الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم

وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم .

عطف على جملة وما يلقاها إلا الذين صبروا ، فبعد أن أرشد إلى ما هو عون على تحصيل هذا الخلق المأمور به وهو دفع السيئة بالتي هي أحسن ، وبعد أن شرحت فائدة العمل بها بقوله فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم صرف العنان هنا إلى التحذير من عوائقها التي تجتمع كثرتها في حقيقة نزغ الشيطان ، فأمر بأنه إن وجد في نفسه خواطر تصرفه عن ذلك وتدعوه إلى دفع السيئة بمثلها فإن ذلك نزغ من الشيطان دواؤه أن تستعيذ بالله منه فقد ضمن الله له أن يعيذه إذا استعاذه لأنه أمره بذلك ، والخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - .

وفائدة هذه الاستعاذة تجديد داعية العصمة المركوزة في نفس النبيء - صلى الله عليه وسلم - لأن الاستعاذة بالله من الشيطان استمداد للعصمة وصقل لزكاء النفس مما قد يقترب منها من الكدرات . وهذا سر من الاتصال بين النبيء - صلى الله عليه وسلم - وربه وقد أشار إليه قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ، فبذلك تسلم نفسه من أن يغشاها شيء من الكدرات ويلحق به في ذلك صالحو المؤمنين .

وفي الحديث القدسي عند الترمذي ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه .

ثم يلتحق بذلك بقية المؤمنين على تفاوتهم كما دل عليه حديث ابن مسعود عند [ ص: 297 ] الترمذي قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة ، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ، ومن وجد الأخرى فليستعذ بالله من الشيطان .

والنزغ : النخس ، وحقيقته : مس شديد للجلد بطرف عود أو إصبع ، فهو مصدر ، وهو هنا مستعار لاتصال القوة الشيطانية بخواطر الإنسان تأمره بالشر وتصرفه عن الخير ، وتقدم في قوله تعالى وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم في سورة الأعراف وإسناد ينزغنك إلى ( نزغ ) مجاز عقلي من باب : جد جده ، ومن ابتدائية .

ويجوز أن يكون المراد بالنزغ هنا : النازغ ، وهو الشيطان ، وصف بالمصدر للمبالغة ، ومن بيانية ، أي ينزغنك النازغ الذي هو الشيطان . والمبالغة حاصلة على التقديرين مع اختلاف جهتها .

وجيء في هذا الشرط بـ إن التي الأصل فيها عدم الجزم بوقوع الشرط ترفيعا لقدر النبيء - صلى الله عليه وسلم - فإن نزغ الشيطان له إنما يفرض كما يفرض المحال ، ألا ترى إلى قوله تعالى إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون فجاء في ذلك الشرط بحرف إذا التي الأصل فيها الجزم بوقوع الشرط أو بغلبة وقوعه .

وما زائدة بعد حرف الشرط لتوكيد الربط بين الشرط وجوابه وليست لتحقيق حصول الشرط فإنها تزداد كثيرا بعد إن دون أن تكون دالة على الجزم بوقوع فعل الشرط .

وضمير الفصل في قوله إنه هو السميع العليم لتقوية الحكم وهو هنا حكم كنائي لأن المقصود لازم وصف السميع العليم وهو مؤاخذة من تصدر منهم أقوال وأعمال في أذى النبيء - صلى الله عليه وسلم - والكيد له ممن أمر بأن يدفع سيئاتهم بالتي هي أحسن .

والمعنى : فإن سول لك الشيطان أن لا تعامل أعداءك بالحسنة وزين لك الانتقام وقال لك : كيف تحسن إلى أعداء الدين ، وفي الانتقام منهم قطع [ ص: 298 ] كيدهم للدين ، فلا تأخذ بنزغه وخذ بما أمرناك واستعذ بالله من أن يزلك الشيطان فإن الله لا يخفى عليه أمر أعدائك وهو يتولى جزاءهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث