الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

مثلهم كمثل الذي استوقد نارا

أعقبت تفاصيل صفاتهم بتصوير مجموعها في صورة واحدة ، بتشبيه حالهم بهيئة محسوسة وهذه طريقة تشبيه التمثيل ، إلحاقا لتلك الأحوال المعقولة بالأشياء المحسوسة ، لأن النفس إلى المحسوس أميل .

وإتماما للبيان بجمع المتفرقات في السمع ، المطالة في اللفظ ، في صورة واحدة لأن للإجمال بعد التفصيل وقعا من نفوس السامعين . وتقرير الجمع ما تقدم في الذهن بصورة تخالف ما صور سالفا لأن تجدد الصورة عند النفس أحب من تكررها .

قال في الكشاف : ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل في صورة المحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كالمشاهد .

واستدلالا على ما يتضمنه مجموع تلك الصفات من سوء الحالة وخيبة السعي وفساد العاقبة ، فمن فوائد التشبيه قصد تفظيع المشبه . وتقريبا لما في أحوالهم في الدين من التضاد والتخالف بين ظاهر جميل وباطن قبيح بصفة حال عجيبة من أحوال العالم ، فإن من فائدة التشبيه إظهار إمكان المشبه ، وتنظير غرائبه بمثلها في المشبه به .

قال في الكشاف : ولأمر ما أكثر الله تعالى في كتابه المبين أمثاله وفشت في كلام رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء ، قال تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون اهـ .

والتمثيل منزع جليل بديع من منازع البلغاء لا يبلغ إلى محاسنه غير خاصتهم . وهو هنا من قبيل التشبيه لا من الاستعارة لأن فيه ذكر المشبه والمشبه به وأداة التشبيه وهي لفظ " مثل " .

فجملة مثلهم كمثل الذي استوقد نارا واقعة من الجمل الماضية موقع البيان والتقرير والفذلكة ، فكان بينها وبين ما قبلها كمال الاتصال ، فلذلك فصلت ولم تعطف ، والحالة التي وقع تمثيلها سيجيء بيانها في آخر تفسير الآية .

وأصل المثل بفتحتين هو النظير والمشابه ، ويقال أيضا : مثل بكسر الميم وسكون الثاء ويقال مثيل كما يقال شبه وشبه وشبيه ، وبدل وبدل ، وبديل ، ولا رابع لهذه الكلمات في مجيء فعل وفعل وفعيل بمعنى واحد .

وقد اختص لفظ المثل " بفتحتين " بإطلاقه على الحال الغريبة الشأن ؛ لأنها بحيث تمثل للناس وتوضح وتشبه سواء شبهت كما هنا ، أم لم تشبه كما في قوله تعالى مثل الجنة وبإطلاقه على قول يصدر في حال غريبة فيحفظ ويشيع بين الناس لبلاغة وإبداع فيه ، فلا يزال الناس يذكرون الحال التي قيل فيها ذلك القول تبعا لذكره ، وكم من حالة عجيبة حدثت ونسيت لأنها لم يصدر فيها من قول بليغ ما يجعلها مذكورة تبعا لذكره فيسمى مثلا ، وأمثال العرب باب من أبواب بلاغتهم وقد خصت بالتأليف ، ويعرفونه بأنه قول شبه مضربه بمورده ، وسأذكره قريبا .

فالظاهر أن إطلاق المثل على القول البديع السائر بين الناس الصادر من قائله في حالة عجيبة هو إطلاق مرتب على إطلاق اسم المثل على الحال العجيبة ، وأنهم لا يكادون يضربون مثلا ولا يرونه أهلا للتسيير وجديرا بالتداول إلا قولا فيه بلاغة وخصوصية في فصاحة لفظ وإيجازه ووفرة معنى ، فالمثل قول عزيز ليس في متعارف الأقوال العامة ، بل هو من أقوال فحول البلاغة ، فلذلك وصف بالغرابة أي العزة مثل قولهم : الصيف ضيعت اللبن ، وقولهم : لا يطاع لقصير أمر ، وستعرف وجه ذلك .

ولما شاع إطلاق لفظ المثل بالتحريك على الحالة العجيبة الشأن جعل البلغاء إذا أرادوا تشبيه حالة مركبة بحالة مركبة أعنى وصفين منتزعين من متعدد أتوا في جانب المشبه والمشبه به معا أو في جانب أحدهما بلفظ المثل ، وأدخلوا الكاف ونحوها من حروف التشبيه على المشبه به منهما ولا يطلقون ذلك على التشبيه البسيط فلا يقولون مثل فلان كمثل الأسد ، وقلما شبهوا حالا مركبة بحال مركبة مقتصرين على الكاف كقوله تعالى إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه بل يذكرون لفظ المثل في الجانبين غالبا نحو الآية هنا ، وربما ذكروا لفظ المثل في أحد الجانبين كقوله إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء الآية وذلك ليتبادر للسامع أن المقصود تشبيه حالة بحالة لا ذات بذات ولا حالة بذات ، فصار لفظ المثل في تشبيه الهيئة منسيا من أصل وضعه ومستعملا في معنى الحالة فلذلك لا يستغنون عن الإتيان بحرف التشبيه حتى مع وجود لفظ المثل ، فصارت الكاف في قوله تعالى ( كمثل ) دالة على التشبيه وليست زائدة كما زعمه الرضي في شرح الحاجبية ، وتبعه عبد الحكيم عند قوله تعالى أو كصيب وقوفا مع أصل الوضع وإغضاء عن الاستعمال ، ألا ترى كيف استغني عن إعادة لفظ المثل عند العطف في قوله تعالى أو كصيب ولم يستغن عن الكاف .

ومن أجل إطلاق لفظ المثل اقتبس علماء البيان مصطلحهم في تسمية التشبيه المركب بتشبيه التمثيل وتسمية استعمال المركب الدال على هيئة منتزعة من متعدد في غير ما وضع له مجموعة بعلاقة المشابهة استعارة تمثيلية ، وقد تقدم الإلمام بشيء منه عند قوله تعالى أولئك على هدى من ربهم وإنني تتبعت كلامهم فوجدت التشبيه التمثيلي يعتريه ما يعتري التشبيه المفرد فيجيء في أربعة أقسام : الأول ما صرح فيه بأداة التشبيه أو حذفت منه على طريقة التشبيه البليغ كما في هذه الآية ، وقوله أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى إذا قدرنا أولئك كالذين اشتروا كما قدمنا .

الثاني ما كان على طريقة الاستعارة التمثيلية المصرحة بأن يذكروا اللفظ الدال بالمطابقة على الهيئة المشبه بها ويحذف ما يدل على الهيئة المشبهة نحو المثال المشهور وهو قولهم : إني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى . الثالث : تمثيلية مكنية وهي أن تشبه هيئة بهيئة ولا يذكر اللفظ الدال على الهيئة المشبه بها ، بل يرمز إليه بما هو لازم مشتهر من لوازمه ، وقد كنت أعد مثالا لهذا النوع خصوص الأمثال المعروفة بهذا اللقب نحو : " الصيف ضيعت اللبن " و " بيدي لا بيد عمرو " ونحوها من الأمثال فإنها ألفاظ قيلت عند أحوال واشتهرت وسارت حتى صار ذكرها ينبئ بتلك الأحوال التي قيلت عندها وإن لم يذكر اللفظ الدال على الحالة ، وموجب شهرتها سيأتي . ثم لم يحضرني مثال للمكنية التمثيلية من غير باب الأمثال حتى كان يوم حضرت فيه جنازة ، فلما دفنوا الميت وفرغوا من مواراته التراب ضج أناس بقولهم : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة ، فقلت إن الذين سنوا هذه المقالة في مثل هذه الحالة ما أرادوا إلا تنظير هيئة حفرهم للميت بهيئة الذين كانوا يحفرون الخندق مع النبيء صلى الله عليه وسلم إذ كانوا يكررون هذه المقالة كما ورد في كتب السنة قصدا من هذا التنظير أن يكون حفرهم ذلك شبيها بحفر الخندق في غزوة الأحزاب بجامع رجاء القبول عند الله تعالى فلم يذكروا ما يدل على المشبه به ولكنهم طووه ورمزوا إليه بما هو من لوازمه التي عرف بها وهو قول النبيء تلك المقالة ، ثم ظفرت بقول أحمد بن عبد ربه الأندلسي :

وقل لمن لام في التصابي خل قليلا عن الطريق

فرأيته من باب التمثيلية المكنية ، فإنه حذف المشبه به - وهو حال المتعرض لسائر في طريقه يسده عليه ويمنعه المرور به - وأتى بشيء من لوازم هذه الحالة وهو قول السائر للمتعرض :

خل عن الطريق . رابعها تمثيلية تبعية كقول أبي عطاء السندي :


ذكرتك والخطي يخطر بيننا     وقد نهلت مني المثقفة السمر

فأثبت النهل للرماح تشبيها لها بحالة الناهل فيما تصيبه من دماء الجرحى المرة بعد الأخرى كأنها لا يرويها ما تصيبه أولا ثم أتى بنهلت على وجه التبعية ، ومن هذا القسم عند التفتزاني الاستعارة في ( على ) من قوله تعالى أولئك على هدى من ربهم وقد تقدم الكلام عليه هناك .

فأما المثل الذي هو قول شبه مضربه بمورده ، وهو الذي وعدت بذكره آنفا فمعنى تشبيه مضربه بمورده أن تحصل حالة لها شبه بالحالة التي صدر فيها ذلك القول فيستحضر المتكلم تلك الحالة التي صدر فيها القول ويشبه بها الحالة التي عرضت وينطق بالقول الذي كان صدر في أثناء الحالة المشبه بها ليذكر السامع بتلك الحالة ، وبأن حالة اليوم شبيهة بها ، ويجعل علامة ذكر ذلك القول الذي قيل في تلك الحالة .

وإذا حققت التأمل وجدت هذا العمل من قبيل الاستعارة التمثيلية المكنية لأجل كون تلك الألفاظ المسماة بالأمثال قد سارت ونقلت بين البلغاء في تلك الحوادث فكانت من لوازم الحالات المشبه بها لا محالة لمقارنتها لها في أذهان الناس فهي لوازم عرفية لها بين أهل الأدب فصارت من روادف أحوالها ، وكان ذكر تلك الأمثال رمزا إلى اعتبار الحالات التي قيلت فيها ، ومن أجل ذلك امتنع تغييرها عن ألفاظها الواردة بها لأنها إذا غيرت لم تبق على ألفاظها المحفوظة المعهودة فيزول اقترانها في الأذهان بصور الحوادث التي قيلت فيها فلم يعد ذكرها رمزا للحال المشبه به التي هي من روادفها لا محالة ، وفي هذا ما يغني عن تطلب الوجه في احتراس العرب من تغيير الأمثال حتى يسلموا من الحيرة في الحكم بين صاحب الكشاف وصاحب المفتاح ؛ إذ جعل صاحب الكشاف سبب منع الأمثال من التغيير ما فيها من الغرابة فقال : ولم يضربوا مثلا ولا رأوه أهلا للتسيير ، ولا جديرا بالتداول إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه ، ومن ثم حوفظ عليه وحمي من التغيير فتردد شراحه في مراده من الغرابة ، وقال الطيبي : الغرابة غموض الكلام وندرته ، وذلك إما أن يكون بحسب المعنى وإما أن يكون بحسب اللفظ ، أما الأول فكأن يرى عليه أثر التناقض وما هو بتناقض نحو قول الحكم بن عبد يغوث : رب رمية من غير رام . أي رب رمية مصيبة من غير رام : أي عارف ، وقوله تعالى ولكم في القصاص حياة إذ جعل القتل حياة . وأما الثاني بأن يكون فيه ألفاظ غريبة لا تستعملها العامة نحو قول الحباب بن المنذر

أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب

أو فيه حذف وإضمار نحو رمية من غير رام . أو فيه مشاكلة نحو : كما تدين تدان . أراد كما تفعل تجازى . وفسر بعضهم الغرابة بالبلاغة والفصاحة حتى صارت عجيبة ، وعندي أنه ما أراد بالغرابة إلا أن يكون قولا بديعا خاصيا إذ الغريب مقابل المألوف والغرابة عدم الإلف - يريد عدم الإلف به في رفعة الشأن - .

وأما صاحب المفتاح فجعل منعها من التغيير لورودها على سبيل الاستعارة فقال : ثم إن التشبيه التمثيلي متى شاع واشتهر استعماله على سبيل الاستعارة صار يطلق عليه المثل لا غير اهـ .

وإلى طريقته مال التفتزاني والسيد . وقد علمت سرها وشرحها فيما بيناه . ولورود الأمثال على سبيل الاستعارة لا تغير عن لفظها الذي ورد في الأصل تذكيرا وتأنيثا وغيرهما . فمعنى قولهم في تعريف المثل بهذا الإطلاق : قول شبه مضربه بمورده أن مضربه هو الحالة المشبهة سميت مضربا لأنها بمنزلة مكان ضرب ذلك القول أي وضعه أي النطق به يقال : ضرب المثل أي شبه ومثل ، قال تعالى أن يضرب مثلا ما وأما مورده فهو الحالة المشبه بها وهي التي ورد ذلك القول أي صدر عند حدوثها ، سميت موردا لأنها بمنزلة مكان الماء الذي يرده المستقون ، ويقال : الأمثال السائرة أي الفاشية التي يتناقلها الناس ويتداولونها في مختلف القبائل والبلدان فكأنها تسير من بلد إلى بلد . و الذي استوقد نارا مفرد مراد به مشبه واحد لأن مستوقد النار واحد ولا معنى لاجتماع جماعة على استيقاد نار ، ولا يريبك كون حالة المشبه حالة جماعة المنافقين ، كأن تشبيه الهيئة بالهيئة إنما يتعلق بتصوير الهيئة المشبهة بها لا بكونها على وزن الهيئة المشبهة فإن المراد تشبيه حال المنافقين في ظهور أثر الإيمان ونوره - مع تعقبه بالضلالة ودوامه - بحال من استوقد نارا . واستوقد بمعنى أوقد فالسين والتاء فيه للتأكيد كما هما في قوله تعالى فاستجاب لهم ربهم وقولهم : استبان الأمر وهذا كقول بعض بني بولان من طي في الحماسة .


نستوقد النبل بالحضيض ونصـ     ــطاد نفوسا بنت على الكرم

أراد وقودا يقع عند الرمي بشدة . وكذلك في الآية لإيراد تمثيل حال المنافقين في إظهار الإيمان بحال طالب الوقود بل هو حال الموقد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث