الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب .

لا ريب في أن هذه الجمل الثلاث متصلة بالمقول الصادر من جانب الله تعالى ، سواء كان مجموع الجملتين السابقتين مقولا واحدا أم كانت الثانية منهما من مقول أهل المحشر .

وترتيب هذه الجمل الخمس هو أنه لما تقرر أن الملك لله وحده في ذلك اليوم بمجموع الجملتين السابقتين ، عددت آثار التصرف بذلك الملك وهي الحكم على العباد بنتائج أعمالهم وأنه حكم عادل لا يشوبه ظلم ، وأنه عاجل لا يبطئ لأن الله لا يشغله عن إقامة الحق شاغل ولا هو بحاجة إلى التدبر والتأمل في طرق قضائه ، وعلى هذه النتائج جاء ترتيب اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ثم [ ص: 112 ] لا ظلم اليوم ، ثم إن الله سريع الحساب ، وأما مواقع هاته الجمل الثلاث فإن جملة ( اليوم تجزى ) إلخ واقعة موقع البيان لما في جملة ( لمن الملك اليوم ) وجوابها من إجمال ، وجملة لا ظلم اليوم واقعة موقع بدل الاشتمال من جملة اليوم تجزى كل نفس بما كسبت أي جزاء عادلا لا ظلم فيه ، أي ليس فيه أقل شوب من الظلم حسبما اقتضاه وقوع النكرة بعد لا النافية للجنس .

وتعريف ( اليوم ) في قوله اليوم تجزى كل نفس وقوله لا ظلم اليوم نظير تعريف لمن الملك اليوم ، وجملة إن الله سريع الحساب واقعة موقع التعليل لوقوع الجزاء في ذلك اليوم ولانتفاء الظلم عن ذلك الجزاء . وتأخيرها عن تينك الجملتين مشير إلى أنها علة لهما ، فحرف التوكيد واقع موقع فاء السببية كما هو شأن ( إن ) إذا جاءت في غير مقام رد الإنكار ، فسرعة الحساب تقتضي سرعة الحكم . وسرعة الحكم تقتضي تملؤ الحاكم من العلم بالحق ، ومن تقدير جزاء كل عامل على عمله دون تردد ولا بحث لأن الحاكم علام الغيوب ، فكان قوله ( سريع الحساب ) علة لجميع ما تقدمه في هذا الغرض . والمعنى أن الله محاسبهم حسابا سريعا لأنه سريع الحساب .

والحساب مصدر حاسب غيره إذا حسب له ما هو مطلوب بإعداده ، وفائدة ذلك تختلف فتارة يكون الحساب لقصد استحضار أشياء كيلا يضيع منها شيء ، وتارة يكون لقصد توقيف من يتعين توقيفه عليها ، وتارة يكون لقصد مجازاة كل شيء منها بعدله ، وهذا الأخير هو المراد هنا ولأجله سمي يوم الجزاء يوم الحساب ، وهو المراد في قوله تعالى إن حسابهم إلا على ربي ، والباء في قوله ( بما كسبت ) للسببية أي تجزى بسبب ما كسبت ، أي جزاء مناسبا لما كسبت ، أي عملت .

وفي الآية إيماء إلى أن تأخير القضاء بالحق بعد تبينه للقاضي بدون عذر ضرب من مضروب الجور لأن الحق إن كان حق العباد فتأخير الحكم لصاحب الحق إبقاء لحقه بيد غيره ، ففيه تعطيل انتفاعه بحقه برهة من الزمان وذلك ظلم ، ولعل صاحب الحق في حاجة إلى تعجيل حقه لنفع معطل أو لدفع ضر جاثم ، ولعله أن [ ص: 113 ] يهلك في مدة تأخير حقه فلا ينتفع به ، أو لعل الشيء المحكوم به يتلف بعارض أو قصد فلا يصل إليه صاحبه بعد .

وإن كان الحق حق الله كان تأخير القضاء فيه إقرارا للمنكر . في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا موسى على اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم معاذ على أبي موسى ألقى إليه أبو موسى وسادة وقال له : انزل ، وإذا رجل موثق عند أبي موسى ، قال معاذ : ما هذا ؟ قال : كان يهوديا فأسلم ثم تهود . قال معاذ : لا أجلس حتى يقتل ، قضاء الله ورسوله ، ثلاث مرات ، فأمر به أبو موسى فقتل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث