الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

وأما ما ليس من التقليد بجائز بلا خلاف ، فهو تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاده ، مجتهدا آخر يرى خلاف ما ظهر له هو ؛ للإجماع على أن المجتهد إذا ظهر له الحكم باجتهاده لا يجوز له أن يقلد غيره المخالف لرأيه .

وأما نوع التقليد الذي خالف فيه المتأخرون الصحابة وغيرهم من القرون المشهود لهم بالخير ، فهو تقليد رجل واحد معين دون غيره ، من جميع العلماء .

فإن هذا النوع من التقليد ، لم يرد به نص من كتاب ولا سنة ، ولم يقل به أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير .

وهو مخالف لأقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله ، فلم يقل أحد منهم بالجمود على قول رجل واحد معين دون غيره ، من جميع علماء المسلمين .

فتقليد العالم المعين من بدع القرن الرابع ، ومن يدعي خلاف ذلك ، فليعين لنا رجلا واحدا من القرون الثلاثة الأول ، التزم مذهب رجل واحد معين ، ولن يستطيع ذلك أبدا ; لأنه لم يقع البتة .

وسنذكر هنا إن شاء الله جملا من كلام أهل العلم في فساد هذا النوع من التقليد وحجج القائلين به ، ومناقشتها ، وبعد إيضاح ذلك كله نبين ما يظهر لنا بالدليل أنه هو الحق والصواب إن شاء الله .

قال الإمام أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في كتابه جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ، ما نصه :

باب فساد التقليد ونفيه والفرق بين التقليد والاتباع : قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه ، فقال : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [ 9 \ 31 ] .

[ ص: 308 ] وروي عن حذيفة وغيره ، قالوا : " لم يعبدوهم من دون الله ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم " .

وقال عدي بن حاتم : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقي الصليب ، فقال لي : " يا عدي : ألق هذا الوثن من عنقك ، فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قال : قلت : يا رسول الله : إنا لم نتخذهم أربابا . قال : بلى ، أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله لكم فتحرمونه ؟ فقلت : بلى ، فقال : تلك عبادتهم " .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، ثم ساق السند إلى أن قال : عن أبي البختري في قوله عز وجل : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ، ولكنهم أمروهم ، فجعلوا حلال الله حرامه ، وحرامه حلاله فأطاعوهم ، فكانت تلك الربوبية .

قال : وحدثنا ابن وضاح ، ثم ساق السند إلى أن قال : عن أبي البختري ، قال : قيل لحذيفة في قوله : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله أكانوا يعبدونهم ؟ فقال : لا ، ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه ، ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه .

وقال جل وعز : وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم [ 43 \ 23 - 24 ] .

فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء ، فقالوا : إنا بما أرسلتم به كافرون [ 43 \ 24 ] .

وفي هؤلاء ومثلهم قال الله عز وجل : إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون [ 8 \ 22 ] .

وقال : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم [ 2 \ 166 - 167 ] .

[ ص: 309 ] وقال عز وجل عائبا لأهل الكفر وذاما لهم : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين [ 21 \ 52 - 53 ] .

وقال : وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل [ 33 \ 67 ] .

ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء .

وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها ; لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر .

وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد ، كما لو قلد رجل فكفر وقلد آخر فأذنب ، وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها ، كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة ; لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا ، وإن اختلفت الآثام فيه .

وقال الله عز وجل : وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون [ 9 \ 115 ] ، وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب هذا ، وفي ثبوته إبطال التقليد أيضا .

فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها ، وهي الكتاب والسنة أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك .

أخبرنا عبد الوارث ، ثم ساق السند إلى أن قال : حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ، عن أبيه ، عن جده ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة ، قال : وما هي يا رسول الله ؟

قال : أخاف عليهم من زلة العالم ، ومن حكم جائر ، ومن هوى متبع
" .

وبهذا الإسناد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله " . هذا لفظ أبي عمر في جامعه .

وكثير بن عبد الله المذكور في الإسناد ضعيف ، وأبوه عبد الله مقبول ، ولكن المتنين المرويين بالإسناد المذكور كلاهما له شواهد كثيرة تدل على أن أصله صحيح .

ثم ذكر أبو عمر بن عبد البر في جامعه بإسناده عن زياد بن حدير ، عن عمر بن [ ص: 310 ] الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ثلاث يهدمن الدين : زلة عالم ، وجدال منافق بالقرآن ، وأئمة مضلون .

ثم ذكر بالإسناد المذكور عن ابن مهدي عن جعفر بن حبان ، عن الحسن قال : قال أبو الدرداء : إن فيما أخشى عليكم زلة العالم ، وجدال المنافق بالقرآن ، والقرآن حق وعلى القرآن منار كأعلام الطريق .

ثم أخرج بإسناده عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يقول في مجلسه كل يوم ، قلما يخطئه أن يقول ذلك : " الله حكم قسط ، هلك المرتابون ، إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال ، ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق ، والمرأة والصبي ، والأسود والأحمر فيوشك أحدهم أن يقول : قد قرأت القرآن ، فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره ، فإياكم وما ابتدع ، فإن كل بدعة ضلالة ، وإياكم وزيغة الحكيم " إلى آخر ما ذكره رحمه الله من الآثار الدالة على نحو ما تقدم من أن زلة العالم من أخوف المخاوف على هذه الأمة .

وإنما كانت كذلك لأن من يقلد العالم تقليدا أعمى يقلده فيما زل فيه فيتقول على الله أن تلك الزلة التي قلد فيها العالم من دين الله ، وأنها مما أمر الله بها ورسوله ، وهذا كما ترى والتنبيه عليه هو مراد ابن عبد البر .

ومرادنا أيضا بإيراد الآثار المذكورة .

ثم قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه ما نصه : وشبه الحكماء زلة العالم بانكسار السفينة ، لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير .

وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ ، لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه .

حدثنا عبد الرحمن بن يحيى ، ثم ساق السند إلى أن قال : عن ابن مسعود أنه كان يقول : اغد عالما أو متعلما ولا تغد إمعة فيما بين ذلك .

ثم ساق الروايات في تفسيرهم الإمعة ، ومعنى الإمعة معروف .

قال الجوهري في صحاحه : يقال الإمع والإمعة أيضا للذي يكون لضعف رأيه مع كل أحد ، ومنه قول ابن مسعود : لا يكونن أحدكم إمعة . انتهى منه .

[ ص: 311 ] ولقد أصاب من قال :


شمر وكن في أمور الدين مجتهدا ولا تكن مثل عير قيد فانقادا

وذكر ابن عبد البر بإسناده عن ابن مسعود في تفسير الإمعة ، أنه قال : كنا ندعو الإمعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره ، وهو فيكم اليوم المحقب دينه الرجال .

ثم ذكر أبو عمر بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ويل للأتباع من عثرات العالم ، قيل : كيف ذلك ؟ قال : يقول العالم شيئا برأيه ثم يجد من هو أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه فيترك قوله ذلك ثم تمضي الأتباع .

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد النخعي ، وهو حديث مشهور عند أهل العلم ، يستغنى عن الإسناد لشهرته عندهم : يا كميل إن هذه القلوب أوعية ، فخيرها أوعاها للخير ، والناس ثلاثة : فعالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق ، إلى آخر الحديث .

وفيه : أف لحامل حق لا يصيره له ، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة ، لا يدري أين الحق ، إن قال أخطأ ، وإن أخطأ لم يدر ، مشغوف بما لا يدري حقيقته ، فهو فتنة لمن افتتن به ، وإن من الخير كله من عرفه الله دينه ، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف دينه .

ولا شك أن المقلد غيره تقليدا أعمى يدخل فيما ذكره علي رضي الله عنه في هذا الحديث ; لأنه لا يدري عن دين الله شيئا إلا أن الإمام الفلاني عمل بهذا .

فعلمه محصور في أن من يقلده من الأئمة ذهب إلى كذا ولا يدري أمصيب هو فيه أم مخطئ .

ومثل هذا لم يستضئ بنور العلم ، ولم يلجأ إلى ركن وثيق لجواز الخطأ على متبوعه ، وعدم ميزه هو بين الخطأ والصواب .

ثم ذكر أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال :

ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر ، فإنه لا أسوة في الشر .

[ ص: 312 ] وقال في جامعه أيضا رحمه الله : وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مما قد ذكرناه في كتابنا هذا أنه قال : " تذهب العلماء ثم تتخذ الناس رؤساء جهالا يسألون فيفتون بغير علم ، فيضلون ويضلون " .

وهذا كله نفي للتقليد ، وإبطال له لمن فهمه وهدى لرشده .

ثم ذكر رحمه الله آثارا نحو ما تقدم ثم قال : وقال : عبيد الله بن المعتمر : لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد .

وهذا كله لغير العامة ، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها ; لأنها لا تتبين موقع الحجة ، ولا تصل لعدم الفهم إلى علم ذلك ، لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها ، وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة . والله أعلم .

ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها ، وأنهم المرادون بقول الله عز وجل : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [ 16 \ 43 ] .

وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه في القبلة إذا أشكلت عليه .

فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد من تقليد عالمه ، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا .

وذلك والله أعلم لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحريم والتحليل ، والقول في العلم .

ثم ذكر أبو عمر بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ، ومن استشار أخاه فأشار عليه بغير رشده فقد خانه ، ومن أفتى بفتيا من غير ثبت فإنما إثمها على من أفتاه " .

ثم ذكر بسنده أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : من أفتى بفتيا وهو يعمى عنها كان إثمها عليه ا هـ .

ولا شك أن المقلد أعمى عما يفتى به ; لأن علمه به محصور في أن فلانا قاله مع [ ص: 313 ] علمه بأن فلانا ليس بمعصوم من الخطأ والزلل .

ثم قال أبو عمر رحمه الله : وقال أهل العلم والنظر حد العلم التبيين وإدراك المعلوم على ما هو به ، فمن بان له الشيء فقد علمه .

قالوا : والمقلد لا علم له ، ولم يختلفوا في ذلك إلى أن قال رحمه الله : وقال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي : التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه ، وذلك ممنوع منه في الشريعة ، والاتباع ما ثبت عليه حجة .

وقال في موضع آخر من كتابه : كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله لدليل يوجب عليك ذلك فأنت مقلده ، والتقليد في دين الله غير صحيح ، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه ، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع .

وقال أبو عمر في آخر كلامه في هذا الباب ما نصه : ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد فأغنى ذلك عن الإكثار .

وقال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في كلامه عن التقليد ما نصه : وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية بعد ما تقدم .

فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني رحمه الله ، وأنا أورده قال : يقال لمن حكم بالتقليد هل لك من حجة فيما حكمت به ؟

فإن قال : نعم ، أبطل التقليد ; لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد .

وإن قال : حكمت به بغير حجة .

قيل له : فلم أرقت الدماء ، وأبحت الفروج وأتلفت الأموال ، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة ؟

قال الله عز وجل : إن عندكم من سلطان بهذا [ 10 \ 68 ] ، أي من حجة بهذا ؟

فإن قال : أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة ، لأني قلدت كبيرا من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي .

قيل له : إذا جاز تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك ، فتقليد معلم [ ص: 314 ] معلمك أولى ; لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك : كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك .

فإن قال : نعم ، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه .

وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، وإن أبى ذلك نقض قوله .

وقيل له : كيف تجوز تقليد من هو أصغر ، وأقل علما ؟

ولا تجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علما ، وهذا تناقض ؟

فإن قال : لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه ، فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك .

قيل له : كذلك من تعلم من معلمك ، فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك ، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك . لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك .

فإن قلد قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء ، أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع والتابع من دونه في قياس قوله . والأعلى للأدنى أبدا .

وكفى بقول يئول إلى هذا تناقضا وفسادا ا هـ .

ثم قال أبو عمر رحمه الله بعد هذا ما نصه : يقال لمن قال بالتقليد : لم قلت به ، وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا ؟

فإن قال : قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لم أحصها ، والذي قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم مني .

قيل له : أما العلماء ، إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية عن سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه ، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض ، فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض .

[ ص: 315 ] وكلهم عالم ، والعالم الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه .

فإن قال : قلدته لأني أعلم أنه صواب .

قيل له : علمت ذلك بدليل من كتاب الله أو سنة أو إجماع ؟

فإن قال : نعم . أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل .

وإن قال : قلدته لأنه أعلم مني .

قيل له : فقلد كل من هو أعلم منك ، فإنك تجد من ذلك خلقا كثيرا ، ولا تخص من قلدته إذ علتك فيه أنه أعلم منك .

فإن قال : قلدته ; لأنه أعلم الناس .

قيل له : فإنه إذا أعلم من الصحابة وكفى بقول مثل هذا قبحا .

فإن قال : أنا أقلد بعض الصحابة . قيل له : فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم ، ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله ؟

على أن القول لا يصح لفضل قائله ، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه .

وقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار ، عن ابن القاسم عن مالك ، قال : ليس كل ما قال رجل قولا وإن كان له فضل يتبع عليه لقول الله عز وجل : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [ 39 \ 18 ] . فإن قال قصري وقلة علمي يحملني على التقليد .

قيل له : أما من قلد فيما ينزل من أحكام شريعته عالما يتفق له على علمه ، فيصدر في ذلك عما يخبره فمعذور ، لأنه قد أدى ما عليه وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله ، لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة ; لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك .

ولكن من كانت هذه حاله ، هل تجوز له الفتيا في شرائع دين الله ؟ فيحمل غيره على إباحة الفروج ، وإراقة الدماء ، واسترقاق الرقاب ، وإزالة الأملاك ويصيرها إلى غير من كانت في يديه بقول لا يعرف صحته ، ولا قام له الدليل عليه ؟

[ ص: 316 ] وهو مقر أن قائله يخطئ ويصيب ، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما خالفه فيه ، فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع ، لزمه أن يجيزه للعامة .

وكفى بهذا جهلا وردا للقرآن ، قال الله تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم [ 7 \ 36 ] ، وقال : أتقولون على الله ما لا تعلمون [ 7 \ 28 ] .

وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ويتيقن فليس بعلم ، وإنما هو ظن ، والظن لا يغني من الحق شيئا . انتهى كله من جامع ابن عبد البر رحمه الله .

واعلم أن حاصل جميع حجج المقلدين منحصر في قولهم : نحن معاشر المقلدين ممتثلون قول الله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [ 16 \ 43 ] .

فأمر سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه ، وهذا نص قولنا ، وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - من لا يعلم إلى سؤال من يعلم ، فقال في حديث صاحب الشجة : " ألا سألوا إذا لم يعلموا ، إنما شفاء العيي السؤال " .

وقال أبو العسيف : الذي زنى بامرأة مستأجرة : " وإني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وأن على امرأة هذا الرجم ، فلم ينكر عليه تقليد من هو أعلم منه " :

وهذا عالم الأرض عمر قد قلد أبا بكر .

فروى شعبة عن عاصم الأحول ، عن الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة : أقضي فيها فإن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، والله منه بريء : هو ما دون الولد والوالد ، فقال عمر بن الخطاب : إنني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر .

وصح عنه أنه قال له : رأينا لرأيك تبع ، وصح عن ابن مسعود أنه كان يأخذ بقول عمر .

وقال الشعبي عن مسروق : كان ستة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتون الناس : ابن مسعود ، وعمر بن الخطاب ، وعلي ، وزيد بن ثابت ، وأبي بن كعب ، وأبو موسى .

وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم لقول ثلاثة .

[ ص: 317 ] كان عبد الله يدع قوله لقول عمر ، وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي ، وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب .

وقال جندب : ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد من الناس .

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم : " إن معاذا قد سن لكم سنة فكذلك فافعلوا " في شأن الصلاة حيث أخر فصلى ما فاته من الصلاة مع الإمام بعد الفراغ ، وكانوا يصلون ما فاتهم أولا ، ثم يدخلون مع الإمام .

قال المقلدة : وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر وهم العلماء أو العلماء والأمراء ، وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به ، فإنه لولا التقليد لم يكن هناك طاعة تختص بهم .

وقال تعالى : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه [ 9 \ 100 ] .

وتقليدهم اتباع لهم ففاعله ممن رضي الله عنهم ، ويكفي ذلك الحديث المشهور " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " .

وقال عبد الله بن مسعود : من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات ، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا ، وأعمقها علما وأقلها تكلفا ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ، وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم حقهم ، وتمسكوا بهديهم ; فإنهم كانوا على الهدي المستقيم .

وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " .

وقال : " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمار ، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد " .

وقد كتب عمر إلى شريح : أن اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم يكن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قضى به الصالحون .

[ ص: 318 ] وقد منع عمر عن بيع أمهات الأولاد وتبعه الصحابة .

وألزم بالطلاق الثلاث فتبعوه أيضا .

واحتلم مرة ، فقال له عمرو بن العاص : خذ ثوبا غير ثوبك ، فقال : لو فعلتها صارت سنة .

وقال أبي بن كعب وغيره من الصحابة : ما استبان لك فاعمل به ، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه .

وقد كان الصحابة يفتون ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حي بين أظهرهم ، وهذا تقليد لهم قطعا ; إذ قولهم لا يكون حجة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم .

وقد قال تعالى : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون [ 9 \ 122 ] ، فأوجب عليهم قبول ما أنذروهم به إذا رجعوا إليهم ، وهذا تقليد منهم للعلماء .

وصح عن ابن الزبير ، أنه سئل عن الجد والإخوة ، فقال : أما الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم " لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذته خليلا " فإنه أنزله أبا ، وهذا ظاهر في تقليده له .

وقد أمر الله سبحانه بقبول شهادة الشاهد ، وذلك تقليد له .

وجاءت الشريعة بقبول قول القائف ، والخارص والقاسم والمقوم للمتلفات ، وغيرها والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد ، وذلك تقليد محض .

وأجمعت الأمة على قبول قول المترجم والرسول والمعرف والمعدل ، وإن اختلفوا في جواز الاكتفاء بواحد ، وذلك تقليد محض لهؤلاء .

وأجمعوا على جواز شراء اللحمان ، والثياب والأطعمة وغيرها ، من غير سؤال عن أسباب حلها ، وتحريمها اكتفاء بتقليد أربابها .

ولو كلف الناس كلهم الاجتهاد وأن يكونوا علماء فضلاء لضاعت مصالح العباد ، وتعطلت الصنائع والمتاجر ، وكان الناس كلهم علماء مجتهدين ، وهذا مما لا سبيل إليه شرعا ، والقدر قد منع من وقوعه .

[ ص: 319 ] وقد أجمع الناس على تقليد الزوج للنساء اللاتي يهدين إليه زوجته ، وجواز وطئها تقليدا لهن في كونها هي زوجته .

وأجمعوا على أن الأعمى يقلد في القبلة ، وعلى تقليد الأئمة في الطهارة ، وقراءة الفاتحة ، وما يصح به الاقتداء ، وعلى تقليد الزوجة مسلمة كانت أو ذمية أن حيضها قد انقطع فيباح للزوج وطؤها بالتقليد .

ويباح للولي تزويجها بالتقليد لها في انقضاء عدتها ، وعلى جواز تقليد الناس للمؤذنين في دخول أوقات الصلوات ، ولا يجب عليهم الاجتهاد ومعرفة ذلك بالدليل .

وقد قالت الأمة السوداء لعقبة بن الحارث : أرضعتك وأرضعت امرأتك ، فأمره - صلى الله عليه وسلم - بفراقها ، وتقليدها فيما أخبرته به من ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث