الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : ولم يكن له كفوا أحد . قالوا : كفؤا وكفوا وكفاء ، بمعنى واحد ، وهو المثل .

وقد تعددت أقوال المفسرين في معنى الآية ، وكلها تدور على معنى نفي المماثلة .

فعن كعب وعطاء : لم يكن له مثل ولا عديل .

وروى ابن جرير عن ابن عباس : أنه بمعنى ليس كمثله شيء .

وعن مجاهد : أي لا صاحبة له .

وقد جاء نفي الكفء والمثل والند والعدل ، فالكفء في هذه السورة والمثل في قوله : ليس كمثله شيء ، وقوله : فلا تضربوا لله الأمثال [ 16 \ 74 ] .

والند في قوله : فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون [ 2 \ 22 ] .

والعدل في قوله : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [ 6 \ 1 ] .

وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عند آية الأنعام بيان لذلك ، أي يساوونه بغيره من العدل بكسر أوله ، وهو أحد شقي حمل البعير على أحد التفسيرين ، والآخر من العدول عنه إلى غيره .

وفي هذه السورة مبحثان يوردهما المفسرون . أحدهما : أسباب نزولها ، والآخر : ما جاء في فضلها ، ولم يكن من موضوع هذا الكتاب تتبع ذلك ، إلا ما كان له دوافع تتعلق بالمعنى .

أما ما جاء في فضلها ، فقد قال أبو حيان في تفسيره : لقد أكثر المفسرون إيراد الآثار في ذلك ، وليس هذا محلها ، وهو كما قال ، فقد أوردها ابن كثير والفخر الرازي والقرطبي وابن حجر في الإصابة في ترجمة معاذ بن جبل وغيرهم ، وليس هذا محل إيرادها ، اللهم إلا ما جاء في الصحيح : أن تلاوتها تعدل ثلث القرآن لتعلق موضوعها بالتوحيد .

أما المبحث الآخر وهو سبب نزولها ، فقيل فيه . إن المشركين طلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن ينسب لهم ربه ، فنزلت .

وقوله فيها : لم يلد ولم يولد ، رد على إثبات النسب له سبحانه وتعالى .

وقد جاء مثل هذا المعنى حينما سأل فرعون موسى عن ربه ، فقال له : وما رب العالمين [ 26 \ 23 ] .

فجاء جوابه : قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون [ 26 \ 24 - 27 ] .

وكنت سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه ، أن موجب قول فرعون عن موسى " لمجنون " ; لأنه سأله بما في قوله : قال فرعون وما رب العالمين ، وما يسأل بها عن شرح الماهية فكان مقتضى السؤال بها أن يبين ماهية الرب سبحانه وتعالى ، من أي شيء هو ، كما يقال في جواب : ما الإنسان ؟ إنه حيوان ناطق .

ولكن موسى عليه السلام أعرض عن سؤال فرعون لجهله عن حقيقة الله تعالى أو لتجاهله ، كما في قوله تعالى : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [ 27 \ 14 ] ، وأجابه عما يخصه ويلزمه الاعتراف به من أنه سبحانه رب السماوات والأرض وما بينهما ، لا ربوبية فرعون الكاذبة .

ومثل ذلك في القرآن ، لما سألوا عن الأهلة ، ما بالها تبدو صغيرة ، ثم تكبر ؟ فهو سؤال عن حقيقة تغيرها ، فترك القرآن جوابهم على سؤالهم وأجابهم بما يلزمهم وينفعهم .

وكذلك جواب الخليل عليه السلام للنمروذ حينما حاجه في ربه : إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت [ 2 \ 258 ] .

فذكره سبحانه بصفاته ، وفي هذه السورة لما سألوا عن حقيقة الله ونسبه جاء الجواب بصفاته ; لأن ما يسألون عنه إنما يكون في المخلوقات لا في الخالق سبحانه ، وفي الممكن لا في الواجب الوجود لذاته ، سبحان من لا يدرك كنهه غيره ، وصدق الله العظيم في قوله : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [ 42 \ 11 ] ، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما [ 20 \ 110 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث