الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى علم أن سيكون منكم مرضى

[ ص: 285 ] علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا هذه الجملة بدل اشتمال من جملة علم أن لن تحصوه ، وهذا تخفيف آخر لأجل أحوال أخرى اقتضت التخفيف .

وهذه حكمة أخرى لنسخ تحديد الوقت في قيام الليل وهي مراعاة أحوال طرأت على المسلمين من ضروب ما تدعو إليه حالة الجماعة الإسلامية . وذكر من ذلك ثلاثة أضرب هي أصول الأعذار :

الضرب الأول : أعذار اختلال الصحة وقد شملها قوله أن سيكون منكم مرضى .

الضرب الثاني : الأشغال التي تدعو إليها ضرورة العيش في تجارة وصناعة وحراثة وغير ذلك ، وقد أشار إليها قوله وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله . وفضل الله هو الرزق .

الضرب الثالث : أعمال لمصالح الأمة وأشار إليه قوله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ودخل في ذلك حراسة الثغور والرباط بها ، وتدبير الجيوش ، وما يرجع إلى نشر دعوة الإسلام من إيفاد الوفود وبعث السفراء . وهذا كله من شئون الأمة على الإجمال فيدخل في بعضها النبيء - صلى الله عليه وسلم - كما في القتال في سبيل الله ، والمرض ، ففي الحديث اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يقم ليلة أو ليلتين .

وإذا كانت هذه الآية مما نزل بمكة ففيها بشارة بأن أمر المسلمين صائر إلى استقلال وقترة على أعدائهم فيقاتلون في سبيل الله وإن كانت مدنية فهو عذر لهم بما ابتدءوا فيه من السرايا والغزوات .

وقد كان بعض الصحابة يتأول من هذه الآية فضيلة التجارة والسفر للتجر حيث سوى الله بين المجاهدين والمكتسبين المال الحلال ، يعني أن الله ما ذكر [ ص: 286 ] هذين السببين لنسخ تحديد القيام إلا تنويها بهما ؛ لأن في غيرهما من الأعذار ما هو أشبه بالمرض ، ودقائق القرآن ولطائفه لا تنحصر .

روي عن ابن مسعود أنه قال : أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين محتسبا فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء ، وقرأ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله .

وعن ابن عمر " ما خلق الله موتة بعد الموت في سبيل الله أحب إلي من أن أموت بين شعبتي رحلي أبتغي من فضل الله ضاربا في الأرض " .

فإذا كانت هذه الآية مما نزل بمكة ففيها بشارة بأن أمر المسلمين صائر إلى قترة على عدوهم ، وإن كانت مدنية فهي عذر لهم بما عرض لهم .

ومعنى يضربون في الأرض يسيرون في الأرض .

وحقيقة الضرب : قرع جسم بجسم آخر ، وسمي السير في الأرض ضربا في الأرض لتضمين فعل ( يضربون ) معنى يسيرون فإن السير ضرب للأرض بالرجلين لكنه تنوسي منه معنى الضرب وأريد المشي فلذلك عدي بحرف ( في ) ؛ لأن الأرض ظرف للسير كما قال تعالى فسيروا في الأرض وقد تقدم عند قوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة في سورة النساء .

والابتغاء من فضل الله : طلب الرزق ، قال تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم أي : التجارة في مدح الحج ، فقوله تعالى يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله مراد بالضرب في الأرض فيه السفر للتجارة ؛ لأن السير في الأسفار يكون في الليل كثيرا ويكون في النهار فيحتاج المسافر للنوم في النهار .

وفرع عليه مثل ما فرع على الذي قبله فقال فاقرءوا ما تيسر منه أي : من القرآن .

وقد نيط مقدار القيام بالتيسير على جميع المسلمين وإن اختلفت الأعذار .

وهذه الآية اقتضت رفع وجوب قيام الليل عن المسلمين إن كان قد وجب عليهم من قبل على أحد الاحتمالين ، أو بيانا لم يوجب عليهم وكانوا قد التزموه فبين [ ص: 287 ] لهم أن ما التزموه من التأسي بالنبيء - صلى الله عليه وسلم - في ذلك غير لازم لهم . وعلل عدم وجوبه عليهم بأن الأمة يكثر فيها أصحاب الأعذار التي يشق معها قيام الليل فلم يجعله الله واجبا عليهم أو رفع وجوبه . ولولا اعتبار المظنة العامة لأبقي حكم القيام ورخص لأصحاب العذر في مدة العذر فقط فتبين أن هذا تعليل الحكم الشرعي بالمظنة ، والحكم هنا عدمي ، أي : عدم الإنجاب فهو نظير قصر الصلاة في السفر على قول عائشة أم المؤمنين : إن الصلاة فرضت ركعتين ثم زيد في ثلاث من الصلوات في الحضر وأبقيت صلاة السفر ، وعلة بقاء الركعتين هو مظنة المشقة في السفر .

وأوجب الترخص في قيام الليل أنه لم يكن ركنا من أركان الإسلام فلم تكن المصلحة الدينية قوية فيه .

وأما حكم القيام فهو ما دل عليه قوله قم الليل إلا قليلا وما دلت عليه أدلة التحريض عليه من السنة . وقد مضى ذلك كله . فهذه الآية صالحة لأن تكون أصلا للتعليل بالمظنة وصالحة لأن تكون أصلا تقاس عليه الرخص العامة التي تراعى فيها مشقة غالب الأمة مثل رخصة بيع السلم دون الأحوال الفردية والجزئية .

وقوله وأقيموا الصلاة تذكير بأن الصلوات الواجبة هي التي تحرصون على إقامتها وعدم التفريط فيها كما قال تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا .

وفي هذا التعقيب بعطف الأمر بإقامة الصلاة إيماء إلى أن في الصلوات الخمس ما يرفع التبعة عن المؤمنين وأن قيام الليل نافلة لهم وفيه خير كثير وقد تضافرت الآثار على هذا ما هو في كتب السنة .

وعطف وآتوا الزكاة تتميم ؛ لأن الغالب أنه لم يخل ذكر الصلاة من قرن الزكاة معها حتى استنبط أبو بكر - رضي الله عنه - من ذلك أن مانع الزكاة يقاتل عليها ، فقال لعمر - رضي الله عنه - : لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة .

وإقراض الله هو الصدقات غير الواجبة ، شبه إعطاء الصدقة للفقير بقرض يقرضه الله ؛ لأن الله وعد على الصدقة بالثواب الجزيل فشابه حال معطي الصدقة مستجيبا رغبة الله فيه بحال من أقرض مستقرضا في أنه حقيق بأن يرجع إليه ما أقرضه ، وذلك في الثواب الذي يعطاه يوم الجزاء .

[ ص: 288 ] ووصف القرض بالحسن يفيد الصدقة المراد بها وجه الله تعالى والسالمة من المن والأذى ، والحسن متفاوت .

والحسن في كل نوع هو ما فيه الصفات المحمودة في ذلك النوع في بابه ، ويعرف المحمود من الصدقة من طريق الشرع بما وصفه القرآن في حسن الصدقات وما ورد في كلام النبيء - صلى الله عليه وسلم - من ذلك .

وقد تقدم في سورة البقرة قوله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة وفي سورة التغابن إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث