الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة

[ ص: 97 ] ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير

لما كان إنزال الغيث جامعا بين كونه نعمة وكونه آية دالة على بديع صنع الله تعالى وعظيم قدرته المقتضية انفراده بالإلهية - انتقل من ذكره إلى ذكر آيات دالة على انفراد الله تعالى بالإلهية وهي آية خلق العوالم العظيمة وما فيها مما هو مشاهد للناس دون قصد الامتنان . وهذا الانتقال استطراد واعتراض بين الأغراض التي سياق الآيات فيها .

والآيات : جمع آية ، وهي العلامة والدليل على شيء . والسياق دال على أن المراد آيات الإلهية . والسماوات : العوالم العليا غير المشاهدة لنا والكواكب وما تجاوز الأرض من الجو . والأرض : الكرة التي عليها الحيوان والنبات . والبث : وضع الأشياء في أمكنة كثيرة .

والدابة : ما يدب على الأرض ، أي يمشي فيشمل الطير لأن الطير يمشي إذا نزل وهو مما أريد في قوله هنا فيهما أي في الأرض وفي السماء ، أي بعض ما يسمى بالسماء وهو الجو وهو ما يلوح للناظر مثل قبة زرقاء على الأرض في النهار ، قال تعالى : ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء فإطلاق الدابة على الطير باعتبار أن الطير يدب على الأرض كثيرا لالتقاط الحب وغير ذلك .

وأما الموجودات التي في السماوات العلا من الملائكة والأرواح فلا يطلق عليها اسم دابة . ويجوز أن تكون في بعض السماوات موجودات تدب فيها فإن الكواكب من السماوات . والعلماء يترددون في إثبات سكان في الكواكب ، وجوز بعض العلماء المتأخرين أن في كوكب المريخ سكانا ، وقال تعالى : ويخلق ما لا تعلمون ، على أنه قد يكون المراد من الظرفية في قوله فيهما ظرفية المجموع لا الجميع ، أي ما بث في مجموع الأرض والسماء من دابة ، فالدابة إنما هي على الأرض ، ولما ذكرت الأرض والسماء مقترنتين وجاء ذكر الدواب جعلت الدواب مظروفة فيهما لأن الأرض محوطة بالسماوات ومتخيلة منها كالمظروف في ظرفه ، والمظروف في ظرف مظروف في ظرف مظروفه كما قال تعالى : مرج البحرين يلتقيان ثم قال : [ ص: 98 ] يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان واللؤلؤ والمرجان يخرجان من أحد البحرين وهو البحر الملح لا من البحر العذب .

وجملة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ، معترضة في جملة الاعتراض لإدماج إمكان البعث في عرض الاستدلال على عظيم قدرة الله وعلى تفرده بالإلهية .

والمعنى : أن القادر على خلق السماوات والأرض وما فيهما عن عدم قادر على إعادة خلق بعض ما فيهما للبعث والجزاء لأن ذلك كله سواء في جواز تعلق القدرة به فكيف تعدونه محالا .

وضمير الجماعة في قوله : ( جمعهم ) عائد إلى ما بث فيهما من دابة باعتبار أن الذي تتعلق الإرادة بجمعه في الحشر للجزاء هم العقلاء من الدواب أي الإنس .

والمراد بـ ( جمعهم ) حشرهم للجزاء ، قال تعالى : يوم يجمعكم ليوم الجمع .

وقد ورد في أحاديث في الصحيح أن بعض الدواب تحشر للانتصاف ممن ظلمها . و ( إذا ) ظرف للمستقبل وهو هنا مجرد عن تضمن الشرطية ، فالتقدير : حين يشاء في مستقبل الزمان ، وهو متعلق بـ ( جمعهم ) . وهذا الظرف إدماج ثان لإبطال استدلالهم بتأخر يوم البعث على أنه لا يقع كما حكي عنهم في قوله تعالى : ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث