، زادوا للمطلق إمهالا ; لأن الطلاق لا يكون إلا في طهر عند الجميع ، كما ورد في حديث عمر بن الخطاب في الصحيح ، واتفقوا على أن الطهر الذي وقع الطلاق فيه معدود في الثلاثة القروء .

وقروء صيغة جمع الكثرة ، استعمل في الثلاثة ، وهي قلة توسعا ، على عاداتهم في الجموع أنها تتناوب ، فأوثر في الآية الأخف مع أمن اللبس ، بوجوب صريح العدد . وبانتهاء القروء الثلاثة تنقضي مدة العدة ، وتبين المطلقة الرجعية من مفارقها ، وذلك حين ينقضي الطهر الثالث وتدخل في الحيضة الرابعة ، قال الجمهور : إذا رأت أول نقطة الحيضة الثالثة خرجت من العدة ، بعد تحقق أنه دم حيض .

ومن أغرب الاستدلال لكون القرء الطهر . الاستدلال بتأنيث اسم العدد في قوله تعالى ثلاثة قروء قالوا : والطهر مذكر فلذلك ذكر معه لفظ الثلاثة ، ولو كان القرء الحيضة والحيض مؤنث ، قال ثلاث قروء ، حكاه ابن العربي في الأحكام ، عن علمائنا ، يعني المالكية ولم يتعقبه وهو استدلال غير ناهض ; فإن المنظور إليه ، في التذكير والتأنيث ، إما المسمى إذا كان التذكير والتأنيث حقيقيا ، وإلا فهو حال الاسم من الاقتران بعلامة التأنيث اللفظي ، أو إجراء الاسم على اعتبار تأنيث مقدر مثل اسم البئر ، وأما هذا الاستدلال فقد لبس حكم اللفظ بحكم أحد مرادفيه .

[ ص: 392 ] وقوله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إخبار عن انتفاء إباحة الكتمان ، وذلك مقتضى الإعلام بأن كتمانهن منهي عنه محرم . فهو خبر عن التشريع ، فهو إعلام لهن بذلك ، وما خلق الله في أرحامهن هو الدم ومعناه كتم الخبر عنه لا كتمان ذاته ، كقول النابغة

كتمتك ليلا بالجمومين ساهرا

أي كتمتك حال ليل .

و ما خلق الله في أرحامهن موصول ، فيجوز حمله على العهد : أي ما خلق من الحيض بقرينة السياق . ويجوز حمله على معنى المعرف بلام الجنس فيعم الحيض والحمل ، وهو الظاهر وهو من العام الوارد على سبب خاص ; لأن اللفظ العام الوارد في القرآن عقب ذكر بعض أفراده ، قد ألحقوه بالعام الوارد على سبب خاص ، فأما من يقصر لفظ العموم في مثله على خصوص ما ذكر قبله ، فيكون إلحاق الحوامل بطريق القياس ، لأن الحكم نيط بكتمان ما خلق الله في أرحامهن . وهذا محمل اختلاف المفسرين ، فقال عكرمة ، والزهري ، والنخعي : ما خلق الله في أرحامهن : الحيض ، وقال ابن عباس وعمر : الحمل ، وقال مجاهد : الحمل والحيض ، وهو أظهر ، وقال قتادة : كانت عادة نساء الجاهلية أن يكتمن الحمل ، ليلحق الولد بالزوج الجديد أي لئلا يبقى بين المطلقة ومطلقها صلة ولا تنازع في الأولاد وفي ذلك نزلت ، وهذا يقتضي أن العدة لم تكن موجودة فيهم ، وأما مع مشروعية العدة ، فلا يتصور كتمان الحمل ; لأن الحمل لا يكون إلا مع انقطاع الحيض ، وإذ مضت مدة الأقراء تبين أن الحمل من الزوج الجديد .

وقوله إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر شرط أريد به التهديد دون التقييد ، فهو مستعمل في معنى غير معنى التقييد ، على طريقة المجاز المرسل التمثيلي ، كما يستعمل الخبر في التحسر ، والتهديد ، لأنه لا معنى لتقييد نفي الحمل بكونهن مؤمنات ، وإن كان كذلك في نفس الأمر ، لأن الكوافر لا يمتثلن لحكم الحلال والحرام الإسلامي ، وإنما المعنى أنهن إن كتمن ، فهن لا يؤمن بالله واليوم الآخر ; إذ ليس من شأن المؤمنات هذا الكتمان . وجيء في هذا الشرط بإن ، لأنها أصل أدوات الشرط ، ما لم يكن هنالك مقصد لتحقيق حصول الشرط فيؤتى بإذا ، فإذا كان الشرط مفروضا ، فرضا لا قصد لتحقيقه ولا لعدمه ، جيء بإن . وليس لإن هنا ، شيء من معنى الشك في حصول الشرط ، ولا تنزيل إيمانهن ، المحقق ، منزلة المشكوك ، لأنه لا يستقيم ، خلافا لما قرره عبد الحكيم .

[ ص: 393 ] والمراد بالإيمان بالله واليوم الآخر ، الإيمان الكامل ، وهو الإيمان بما جاء به دين الإسلام ، فليس إيمان أهل الكتاب ، بالله واليوم الآخر ، بمراد هنا ; إذ لا معنى لربط نفي الحمل في الإسلام بثبوت إيمان أهل الكتاب .

وليس في الآية دليل على تصديق النساء ، في دعوى الحمل والحيض ، كما يجري على ألسنة كثير من الفقهاء ، فلا بد من مراعاة أن يكون قولهن مشبها ، ومتى ارتيب في صدقهن ، وجب المصير إلى ما هو المحقق ، وإلى قول الأطباء والعارفين . ولذلك قال مالك : لو ادعت ذات القروء انقضاء عدتها ، في مدة شهر من يوم الطلاق ، لم تصدق ، ولا تصدق في أقل من خمسة وأربعين يوما ، مع يمينها وقال عبد الملك : خمسون يوما ، وقال ابن العربي : لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر ، لأنه الغالب في المدة التي تحصل فيها ثلاثة قروء ، وجرى به عمل تونس ، كما نقله ابن ناجي ، وعمل فاس ، كما نقله السجلماسي . وفي الآية دلالة على أن المطلقة الكتابية لا تصدق في قولها : إنها انقضت عدتها .

وقوله وبعولتهن . البعولة جمع بعل ، والبعل اسم زوج المرأة . وأصل البعل في كلامهم ، السيد . وهو كلمة سامية قديمة ، فقد سمى الكنعانيون " الفينيقيون " معبودهم بعلا قال تعالى أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين وسمي به الزوج لأنه ملك أمر عصمة زوجه ، ولأن الزوج كان يعتبر مالكا للمرأة ، وسيدا لها ، فكان حقيقا بهذا الاسم ، ثم لما ارتقى نظام العائلة من عهد إبراهيم عليه السلام ، فما بعده من الشرائع ، أخذ معنى الملك في الزوجية يضعف ، فأطلق العرب لفظ الزوج على كل من الرجل والمرأة ، اللذين بينهما عصمة نكاح ، وهو إطلاق عادل ; لأن الزوج هو الذي يثني الفرد ، فصارا سواء في الاسم ، وقد عبر القرآن بهذا الاسم ، في أغلب المواضع ، غير التي حكى فيها أحوال الأمم الماضية كقوله وهذا بعلي شيخا ، وغير المواضع التي أشار فيها إلى التذكير بما للزوج من سيادة ، نحو قوله تعالى وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا وهاته الآية كذلك ، لأنه لما جعل حق الرجعة للرجل جبرا على المرأة ، ذكر المرأة بأنه بعلها قديما ، وقيل : البعل : الذكر ، وتسمية المعبود بعلا لأنه رمز إلى قوة الذكورة ، ولذلك سمي الشجر الذي لا يسقى بعلا ، وجاء جمعه على وزن فعولة ، وأصله فعول المطرد في جمع فعل ، لكنه زيدت فيه الهاء لتوهم معنى الجماعة فيه ، ونظير قولهم : فحولة وذكورة وكعوبة وسهولة ، جمع السهل ، [ ص: 394 ] ضد الجبل ، وزيادة الهاء في مثله سماعي ; لأنها لا تؤذن بمعنى ، غير تأكيد معنى الجمعية بالدلالة على الجماعة .

وضمير بعولتهن ، عائد إلى المطلقات قبله ، وهن المطلقات الرجعيات ، كما تقدم ، فقد سماهن الله تعالى مطلقات لأن أزواجهن أنشئوا طلاقهن ، وأطلق اسم البعولة على المطلقين ، فاقتضى ظاهره أنهم أزواج للمطلقات ، إلا أن صدور الطلاق منهم إنشاء لفك العصمة التي كانت بينهم ، وإنما جعل الله مدة العدة توسعة على المطلقين ، عسى أن تحدث لهم ندامة ورغبة في مراجعة أزواجهم ; لقوله تعالى لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ، أي أمر المراجعة ، وذلك شبيه بما أجرته الشريعة في الإيلاء ، فللمطلقين ، بحسب هذه الحالة ، حالة وسط بين حالة الأزواج وحالة الأجانب ، وعلى اعتبار هذه الحالة الوسط أوقع عليهم اسم البعولة هنا ، وهو مجاز قرينته واضحة ، وعلاقته اعتبار ما كان ، مثل إطلاق اليتامى في قوله تعالى وآتوا اليتامى أموالهم .

وقد حمله الجمهور على المجاز ; فإنهم اعتبروا المطلقة طلاقا رجعيا امرأة أجنبية عن المطلق ، بحسب الطلاق ، ولكن لما كان للمطلق حق المراجعة ، ما دامت المرأة في العدة ، ولو بدون رضاها ، وجب إعمال مقتضى الحالتين ، وهذا قول مالك والشافعي . قال مالك : لا يجوز للمطلق أن يستمتع بمطلقته الرجعية ، ولا أن يدخل عليها بدون إذن ، ولو وطئها بدون قصد مراجعة أثم ، ولكن لا حد عليه للشبهة ، ووجب استبراؤها من الماء الفاسد ، ولو كانت رابعة لم يكن له تزوج امرأة أخرى ، ما دامت تلك العدة .

وإنما وجبت لها النفقة لأنها محبوسة لانتظار مراجعته ، ويشكل على قولهم أن عثمان قضى لها بالميراث إذا مات مطلقها وهي في العدة ; قضى بذلك في امرأة عبد الرحمن بن عوف ، بموافقة علي ، رواه في الموطأ ، فيدفع الإشكال بأن انقضاء العدة شرط في إنفاذ الطلاق ، وإنفاذ الطلاق مانع من الميراث ، فما لم تنقض العدة ، فالطلاق متردد بين الإعمال والإلغاء ، فصار ذلك شكا في مانع الإرث ، والشك في المانع يبطل إعماله .

وحمل أبو حنيفة ، والليث بن سعد ، البعولة على الحقيقة ، فقالا الزوجية مستمرة بين المطلق الرجعي ومطلقته ; لأن الله سماهم بعولة وسوغا دخول المطلق عليها ، ولو وطئها فذلك ارتجاع عند أبي حنيفة . وقال به الأوزاعي ، والثوري ، وابن أبي ليلى ، ونسب إلى [ ص: 395 ] سعيد بن المسيب ، والحسن ، والزهري ، وابن سيرين ، وعطاء ، وبعض أصحاب مالك . وأحسب أن هؤلاء قائلون ببقاء الزوجية بين المطلق ومطلقته الرجعية .

( وأحق ) قيل : هو بمعنى اسم الفاعل مسلوب المفاضلة ، أتى به لإفادة قوة حقهم ، وذلك مما يستعمل فيه صيغة أفعل ، كقوله تعالى : ولذكر الله أكبر لا سيما إن لم يذكر بعدها مفضل عليه بحرف من ، وقيل : هو تفضيل على بابه ، والمفضل عليه محذوف ، أشار إليه في الكشاف ، وقرره التفتازاني بما تحصيله وتبيينه : أن التفضيل بين صنفي حق مختلفين باختلاف المتعلق : هما حق الزوج في الرجعة إن رغب فيها ، وحق المرأة في الامتناع من المراجعة إن أبتها ، فصار المعنى : وبعولتهن أحق برد المطلقات ، من حق المطلقات بالامتناع وقد نسج التركيب على طريقة الإيجاز .

وقوله في ذلك الإشارة بقوله ذلك إلى التربص ، بمعنى مدته ، أي للبعولة حق الإرجاع في مدة القروء الثلاثة ، أي لا بعد ذلك . كما هو مفهوم القيد . هذا تقرير معنى الآية ، على أنها جاءت لتشريع حكم المراجعة في الطلاق ما دامت العدة ، وعندي أن هذا ليس مجرد تشريع للمراجعة ، بل الآية جامعة لأمرين : حكم المراجعة ، وتحضيض المطلقين على مراجعة المطلقات ، وذلك أن المتفارقين . لا بد أن يكون لأحدهما ، أو لكليهما ، رغبة في الرجوع ، فالله يعلم الرجال بأنهم أولى بأن يرغبوا في مراجعة النساء ، وأن يصفحوا عن الأسباب التي أوجبت الطلاق لأن الرجل هو مظنة البصيرة والاحتمال ، والمرأة أهل الغضب والإباء .

والرد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى حتى يردوكم عن دينكم والمراد به هنا الرجوع إلى المعاشرة ، وهو المراجعة ، وتسمية المراجعة ردا يرجح أن الطلاق قد اعتبر في الشرع قطعا لعصمة النكاح ، فهو إطلاق حقيقي على قول مالك ، وأما أبو حنيفة ومن وافقوه فتأولوا التعبير بالرد : بأن العصمة في مدة العدة سائرة في سبيل الزوال عند انقضاء العدة ، فسميت المراجعة ردا عن هذا السبيل الذي أخذت في سلوكه وهو رد مجازي .

وقوله إن أرادوا إصلاحا ، شرط قصد به الحث على إرادة الإصلاح ، وليس هو للتقيد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث