الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الفرع الثالث : في آخر وقت الرمي أيام التشريق .

قد علمت أن أول وقت رميها بعد الزوال ، ولا خلاف بين العلماء ، أن بقية اليوم وقت للرمي إلى الغروب .

واختلفوا فيما بعد الغروب ، فمنهم من يقول : إن غربت الشمس ، ولم يرم رمى بالليل ، وبعضهم يقول : الليل قضاء ، وبعضهم يقول : أداء ، وقد قدمنا أقوالهم ، وحججهم في الكلام على رمي جمرة العقبة ، ومنهم من يقول : لا يرمي بالليل ، بل يؤخر الرمي حتى تزول الشمس من الغد كما قدمناه مع إجماعهم على فوات وقت الرمي بغروب اليوم الثالث عشر من ذي الحجة الذي هو رابع يوم النحر .

واعلم أن هذا الحكم له حالتان :

الأولى : حكم الرمي في الليلة التي تلي اليوم الذي فاته الرمي فيه من أيام التشريق .

والثانية : الرمي في يوم آخر من أيام التشريق .

أما الليل فقد قدمنا أن الشافعية ، والمالكية ، والحنفية كلهم يقولون : يرمي ليلا . والمالكية بعضهم يقولون : الرمي ليلا قضاء ، وهو المشهور عندهم ، وبعضهم يتوقف في كونه قضاء أو أداء ، كما قدمناه عن الباجي ، والحنفية يقولون : إن الليلة التي بعد اليوم تبع له ، فيجوز الرمي فيها تبعا لليوم ، والشافعية لهم وجهان مشهوران في الرمي في الليلة التي بعد اليوم ، هل هو أداء ، أو قضاء ؟ كما قدمناه مستوفى ، والحنابلة قدمنا أنهم يقولون : لا يرمي ليلا ، بل يرمي من الغد بعد زوال الشمس ، كما ذكرنا فيه كلام صاحب المغني ، وأما رمي يوم من أيام التشريق في يوم آخر منها ، فلا خلاف فيه بين من يعتد به من أهل العلم ، إلا أنهم اختلفوا في أيام التشريق الثلاثة هل هي كيوم واحد ؟ فالرمي في جميعها أداء ; لأنها وقت للرمي كيوم واحد ، أو كل يوم منها مستقل ، فإن فات هو وليلته التي بعده فات وقت رميه ، فيكون قضاء في اليوم الذي بعده ، فعلى القول الأول لو رمى عن اليوم الأول في الثاني ، أو عن الثاني في الثالث ، أو عن الأول ، والثاني في الثالث ، فلا شيء [ ص: 468 ] عليه ; لأنه رمى في وقت الرمي ، وعلى الثاني يلزمه دم عن كل يوم فاته رمي فيه إلى الغد عند من يقول : بتعدد الدماء كالشافعية ، أو دم واحد عن اليومين ، عند من يقول : بعدم التعدد .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : التحقيق في هذه المسألة أن أيام التشريق كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي ، فمن رمى عن يوم منها في يوم آخر منها أجزأه ، ولا شيء عليه ، كما هو مذهب أحمد ، ومشهور مذهب الشافعي ، ومن وافقهما .

والدليل على ذلك : هو ما رواه مالك في الموطإ ، والإمام أحمد ، والشافعي ، وابن حبان ، والحاكم ، وأصحاب السنن الأربعة ، عن عاصم بن عدي العجلاني رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لرعاء الإبل ، أن يرموا يوما ، ويدعوا يوما هذا لفظ أبي داود ، والنسائي وابن ماجه ، وفي لفظ : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى ، يرمون يوم النحر ، ثم يرمون الغداة ، ومن بعد الغداة ليومين ، ثم يرمون يوم النفر . ولهذا الحديث ألفاظ متقاربة غير ما ذكرنا ، ومعناها واحد ، وقال الإمام مالك رحمه الله في الموطإ ما نصه : تفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في تأخير رمي الجمار فيما نرى والله أعلم : أنهم يرمون يوم النحر ، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد ، وذلك يوم النفر الأول ، فيرمون لليوم الذي مضى ، ثم يرمون ليومهم ذلك ، لأنه لا يقضي أحد شيئا حتى يجب عليه ، فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك ، فإن بدا لهم النفر فقد فرغوا ، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر ، ونفروا . انتهى منه ، وهذا المعنى الذي فسر به الحديث هو صريح معناه في رواية من روى : أن يرموا يوما ويدعوا يوما ، وحديث عاصم العجلاني هذا قال فيه الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

فإن قيل : أنتم سقتم هذا الحديث مستدلين به على أن أيام التشريق كاليوم الواحد ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رخص لهم في تأخير رمي يوم إلى اليوم الذي بعده دل ذلك على أن اليوم الثاني وقت لرمي اليوم الأول ، لأنه لو فات وقته لفات بفوات وقته لإجماع العلماء على أنه لا يقضي في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة الذي هو خامس يوم النحر فما بعده ، ولكن ظاهر كلام مالك في تفسيره الحديث المذكور يدل على أن رمي يوم في اليوم الذي بعده قضاء لقوله في كلامه المذكور : فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء .

فالجواب عن ذلك من وجهين :

[ ص: 469 ] أحدهما : أن إطلاق القضاء على ما فات وقته بالكلية اصطلاح حادث للفقهاء ; لأن القضاء في الكتاب والسنة يطلق على فعل العبادة في وقتها ، كقوله تعالى : فإذا قضيتم الصلاة الآية [ 4 ] ، وقوله : فإذا قضيت الصلاة [ 62 \ 10 ] ، وقوله تعالى : فإذا قضيتم مناسككم الآية [ 2 \ 200 ] . فالقضاء في هذه الآيات بمعنى الأداء .

الوجه الثاني : أنا لو فرضنا أن مالكا رحمه الله ، يريد بالقضاء في كلامه المذكور المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء ، وهو أن القضاء فعل العبادة بعد خروج وقتها المعين لها تداركا لشيء علم تقدم ما أوجب فعله في خصوص وقته ، كما هو المعروف في مذهبه ، إنه إن أخر الرمي إلى الليل فما بعده ، أنه قضاء . يلزم به الدم ، فإنا لا نسلم أن رمي يوم في اليوم الذي بعده قضاء لعبادة خرج وقتها بالكلية استنادا لأمرين :

الأول : أن رمي الجمار عبادة موقتة بالإجماع ، فإذن النبي صلى الله عليه وسلم في فعلها في وقت دليل واضح على أن ذلك الوقت من أجزاء وقت تلك العبادة الموقتة ; لأنه ليس من المعقول أن تكون هذه العبادة موقتة بوقت معين ينتهي بالإجماع في وقت معروف ، ويأذن النبي صلى الله عليه وسلم في فعلها في زمن ليس من أجزاء وقتها المعين لها . فهذا لا يصح بحال ، وإذا تقرر أن الوقت الذي أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فعل العبادة الموقتة فيه أنه من وقتها علم أنها أداء لا قضاء ، والأداء في اصطلاح أهل الأصول هو إيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعا لمصلحة اشتمل عليها ذلك الوقت .

الأمر الثاني : أنه لا يمكن أن يقال هنا : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالرمي في وقت غير وقته ، بل بعد فوات وقته ، وأن أمره به في ذلك الوقت أمر بقضائه بعد فوات وقته المعين له ، لما قدمنا من إجماع المسلمين على أنه لا يجوز الرمي في رابع يوم النحر ، ولو كان يجوز قضاء الرمي بعد فوات وقته ، لجاز الرمي في رابع النحر وخامسه ، وما بعد ذلك . والقضاء في اصطلاح الفقهاء والأصوليين : لا يطلق إلا على ما فات وقته بالكلية ، والصلاة في آخر الوقت الضروري أداء عندهم ، حتى إنه لو صلى بعضها في آخر الضروري ، وبعضها بعد خروج الوقت الضروري ، فهي أداء عندهم على الصحيح . ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم : " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " وعرف في مراقي السعود الأداء والوقت والقضاء عند الأصوليين بقوله :


فعل العبادة بوقت عينا شرعا لها باسم الأداء قرنا

[ ص: 470 ]     وكونه بفعل بعض يحصل
لعاضد النص هو المعول     وقيل ما في وقته أداء
وما يكون خارجا قضاء     والوقت ما قدره من شرعا
من زمن مضيقا موسعا     وعكسه القضا تداركا لما
سبق الذي أوجبه قد علما



وقوله : وعكسه القضا ; يعني : أن القضاء ضد الأداء .

وبما ذكرنا : تعلم أن التحقيق أن أيام الرمي كلها كاليوم الواحد ، وأن من رمى عن يوم في الذي بعده ، لا شيء عليه لإذن النبي صلى الله عليه وسلم للرعاء في ذلك ، ولكن لا يجوز تأخير يوم إلى يوم آخر إلا لعذر ، فهو وقت له ، ولكنه كالوقت الضروري . والله تعالى أعلم .

أما رمي جمرة العقبة ، فقال بعض أهل العلم : إن حكمه مع رمي أيام التشريق كواحد منها ، فمن أخر رميه إلى يوم من أيام التشريق ، فهو كمن أخر يوما منها إلى يوم ، وعليه ففيه الخلاف المذكور ، وقال بعض أهل العلم : هو مستقل بوقته دونها لأنه يخالفها في الوقت والعدد ; لأنها جمرة واحدة أول النهار ، وأيام التشريق بعكس ذلك وله وجه من النظر . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث