الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وما هو على الغيب بضنين

وما هو على الغيب بضنين

الضمير عائد إلى صاحبكم كما يقتضيه السياق فإن المشركين لم يدعوا أن جبريل ضنين على الغيب ، وإنما ادعوا ذلك للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ظلما وزورا ، ولقرب المعاد .

والغيب : ما غاب عن عيان الناس ، أو عن علمهم وهو تسمية بالمصدر .

والمراد ما استأثر الله بعلمه إلا أن يطلع عليه بعض أنبيائه ، ومنه وحي الشرائع ، والعلم بصفات الله تعالى وشؤونه ، ومشاهدة ملك الوحي ، وتقدم في قوله تعالى : الذين يؤمنون بالغيب في سورة البقرة .

وكتبت كلمة بضنين في مصاحف الأمصار بضاد ساقطة كما اتفق عليه القراء .

وحكي عن أبي عبيد ، قال الطبري : هو ما عليه مصاحف المسلمين متفقة وإن اختلفت قراءتهم به .

وفي الكشاف هو في مصحف أبي بالضاد وفي مصحف ابن مسعود بالظاء وقد اختصر الشاطبي في منظومته في الرسم على رسمه بالضاد إذ قال :


والضاد في " بضنين " تجمع البشرا



وقد اختلف القراء في قراءته ، فقرأه نافع ، وابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، وأبو جعفر [ ص: 161 ] وخلف وروح عن يعقوب بالضاد الساقطة التي تخرج من حافة اللسان مما يلي الأضراس ، وهي القراءة الموافقة لرسم المصحف الإمام .

وقرأه الباقون بالظاء المشالة التي تخرج من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا ، وذكر في الكشاف أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قرأ بهما ، وذلك مما لا يحتاج إلى التنبيه ; لأن القراءتين ما كانتا متواترتين إلا وقد رويتا عن النبيء صلى الله عليه وسلم .

والضاد والظاء حرفان مختلفان ، والكلمات المؤلفة من أحدهما مختلفة المعاني غالبا إلا نحو " حضض " بضادين ساقطتين و " حظظ " بظاءين مشالين و " حضظ " بضاد ساقطة بعدها ظاء مشالة وثلاثتها بضم الحاء وفتح ما بعد الحاء . فقد قالوا : إنها لغات في كلمة ذات معنى واحد وهو اسم صمغ يقال له : خولان .

ولا شك أن الذين قرءوه بالظاء المشالة من أهل القراءات المتواترة وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب قد رووه متواترا عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك فلا يقدح في قراءتهم كونها مخالفة لجميع نسخ مصاحف الأمصار ; لأن تواتر القراءة أقوى من تواتر الخط إن اعتبر للخط تواتر .

وما ذكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها ، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم ترو متواترة كما بينا في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير .

وقد اعتذر أبو عبيدة عن اتفاق مصاحف الإمام على كتابتها بالضاد مع وجود الاختلاف فيها بين الضاد والظاء في القراءات المتواترة ، بأن قال : ليس هذا بخلاف الكتاب ; لأن الضاد والظاء لا يختلف خطهما في المصاحف إلا بزيادة رأس إحداهما على رأس الأخرى ، فهذا قد يتشابه ويتدانى اهـ .

يريد بهذا الكلام أن ما رسم في المصحف الإمام ليس مخالفة من كتاب المصاحف للقراءات المتواترة ، أي أنهم يراعون اختلاف القراءات المتواترة فيكتبون بعض نسخ المصاحف على اعتبار اختلاف القراءات وهو الغالب . وها هنا اشتبه الرسم فجاءت الظاء دقيقة الرأس .

ولا أرى للاعتذار عن ذلك حاجة ; لأنه لما كانت القراءتان متواترتين عن [ ص: 162 ] النبيء - صلى الله عليه وسلم - اعتمد كتاب المصاحف على إحداهما وهي التي قرأ بها جمهور الصحابة وخاصة عثمان بن عفان ، وأوكلوا القراءة الأخرى إلى حفظ القارئين .

وإذا تواترت قراءة بضنين بالضاد الساقطة و ( بظنين ) بالظاء المشالة علمنا أن الله أنزله بالوجهين وأنه أراد كلا المعنيين .

فأما معنى ضنين بالضاد الساقطة فهو البخيل الذي لا يعطي ما عنده مشتق من الضن بالضاد مصدر ضن ، وإذا بخل ، ومضارعه بالفتح والكسر .

فيجوز أن يكون على معناه الحقيقي ، أي : وما صاحبكم ببخيل أي : بما يوحى إليه وما يخبر به عن الأمور الغيبية طلبا للانتفاع بما يخبر به بحيث لا ينبئكم عنه إلا بعوض تعطونه ، وذلك كناية عن نفي أن يكون كاهنا أو عرافا يتلقى الأخبار عن الجن إذ كان المشركون يترددون على الكهان ويزعمون أنهم يخبرون بالمغيبات ، قال تعالى : وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون فأقام لهم الفرق بين حال الكهان وحال النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالإشارة إلى أن النبيء لا يسألهم عوضا عما يخبرهم به وأن الكاهن يأخذ على ما يخبر به ما يسمونه حلوانا ، فيكون هذا المعنى من قبيل قوله تعالى : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أسألكم عليه من أجر ونحو ذلك .

ويجوز أن يكون ضنين مجازا مرسلا في الكتمان بعلاقة اللزوم ; لأن الكتمان بخل بالأمر المعلوم للكاتم ، أي : ما هو بكاتم الغيب ، أي : ما يوحى إليه ، وذلك أنهم كانوا يقولون ائت بقرآن غير هذا أو بدله وقالوا ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه .

ويتعلق على الغيب بقوله : بضنين .

وحرف على على هذا الوجه بمعنى الباء مثل قوله تعالى : حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق أي : حقيق بي ، أو لتضمين ضنين معنى حريص ، والحرص : شدة البخل وما محمد بكاتم شيئا من الغيب ، فما أخبركم به فهو عين ما أوحيناه إليه . وقد يكون البخيل على هذه كناية عن كاتم وهو كناية بمرتبة أخرى [ ص: 163 ] عن عدم التغيير . والمعنى : وما صاحبكم بكاتم شيئا من الغيب ، أي : ما أخبركم به فهو الحق .

وأما معنى ( ظنين ) بالظاء المشالة فهو فعيل بمعنى مفعول مشتق من الظن بمعنى التهمة ، أي : مظنون . ويراد إنه مظنون به سوء ، أي أن يكون كاذبا فيما يخبر به عن الغيب ، وكثر حذف مفعول ظنين بهذا المعنى في الكلام حتى صار الظن يطلق بمعنى التهمة فعدي إلى مفعول واحد . وأصل ذلك أنهم يقولون : ظن به سوءا ، فيتعدى إلى متعلقه الأول بحرف باء الجر فلما كثر استعماله حذفوا الباء ووصلوا الفعل بالمجرور فصار مفعولا فقالوا ظنه : بمعنى : اتهمه ، يقال : سرق لي كذا وظننت فلانا .

وحرف ( على ) في هذا الوجه للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى الظرفية نحو أو أجد على النار هدى أي : ما هو بمتهم في أمر الغيب وهو الوحي أن لا يكون كما بلغه ، أي أن ما بلغه هو الغيب لا ريب فيه ، وعكسه قولهم : ائتمنه على كذا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث