الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين .

هذا إبطال ونقض لكيد المنافقين حين قالوا لا تنفقوا على من عند رسول الله ، وهو يعم الإنفاق على الملتفين حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والإنفاق على غيرهم فكانت الجملة كالتذييل .

وفعل ( أنفقوا ) مستعمل في الطلب الشامل للواجب والمستحب فإن مدلول صيغة : افعل ، مطلق الطلب ، وهو القدر المشترك بين الوجوب والندب .

وفي قوله ( مما رزقناكم ) إشارة إلى أن الإنفاق المأمور به شكر الله على ما رزق المنفق فإن الشكر صرف العبد ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله ، ويعرف ذلك من تلقاء الشريعة .

[ ص: 253 ] و ( من ) للتبعيض ، أي بعض ما رزقناكم ، وهذه توسعة من الله على عباده ، وهذا البعض منه هو معين المقدار مثل مقادير الزكاة وصدقة الفطر . ومنه ما يتعين بسد الخلة الواجب سدها مع طاقة المنفق كنفقات الحج والجهاد والرباط ونفقات العيال الواجبة ونفقات مصالح المسلمين الضرورية والحاجية ، ومنه ما يتعين بتعين سببه كالكفارات ، ومنه ما وكل للناس تعيينه مما ليس بواجب من الإنفاق ذلك موكول إلى رغبات الناس في نوال الثواب فإن ذلك باب عظيم من القربى من رضى الله تعالى ، وفي الحديث الصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار .

وقد ذكر الله المؤمنين بما في الإنفاق من الخير بأن عليهم أن يكثروا منه ما داموا مقتدرين قبل الفوت ، أي قبل تعذر الإنفاق والإتيان بالأعمال الصالحة ، وذلك حين يحس المرء بحالة تؤذن بقرب الموت ويغلب على قواه فيسأل الله أن يؤخر موته ويشفيه ليأتي بكثير مما فرط فيه من الحسنات طمعا أن يستجاب له فإن كان في أجله تأخير فلعل الله أن يستجيب له فإن لم يكن في الأجل تأخير أو لم يقدر الله له الاستجابة فإنه خير كثير .

و ( لولا ) حرف تحضيض ، والتحضيض الطلب الحثيث المضطر إليه ، ويستعمل ( لولا ) للعرض أيضا والتوبيخ والتنديم والتمني على المجاز أو الكناية ، وتقدم عند قوله تعالى فلولا كانت قرية آمنت في سورة يونس .

وحق الفعل بعدها أن يكون مضارعا وإنما جاء ماضيا هنا لتأكيد إيقاعه في دعاء الداعي حتى كأنه قد تحقق مثل أتى أمر الله وقرينة ذلك ترتيب فعلي فأصدق وأكن من الصالحين عليه .

والمعنى : فيسأل المؤمن ربه سؤالا حثيثا أن يحقق تأخير موته إلى أجل يستدرك فيه ما اشتغل عنه من إنفاق وعمل صالح .

ووصف الأجل ب قريب تمهيد لتحصيل الاستجابة بناء على متعارف الناس أن الأمر اليسير أرجى لأن يستجيبه المسئول فيغلب ذلك على شعورهم حين يسألون الله تنساق بذلك نفوسهم إلى ما عرفوا ، ولذلك ورد في الحديثلا يقولن أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت وليعزم المسألة فإنه لا مكره له . تنبيها على هذا التوهم فالقرآن حكى عن الناس ما هو الغالب على أقوالهم .

[ ص: 254 ] وانتصب فعل فأصدق على إضمار أن المصدرية إضمارا واجبا في جواب الطلب .

وأما قوله وأكن فقد اختلف فيه القراء .

فأما الجمهور فقرأوه مجزوما بسكون آخره على اعتباره جوابا للطلب مباشرة لعدم وجود فاء السببية فيه ، واعتبار الواو عاطفة جملة على جملة وليست عاطفة مفردا على مفرد . وذلك لقصد تضمين الكلام معنى الشرط زيادة على معنى التسبب فيغني الجزم عن فعل شرط . فتقديره : إن تؤخرني إلى أجل قريب أكن من الصالحين ، جمعا بين التسبب المفاد بالفاء والتعليق الشرطي المفاد بجزم الفعل .

وإذا قد كان الفعل الأول هو المؤثر في الفعلين الواقع أحدهما بعد فاء السببية والآخر بعد الواو العاطفة عليه . فقد أفاد الكلام التسبب والتعليق في كلا الفعلين وذلك يرجع إلى محسن الاحتباك . فكأنه قيل : لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكون من الصالحين . إن تؤخرني إلى أجل قريب أصدق وأكن من الصالحين .

ومن لطائف هذا الاستعمال أن هذا السائل بعد أن حث سؤاله أعقبه بأن الأمر ممكن فقال : إن تؤخرني إلى أجل قريب أصدق وأكن من الصالحين . وهو من بدائع الاستعمال القرآني لقصد الإيجاز وتوفير المعاني .

ووجه أبو علي الفارسي والزجاج قراءة الجمهور بجعل ( وأكن ) معطوفا على محل ( فأصدق ) . وقرأه أبو عمرو وحده من بين العشرة ( وأكون ) بالنصب والقراءة رواية متواترة وإن كانت مخالفة لرسم المصاحف المتواترة . وقيل : إنها يوافقها رسم مصحف أبي بن كعب ومصحف ابن مسعود .

وقرأ بذلك الحسن والأعمش وابن محيض من القراءات غير المشهورة . ورويت عن مالك بن دينار وابن جبير وأبي رجاء . و تلك أقل شهرة .

واعتذر أبو عمرو عن مخالفة قراءته للمصحف بأن الواو حذفت في الخط اختصارا يريد أنهم حذفوا صورة إشباع الضمة وهو الواو اعتمادا على نطق القارئ [ ص: 255 ] كما تحذف الألف اختصارا بكثرة في المصاحف . وقال القراء العرب : قد تسقط الواو في بعض الهجاء كما أسقطوا الألف من سليمان وأشباهه ، أي كما أسقطوا الواو الثانية من داوود وبكثرة يكتبونه داود . قال الفراء : ورأيت في مصاحف عبد الله فقولا ( فقلا ) بغير واو ، وكل هذا لا حاجة إليه لأن القرآن متلقى بالتواتر لا بهجاء المصاحف وإنما المصاحف معينة على حفظه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث