الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد .

أشعر كلام بعض المفسرين بالتوقف في توجيه اتصال قوله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام بقوله أوفوا بالعقود . ففي تلخيص الكواشي ، عن ابن عباس : المراد بالعقود ما بعد قوله أحلت لكم بهيمة الأنعام اهـ . ويتعين أن يكون مراد ابن عباس ما مبدؤه قوله ( إلا ما يتلى عليكم ) الآيات .

وأما قول الزمخشري أحلت لكم بهيمة الأنعام تفصيل لمجمل قوله أوفوا بالعقود فتأويله أن مجموع الكلام تفصيل لا خصوص جملة أحلت لكم بهيمة الأنعام ; فإن إباحة الأنعام ليست عقدا يجب الوفاء به إلا باعتبار ما بعده من قوله إلا ما يتلى عليكم . وباعتبار إبطال ما حرم أهل الجاهلية باطلا مما شمله قوله تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة الآيات .

والقول عندي أن جملة أحلت لكم بهيمة الأنعام تمهيد لما سيرد بعدها من المنهيات : كقوله غير محلي الصيد وقوله وتعاونوا على البر والتقوى التي هي من عقود شريعة الإسلام فكان الابتداء بذكر بعض المباح امتنانا وتأنيسا للمسلمين ، ليتلقوا التكاليف بنفوس مطمئنة ; [ ص: 78 ] فالمعنى : إن حرمنا عليكم أشياء فقد أبحنا لكم أكثر منها ، وإن ألزمناكم أشياء فقد جعلناكم في سعة من أشياء أوفر منها ، ليعلموا أن الله ما يريد منهم إلا صلاحهم واستقامتهم .

فجملة أحلت لكم بهيمة الأنعام مستأنفة استئنافا ابتدائيا لأنها تصدير للكلام بعد عنوانه .

والبهيمة : الحيوان البري من ذوي الأربع إنسيها ووحشيها ، عدا السباع ، فتشمل بقر الوحش والظباء . وإضافة بهيمة إلى الأنعام من إضافة العام للخاص ، وهي بيانية كقولهم : ذباب النحل ومدينة بغداد . فالمراد الأنعام خاصة ، لأنها غالب طعام الناس ، وأما الوحش فداخل في قوله غير محلي الصيد وأنتم حرم ، وهي هنا لدفع توهم أن يراد من الأنعام خصوص الإبل لغلبة إطلاق اسم الأنعام عليها ، فذكرت ( بهيمة ) لشمول أصناف الأنعام الأربعة : الإبل ، والبقر ، والغنم ، والمعز .

والإضافة البيانية على معنى ( من ) التي للبيان ، كقوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان .

والاستثناء في قوله إلا ما يتلى عليكم من عموم الذوات والأحوال ، ( وما يتلى ) هو ما سيفصل عند قوله حرمت عليكم الميتة ، وكذلك قوله غير محلي الصيد وأنتم حرم ، الواقع حالا من ضمير الخطاب في قوله ( أحلت لكم ) ، وهو حال مقيد معنى الاستثناء من عموم أحوال وأمكنة ، لأن الحرم جمع حرام مثل رداح على ردح . وسيأتي تفصيل هذا الوصف عند قوله تعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس في هذه السورة .

والحرام وصف لمن أحرم بحج أو عمرة ، أي نواهما . ووصف أيضا لمن كان حالا في الحرم ، ومن إطلاق المحرم على الحال بالحرم قول الراعي :


قتلوا ابن عفان الخليفة محرما

أي حالا بحرم المدينة . [ ص: 79 ] والحرم : هو المكان المحدود المحيط بمكة من جهاتها على حدود معروفة ، وهو الذي لا يصاد صيده ولا يعضد شجره ولا تحل لقطته ، وهو المعروف الذي حدده إبراهيم عليه السلام ونصب أنصابا تعرف بها حدوده ، فاحترمه العرب ، وكان قصي قد جددها ، واستمرت إلى أن بدا لقريش أن ينزعوها ، وذلك في مدة إقامة النبيء - صلى الله عليه وسلم - بمكة ، واشتد ذلك على رسول الله ، ثم إن قريشا لم يلبثوا أن أعادوها كما كانت . ولما كان عام فتح مكة بعث النبيء عليه الصلاة والسلام تميم بن أسد الخزاعي فجددها ، ثم أحياها ، وأوضحها عمر بن الخطاب في خلافته سنة سبع عشرة ، فبعث لتجديد حدود الحرم أربعة من قريش كانوا يتبدون في بوادي مكة ، وهم : مخرمة بن نوفل الزهري ، وسعيد بن يربوع المخزومي ، وحويطب بن عبد العزى العامري ، وأزهر بن عوف الزهري ، فأقاموا أنصابا جعلت علامات على تخطيط الحرم على حسب الحدود التي حددها النبيء - صلى الله عليه وسلم - وتبتدئ من الكعبة فتذهب للماشي إلى المدينة نحو أربعة أميال إلى التنعيم ، والتنعيم ليس من الحرم ، وتمد في طريق الذاهب إلى العراق ثمانية أميال فتنتهي إلى موضع يقال له : المقطع ، وتذهب في طريق الطائف تسعة - بتقديم المثناة - أميال فتنتهي إلى الجعرانة ، ومن جهة اليمن سبعة - بتقديم السين - فينتهي إلى أضاة لبن ، ومن طريق جدة عشرة أميال فينتهي إلى آخر الحديبية ، والحديبية داخلة في الحرم . فهذا الحرم يحرم صيده ، كما يحرم الصيد على المحرم بحج أو عمرة .

فقوله ( وأنتم حرم ) يجوز أن يراد به محرمون ، فيكون تحريما للصيد على المحرم : سواء كان في الحرم أم في غيره ، ويكون تحريم صيد الحرم لغير المحرم ثابتا بالسنة ، ويجوز أن يكون المراد به : محرمون وحالون في الحرم ، ويكون من استعمال اللفظ في معنيين يجمعهما قدر مشترك بينهما وهو الحرمة ، فلا يكون من استعمال المشترك في معنييه إن قلنا بعدم صحة استعماله فيهما ، أو يكون من استعماله فيهما ، على رأي من يصحح ذلك ، وهو الصحيح ، كما قدمناه في المقدمة التاسعة .

[ ص: 80 ] وقد تفنن الاستثناء في قوله إلا ما يتلى عليكم وقوله غير محلي الصيد ، فجيء بالأول بأداة الاستثناء ، وبالثاني بالحالين الدالين على مغايرة الحالة المأذون فيها ، والمعنى : إلا الصيد في حالة كونكم محرمين ، أو في حالة الإحرام .

وإنما تعرض لحكم الصيد للمحرم هنا لمناسبة كونه مستثنى من بهيمة الأنعام في حال خاص ، فذكر هنا لأنه تحريم عارض غير ذاتي ، ولولا ذلك لكان موضع ذكره مع الممنوعات المتعلقة بحكم الحرم والإحرام عند قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله الآية . والصيد يجوز أن يكون هنا مصدرا على أصله ، وأن يكون مطلقا على اسم المفعول : كالخلق على المخلوق ، وهو إطلاق شائع أشهر من إطلاقه على معناه الأصلي ، وهو الأنسب هنا لتكون مواقعه في القرآن على وتيرة واحدة ، فيكون التقدير : غير محلي إصابة لصيد .

والصيد بمعنى المصدر : إمساك الحيوان الذي لا يألف ، باليد أو بوسيلة ممسكة ، أو جارحة : كالشباك ، والحبائل ، والرماح ، والسهام ، والكلاب ، والبزاة ; وبمعنى المفعول هو المصيد .

وانتصب ( غير ) على الحال من الضمير المجرور في قوله ( لكم ) . وجملة ( وأنتم حرم ) في موضع الحال من ضمير ( محلي ) ، وهذا نسج بديع في نظم الكلام استفيد منه إباحة وتحريم : فالإباحة في حال عدم الإحرام ، والتحريم له في حال الإحرام .

وجملة إن الله يحكم ما يريد تعليل لقوله أوفوا بالعقود ، أي لا يصرفكم عن الإيفاء بالعقود أن يكون فيما شرعه الله لكم شيء من ثقل عليكم ، لأنكم عاقدتم على عدم العصيان ، وعلى السمع والطاعة لله ، والله يحكم ما يريد لا ما تريدون أنتم . والمعنى أن الله أعلم بصالحكم منكم . [ ص: 81 ] وذكر ابن عطية : أن النقاش حكى : أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن ، قال : نعم أعمل لكم مثل بعضه ، فاحتجب عنهم أياما ثم خرج فقال : والله ما أقدر عليه ، ولا يطيق هذا أحد ، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء ونهى عن النكث وحلل تحليلا عاما ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يستطيع أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد . جمع جلد أي أسفار .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث