الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسألة الثانية عشرة في مواقيت الحج والعمرة

جزء التالي صفحة
السابق

المسألة الثانية عشرة في مواقيت الحج والعمرة

اعلم أن الحج له ميقات زماني : وهو المذكور في قوله تعالى : الحج أشهر معلومات الآية [ 2 \ 197 ] ، وهي : شوال ، وذو القعدة ، وعشر من ذي الحجة . وقيل : وذو الحجة مع الإجماع على فوات الحج بعدم الوقوف بعرفة قبل الفجر من ليلة النحر ، وميقات مكاني ، والمواقيت المكانية خمسة ; أربعة منها بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم ، بلا خلاف بين العلماء لثبوت ذلك في الصحيحين ، وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم ، وواحد مختلف فيه هل وقته النبي صلى الله عليه وسلم ، أو وقته عمر رضي الله عنه .

أما الأربعة المجمع على نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي : ذو الحليفة ، وهو ميقات أهل المدينة ، والجحفة وهي : ميقات أهل الشام ، وقرن المنازل وهو : ميقات أهل نجد ، ويلملم وهي ميقات أهل اليمن ، أخرج توقيت هذه المواقيت الأربعة الشيخان في صحيحيهما ، عن ابن عباس ، وابن عمر رضي عنهم إلا أن ابن عمر لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم توقيت يلملم لأهل اليمن ، بل سمعه من غيره صلى الله عليه وسلم ، وهو مرسل صحابي ، والاحتجاج بمراسيل الصحابة معروف ، أما ابن عباس فقد سمع منه صلى الله عليه وسلم المواقيت الأربعة المذكورة .

[ ص: 482 ] فتحصل : أن ذا الحليفة ، والجحفة ، وقرن المنازل اتفق الشيخان على إخراج توقيتها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من حديث ابن عمر ، وابن عباس . وأن يلملم اتفقا أيضا على إخراج توقيته عنهما معا ، إلا أن ابن عباس سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، وابن عمر سمعه من غيره ، كما أوضحناه ، وذو الحليفة هو المسمى الآن بآبار علي ، وقرن المنازل هو المسمى الآن : بالسيل . والجحفة خراب الآن ، والناس يحرمون من رابغ ، وهو قبلها بقليل ، وهو موضع معروف قديما ، وفيه يقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي :


ولما أجزنا الميل من بطن رابغ بدت نارها قمراء للمتنور



وأما الميقات الخامس الذي اختلف العلماء فيه ، هل وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو وقته عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فهو : ذات عرق لأهل العراق ، فقال بعض أهل العلم : توقيت ذات عرق لأهل العراق من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم : هو بتوقيت عمر رضي الله عنه . وقال ابن حجر في فتح الباري : كون توقيت ذات عرق ، ليس منصوصا من النبي صلى الله عليه وسلم بل بتوقيت عمر ، هو الذي قطع به الغزالي ، والرافعي في شرح المسند ، والنووي في شرح مسلم ، وكذا وقع في المدونة لمالك ، وصحح الحنفية ، والحنابلة ، وجمهور الشافعية ، والرافعي في الشرح الصغير ، والنووي في شرح المهذب : أنه منصوص . انتهى محل الغرض من فتح الباري .

وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على ميقات ذات عرق : واختلف العلماء ، هل صارت ميقاتهم بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم ، أم باجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؟ وفي المسألة وجهان لأصحاب الشافعي أصحهما ، وهو نص الشافعي رضي الله عنه في الأم : بتوقيت عمر رضي الله عنه . انتهى محل الغرض منه . وقال النووي في شرح المهذب : وممن قال إنه مجتهد فيه من السلف ، طاوس ، وابن سيرين ، وأبو الشعثاء جابر بن زيد ، وحكاه البيهقي وغيره عنهم ، وممن قال من السلف إنه منصوص عليه : عطاء بن أبي رباح وغيره ، وحكاه ابن الصباغ ، عن أحمد ، وأصحاب أبي حنيفة ، وإذا عرفت اختلاف أهل العلم فيمن وقت ذات عرق لأهل العراق ، فهذه تفاصيل أدلتهم :

أما الذين قالوا : إنه باجتهاد من عمر فاستدلوا بما رواه البخاري في صحيحه : حدثني علي بن مسلم ، حدثنا عبد الله بن نمير ، حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا ، وهو جور عن طريقنا ، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا . [ ص: 483 ] قال : فانظروا حذوها من طريقكم ، فحد لهم ذات عرق ا هـ منه . قالوا : فهذا الحديث الصحيح صريح في أن توقيت ذات عرق باجتهاد من عمر ، وقد جاءت بذلك أيضا آثار عن بعض السلف .

وأما الذين قالوا : إنه بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستدلوا بأحاديث منها : ما رواه مسلم في صحيحه ، وحدثني محمد بن حاتم ، وعبد بن حميد ، كلاهما عن محمد بن بكر ، قال عبد : أخبرنا محمد ، أخبرنا ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير : أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، يسأل عن المهل ؟ فقال : سمعت أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : مهل أهل المدينة من ذي الحليفة ، والطريق الآخر الجحفة ، ومهل أهل العراق من ذات عرق ، ومهل أهل نجد من قرن . ومهل أهل اليمن : من يلملم . انتهى منه . وهذا الإسناد صحيح كما ترى إلا أنه ليس فيه الجزم برفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث : فهذا إسناد صحيح ، لكنه لم يجزم برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم : فلا يثبت رفعه بمجرد هذا ، ورواه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي بضم الخاء المعجمة بإسناده عن جابر مرفوعا بغير شك ، لكن الخوزي ضعيف لا يحتج بروايته ، ورواه الإمام أحمد في مسنده ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بلا شك أيضا ، لكنه من رواية الحجاج بن أرطاة ، وهو ضعيف ، وعن عائشة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق " ، رواه أبو داود ، والنسائي ، والدارقطني ، وغيرهم بإسناد صحيح ، لكن نقل ابن عدي أن أحمد بن حنبل أنكر على أفلح بن حميد روايته هذه ، وانفراده به مع أنه ثقة ، وعن الحارث بن عمرو السهمي الصحابي رضي الله عنه : " أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق " ، رواه أبو داود ، وعن عطاء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه وقت لأهل المشرق ذات عرق " رواه البيهقي ، والشافعي بإسناد حسن ، عن عطاء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، وعطاء من كبار التابعين . وقد قدمنا في مقدمة هذا الشرح أن مذهب الشافعي الاحتجاج بمرسل كبار التابعين ، إذا اعتضد بأحد أربعة أمور :

منها : أن يقول به بعض الصحابة ، أو أكثر العلماء ، وهذا قد اتفق على العمل به الصحابة ، ومن بعدهم ، قالالبيهقي : هذا هو الصحيح من رواية عطاء أنه رواه مرسلا ، قال : وقد رواه الحجاج بن أرطاة ، عن عطاء ، وغيره متصلا ، والحجاج ظاهر الضعف . انتهى كلام النووي . وقال صاحب نصب الراية : وأخرجه الدارقطني في سننه ، وابن أبي شيبة ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو يعلى الموصلي في أسانيدهم ، عن حجاج ، عن عطاء ، عن [ ص: 484 ] جابر . وحجاج لا يحتج به ، وذكر الحافظ في الفتح أن أحمد روى هذا الحديث من طريق ابن لهيعة من غير شك في الرفع .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : أظهر القولين عندي دليلا أن ذات عرق وقتها النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العراق ، والدليل على ذلك من وجهين :

أحدهما : أن ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث منها : ما هو صحيح الإسناد ، ومنها : ما في إسناده كلام ، وبعضها يقوي بعضا .

قال أبو داود رحمه الله في سننه : حدثنا هشام بن بهرام المدائني ، ثنا المعافى بن عمران ، عن أفلح يعني : ابن حميد ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة رضي الله عنها : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق " انتهى من سنن أبي داود ، وهذا الإسناد صحيح كما ترى ; لأن طبقته الأولى هشام بن بهرام المدائني أبو محمد ، وهو ثقة ، وطبقته الثانية المعافى بن عمران الأزدي الفهمي أبو مسعود الموصلي ، وهو ثقة عابد فقيه . وطبقته الثالثة أفلح بن حميد بن نافع المدني أبو عبد الرحمن ، ويقال له : ابن صغيراء ، وهو ثقة ، وطبقته الرابعة ، والخامسة القاسم بن أبي بكر ، عن عمته عائشة رضي الله عنها ، فهذا إسناد في غاية الصحة كما ترى .

وقال النسائي في سننه : حدثنا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي ، قال : حدثنا أبو هاشم محمد بن علي ، عن المعافى ، عن أفلح بن حميد ، عن القاسم ، عن عائشة قالت : " وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة : ذا الحليفة ، ولأهل الشام ومصر : الجحفة ، ولأهل العراق : ذات عرق ، ولأهل نجد : قرنا ، ولأهل اليمن : يلملم " ، وهذا إسناد صحيح أيضا ; لأن طبقته الأولى محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي ; وهو ثقة حافظ ، وطبقته الثانية هي أبو هاشم محمد بن علي الأسدي ، وهو ثقة عابد ، وباقي الإسناد هو ما تقدم الآن في إسناد أبي داود ، وكلهم ثقات كما أوضحناه الآن ، فهذا الإسناد لا شك في صحته ، ومتنه فيه التصريح بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات عرق لأهل العراق .

واعلم أن تضعيف من ضعف هذا الحديث بأن الإمام أحمد رحمه الله أنكر على أفلح بن حميد ذكره في هذا الحديث لذات عرق ، وأنه انفرد بذلك غير مسلم لأن أفلح بن حميد ثقة ، وزيادة العدل مقبولة ، ولا يضره انفراد المعافى بن عمران أيضا لأنه ثقة ، وكم من حديث صحيح غريب انفرد به ثقة ، عن ثقة ، كما هو معلوم في الأصول ، وعلم الحديث . وقال الشيخ الذهبي رحمه الله في ميزان الاعتدال في نقد الرجال في ترجمة أفلح بن [ ص: 485 ] حميد المذكور : وثقه ابن معين ، وأبو حاتم . وقال ابن صاعد : كان أحمد ينكر على أفلح بن حميد قوله : ولأهل العراق ذات عرق ، وقال ابن عدي في الكامل : هو عندي صالح ، وهذا الحديث ينفرد به المعافى بن عمران ، عن أفلح ، عن القاسم ، عن عائشة .

قلت : هو صحيح غريب . انتهى كلام الذهبي . وتراه صرح بأن هذا الحديث صحيح غريب مع أن هذا الحديث في توقيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات عرق لأهل العراق له شواهد متعددة .

منها : حديث جابر في صحيح مسلم ، وإن كان لم يجزم فيه بالرفع ، لأن قوله : أحسبه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ظن من أبي الزبير أن جابرا رفع الحديث ، وهذا الظن يقوي الروايات ، التي فيها الجزم بالرفع .

ومنها : ما رواه أبو داود في سننه : حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا عتبة بن عبد الملك السهمي ، حدثني زرارة بن كريم : أن الحارث بن عمرو السهمي ، حدثه : قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمنى أو بعرفات ، وقد أطاف به الناس قال : فتجيء الأعراب ، فإذا رأوا وجهه قالوا : هذا وجه مبارك ، قال : ووقت ذات عرق لأهل العراق . انتهى منه . وهذا الإسناد لا يقل عن درجة الحسن ; لأن طبقته الأولى : عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر المقعد التميمي المنقري ، وهو ثقة ثبت رمي بالقدر ، وطبقته الثانية : عبد الوارث وهو ابن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوري ، وهو ثقة ثبت رمي بالقدر ، ولم يثبت عنه ، وطبقته الثالثة : عتبة بن عبد الملك السهمي ، وهو بصري . ذكره ابن حبان في الثقات ، وطبقته الرابعة : زرارة بن كريم بن الحارث بن عمرو السهمي ، وهو له رؤية ، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين ، وطبقته الخامسة : الحارث بن عمرو السهمي الباهلي رضي الله عنه وهو صحابي ، فهذا الإسناد لا يقل عن درجة الحسن ، وهو صالح لأن يعتضد به حديث عائشة المتقدم عند أبي داود ، والنسائي الذي قدمنا : أن إسناده صحيح ، وقد سكت أبو داود على هذا الحديث . ومعلوم أن أبا داود إذا سكت على حديث ، فهو صالح للاحتجاج عنده ، كما قدمناه مرارا . وقد ذكر ابن حجر في الإصابة في ترجمة الحارث بن عمر ، والمذكور : أن حديثه هذا صححه الحاكم ، ولم يتعقب ذلك بشيء . وذكر البخاري هذا الحديث في تاريخه في ترجمة زرارة بن كريم بالسند الذي رواه به أبو داود ، ولم يتعقبه بشيء .

ومنها : ما رواه أحمد ، وابن أبي شيبة ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو يعلى الموصلي في [ ص: 486 ] مسانيدهم ، والدارقطني في سننه : عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت ذات عرق : لأهل العراق من غير شك في الرفع ، وقد قدمنا في كلام النووي ، والزيلعي ، وابن حجر : أن في إسناده ابن لهيعة ، والحجاج بن أرطاة ، وكلاهما ضعيف .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : لا شك أن رواية الحجاج بن أرطاة معتبر بها صالحة لاعتضاد غيرها ، ومن أجل ذلك أخرج له مسلم في صحيحه مقرونا بغيره ، كما قاله الذهبي في الميزان ، وقد أثنى عليه غير واحد ، وروى عنه شعبة ، وقال : اكتبوا حديث حجاج بن أرطاة ، وابن إسحاق ، فإنهما حافظان . وقال فيه الثوري : ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه ، وقال فيه حماد بن زيد : كان أقهر عندنا لحديثه من سفيان . وقال فيه الذهبي في الميزان : هو أحد الأعلام على لين في حديثه . وقال فيه الذهبي : وأكثر ما نقم عليه التدليس ، وفيه تيه لا يليق بأهل العلم ، وقال فيه ابن حجر في التقريب : صدوق كثير الخطإ والتدليس ا هـ .

وعلى كل حال : فلا شك في الاعتبار بروايته ، وصلاحها لتقوية غيرها ، وابن لهيعة لا شك في أن روايته تعضد غيرها ، وقد أخرج له مسلم أيضا مقرونا بغيره . وقد قدمنا الكلام عليه .

وعلى كل حال فرواية الحجاج ، وابن لهيعة عاضدة للرواية الصحيحة . ومنها الحديث الذي رواه عطاء مرسلا كما قدمنا في كلام النووي ، وقد قال : إنه رواه الشافعي ، والبيهقي بإسناد حسن ، ومرسل عطاء هذا في توقيت النبي صلى الله عليه وسلم : ذات عرق لأهل العراق محتج به عند الأئمة الأربعة . أما مالك ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، فالمشهور عنهم الاحتجاج بالمرسل كما قدمناه مرارا . وأما الشافعي : فقد قدمنا عن النووي : أنه يعمل بمرسل التابعي الكبير إن قال به بعض الصحابة أو أكثر أهل العلم ، ومرسل عطاء هذا أجمع على العمل به الصحابة ، فمن بعدهم إلى غير ذلك من الأدلة العاضدة ، لأن توقيت ذات عرق لأهل العراق من النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال ابن حجر في فتح الباري بعد أن ساق بعض طرق حديث توقيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات عرق لأهل العراق ما نصه : وهذا يدل على أن للحديث أصلا ، فلعل من قال : إنه غير منصوص لم يبلغه ، ورأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق لا يخلو من مقال . انتهى محل الغرض منه .

وقد بينا أن بعض روايات هذا الحديث صحيحة ، ولا يضرها انفراد بعض الثقات بها .

[ ص: 487 ] الأمر الثاني من الأمرين المذكورين في أول هذا المبحث : هو إنما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر ، مما يدل على أن توقيت ذات عرق لأهل العراق باجتهاد من عمر ، كما قدمناه لا يعارض هذه الأدلة التي ذكرناها على أنه منصوص لاحتمال أن عمر لم يبلغه ذلك ، فاجتهد فوافق اجتهاده توقيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو رضي الله عنه معروف أنه وافقه الوحي في مسائل متعددة ، فلا مانع من أن تكون هذه منها لا شرعا ، ولا عقلا ، ولا عادة . وأما إعلال بعضهم حديث ذات عرق ، بأن العراق لم تكن فتحت يومئذ فقد قال فيه ابن عبد البر : هي غفلة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح ، لأنه علم أنها ستفتح ، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق . انتهى بواسطة نقل ابن حجر في الفتح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث