الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن

أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور ( أم ) منقطعة وهي للاضطراب الانتقالي من غرض إلى غرض فبعد استيفاء غرض إثبات الإلهية الحق لله تعالى بالوحدانية وتذكيرهم بأنهم مفتقرون إليه ، انتقل إلى إبطال أن يكون أحد يدفع عنهم العذاب الذي توعدهم الله به فوجه إليهم استفهام [ ص: 41 ] أن يدلوا على أحد من أصنامهم أو غيرها يقال فيه هذا هو الذي ينصر من دون الله ، فإنهم غير مستطيعين تعيين أحد لذلك إلا إذا سلكوا طريق البهتان وما هم بسالكيه في مثل هذا لافتضاح أمره .

وهذا الكلام ناشئ عن قوله أأمنتم من في السماء الآية ، فهو مثله معترض بين حجج الاستدلال .

و ( أم ) المنقطعة لا يفارقها معنى الاستفهام ، والأكثر أن يكون مقدارا فإذا صرح به كما هنا فأوضح ولا يتوهم أن الاستفهام يقدر بعدها ولو كان يليها استفهام مصرح به فيشكل اجتماع استفهامين .

والاستفهام مستعمل في التعجيز عن التعيين فيؤول إلى الانتفاء ، والإشارة مشار بها إلى مفهوم جند مفروض في الأذهان استحضر للمخاطبين ، فجعل كأنه حاضر في الخارج يشاهده المخاطبون ، فيطلب المتكلم منهم تعيين قبيلة بأن يقولوا : بنو فلان . ولما كان الاستفهام مستعملا في التعجيز استلزم ذلك أن هذا الجند المفروض غير كائن .

وقريب من ذلك قوله تعالى من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ونحوه .

و ( من ) في موضع مبتدإ واسم الإشارة خبر عن المبتدإ .

وكتب في المصحف ( أمن ) بميم واحدة بعد الهمزة وهما ميم ( أم ) وميم ( من ) المدغمتين بجعلهما كالكلمة الواحدة كما كتب عم يتساءلون بميم واحدة بعد العين ، ولا تقرأ إلا بميم مشددة ؛ إذ المعتبر في قراءة القرآن الرواية دون الكتابة وإنما يكتب القرآن للإعانة على مراجعته .

و الذي هو جند صفة لاسم الإشارة ، و ( لكم ) صفة ل ( جند ) و ( ينصركم ) جملة في موضع الحال من جند أو صفة ثانية ل ( جند ) .

ويجوز أن يكون اسم الإشارة مشارا به إلى جماعة الأصنام المعروفة عندهم الموضوعة في الكعبة وحولها الذي اتخذتموه جندا فمن هو حتى ينصركم من دون الله .

فتكون ( من ) استفهامية مستعملة في التحقير مثل قوله من فرعون في [ ص: 42 ] قراءة فتح ميم ( من ) ورفع فرعون ، أي من هذا الجند فإنه أحقر من أن يعرف ، واسم الإشارة صفة لاسم الاستفهام مبينة له ، و الذي هو جند لكم صفة لاسم الإشارة . وجملة ينصركم خبر عن اسم الاستفهام ، أي هو أقل من أن ينصركم من دون الرحمن . وجيء بالجملة الاسمية الذي هو جند لكم لدلالتها على الدوام والثبوت ؛ لأن الجند يكونوا على استعداد للنصر إذا دعي إليه سواء قاتل أم لم يقاتل ؛ لأن النصر يحتاج إلى استعداد وتهيؤ كما قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - : خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها أي هيعة جهاد .

فالمعنى : ينصركم عند احتياجكم إلى نصره ، فهذا وجه الجمع بين جملة هو جند لكم وجملة ينصركم ولم يستغن بالثانية عن الأولى .

ودون أصله ظرف للمكان الأسفل ضد ( فوق ) ، ويطلق على المغاير فيكون بمعنى غير على طريقة المجاز المرسل .

فقوله من دون الرحمن يجوز أن يكون ظرفا مستقرا في موضع الحال من الضمير المستتر في ينصركم . أي حالة كون الناصر من جانب غير جانب الله ، أي من مستطيع غير الله يدفع عنكم السوء على نحو قوله تعالى أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا فتكون ( من ) زائدة مؤكدة للظرف وهي تزاد مع الظروف غير المتصرفة ، ولا تجر تلك الظروف بغير ( من ) ، قال الحريري في المقامة الرابعة والعشرين : " وما منصوب على الظرف لا يخفضه سوى حرف " وفسره بظرف " عند " ولا خصوصية لـ " عند " بل ذلك في جميع الظروف غير المتصرفة .

وتكرير وصف الرحمن عقب الآية السابقة للوجه الذي ذكرنا في إيثار هذا الوصف في الآية السابقة .

وذيل هذا الاعتراض بقوله إن الكافرون إلا في غرور ، أي ذلك شأن الكافرين كلهم وهم أهل الشرك من المخاطبين وغيرهم ، أي في غرور من الغفلة عن توقع بأس الله تعالى ، أو في غرور من اعتمادهم على الأصنام كما غر الأمم السالفة دينهم بأن الأوثان تنفعهم وتدفع عنهم العذاب فلم يجدوا ذلك منهم وقت الحاجة فكذلك سيقع لأمثالهم قال تعالى وللكافرين أمثالها وقال أكفاركم خير من أولئكم فتعريف ( الكافرون ) للاستغراق . وليس المراد به كافرون معهودون حتى يكون من وضع المظهر موضع الضمير .

[ ص: 43 ] والغرور : ظن النفس وقوع أمر نافع لها بمخائل تتوهمها ، وهو بخلاف ذلك أو هو غير واقع .

وتقدم في قوله تعالى لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد في آخر آل عمران وقوله يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا في الأنعام وقوله فلا تغرنكم الحياة الدنيا في سورة فاطر .

والظرفية مجازية مستعملة في شدة التلبس بالغرور حتى كأن الغرور محيط بهم إحاطة الظرف .

والمعنى : ما الكافرون في حال من الأحوال إلا في حال الغرور ، وهذا قصر إضافي لقلب اعتقادهم أنهم في مأمن من الكوارث بحماية آلهتهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث