الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم

جزء التالي صفحة
السابق

( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) .

هذه الآيات الثلاث في بيان فوائد صدقة الأموال ومنافعها ، والحث عليها وعلى التوبة لمن قصر في الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه ، أو في غير ذلك من أمور دينه . وفي الحث على العمل ، وكونه هو الذي عليه المعول .

أخرج ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة أن أبا لبابة وأصحابه جاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أطلقوا فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا ، فقال : ( ( ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ) ) فأنزل الله : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) وأخرج مثله عنه من طريق محمد بن سعد عن آبائه وزاد : فلما نزلت هذه الآية أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جزءا من أموالهم فتصدق بها عنهم وله في سبب النزول روايات أخرى . وهذا النص حكمه عام وإن كان سببه خاصا ، عام في الآخذ يشمل خلفاء الرسول من بعده ومن بعدهم من أئمة المسلمين ، وفي المأخوذ منهم وهم المسلمون الموسرون ، قال العماد بن كثير : وهذا عام وإن عاد الضمير في : ( أموالهم ) إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا . ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة [ ص: 20 ] من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون ، وإنما كان هذا خاصا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - واحتجوا بقوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة ) الآية . وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد أبو بكر الصديق وسائر الصحابة - رضي الله عنهم - وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . حتى قال الصديق : والله لو منعوني عناقا - وفي رواية عقالا - كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأقاتلنهم على منعه . انتهى . وهذا مشهور في الصحاح والسنن والسير ومجمع عليه ، وهاك معنى الآية .

( خذ من أموالهم صدقة ) أي خذ أيها الرسول من أموال من ذكر ، ومن سائر أموال المؤمنين - على اختلاف أنواعها ، ومنها مال التجارة - صدقة معينة كالزكاة المفروضة أو غير معينة وهي التطوع - فالصدقة ما ينفقه المؤمن قربة لله كما تقدم في نفقة مؤمني الأعراب ( تطهرهم وتزكيهم بها ) أي تطهرهم بها من دنس البخل والطمع والدناءة والقسوة على الفقراء البائسين وما يتصل بذلك من الرذائل ، وتزكي أنفسهم بها : أي تنميها وترفعها بالخيرات والبركات الخلقية والعملية حتى تكون بها أهلا للسعادة الدنيوية والأخروية ، فالمطهر هنا الرسول والمطهر به الصدقة . والتزكية صيغة مبالغة من الزكاء وهو نماء الزرع ونحوه ، قال في مجاز الأساس : رجل زكي زائد الخير والفضل بين الزكاء والزكاة ، ( وحنانا من لدنا وزكاة ) ( 19 : 13 ) ا هـ .

والتزكية للأنفس بالفعل تسند إلى الله تعالى ; لأنه هو الخالق المقدر الموفق للعبد لفعل ما تزكو به نفسه وتصلح ، قال تعالى : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء ) 2 ( 4 : 21 ) وتسند إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المربي للمؤمنين على ما تزكو به أنفسهم ، ويعلو قدرها بسنته العملية والقولية في بيان كتاب الله ، وما لهم فيه من الأسوة الحسنة ومنه هذه الآية ، وقال تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) ( 62 : 2 ) فتزكيته - صلى الله عليه وسلم - للأمة من مقاصد البعثة وتسند إلى العبد لكونه هو الفاعل لما جعله الله سببا لطهارة نفسه وزكائها كالصدقات وغيرها من أعمال البر ومنه قوله تعالى : ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) ( 91 : 9 ، 10 ) وقوله : ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ) ( 87 : 14 و 15 ) وأما قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ) ( 4 : 49 ) وقوله ( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) ( 53 : 32 ) فهو في زكاء النفس بدعوى اللسان ، فالتزكية تطلق على الفعل المزكى وهي الأصل وعلى القول الدال عليه ، ومنه تزكية الشهود .

[ ص: 21 ] ( وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) قرأ حمزة والكسائي وحفص : ( صلاتك ) بالمفرد أي جنسها والباقون : ( صلواتك ) بالجمع وهو باعتبار جماعة المتصدقين . والصلاة اسم من صلى يصلي تصلية ، وقد هجر لفظ التصلية في الإسلام ، ومنه :


تركت الدنان وعزف القيان وأدمنت تصلية وابتهالا

.

ومعناها الأصلي الدعاء ، وهو المراد من الآية ، وسميت العبادة الإسلامية المخصوصة صلاة من تسمية الشيء بأهم أجزائه ، فإن الدعاء مخ العبادة وروحها ، وقيل في التعليل غير ذلك . والصلاة من الله على عباده الرحمة والحنان ، ومن ملائكته الدعاء والاستغفار ، قال تعالى : ( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما ) ( 33 : 43 ) ثم قال : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) ( 33 : 56 ) وصلاتنا على نبينا - صلى الله عليه وسلم - دعاؤنا له بما أمرنا به في الصلاة بعد التشهد الأخير ، وما في معناه كقولنا في دعاء الأذان المأثور : ( ( اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ) ) رواه الجماعة إلا مسلما ، والسكن : ما تسكن إليه النفس وترتاح من أهل ومال ومتاع وثناء .

والمعنى ادع أيها الرسول للمتصدقين واستغفر لهم عاطفا عليهم : إن دعاءك واستغفارك سكن لهم ، يذهب به اضطراب أنفسهم إذا أذنبوا ، وتطمئن قلوبهم بأن تقبل توبتهم إذا تابوا ويرتاحون إلى قبول الله صدقاتهم بأخذك لها ، ووضعك إياها في مواضعها ( والله سميع عليم ) أي سميع لدعائك سماع قبول وإجابة ، عليم بما فيه من الخير والمصلحة ، فالمراد من السماع والعلم لازمهما . وسميع لاعترافهم بذنوبهم ، عليم بندمهم وتوبتهم منها ، وبإخلاصهم في صدقتهم وطيب أنفسهم بها ، فهو الذي يثيبهم عليها ، فجملة ( إن صلاتك ) تعليل للأمر بالدعاء ، وتذييلها بالتذكير بسمع الله وعلمه إشعار بقبول الدعاء وقبول الطاعات والجزاء عليها ، وتصرح به الآية التالية .

روى الشيخان من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : ( ( اللهم صل على فلان ) ) فأتاه أبي بصدقته فقال : ( ( اللهم صل على آل أبي أوفى ) ) فقوله : بصدقته صريح في أن المراد بها زكاة الفريضة ، وهو يدل على أن المراد بالآية صدقة الفريضة أو ما يعم الفريضة وغيرها ، وعلى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مواظبا على هذا الدعاء ; ولذلك قيل إن الأمر في الآية للوجوب وهو خاص به - صلى الله عليه وسلم - وقال بعض الظاهرية بوجوب الدعاء على آخذي الزكاة من الأئمة أيضا ، والجمهور على أنه مستحب لهم . وقد بوب البخاري للحديث بقوله : ( باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة ) ، وقوله تعالى : ( ( خذ من أموالهم صدقة ) ) - إلى قوله : - ( ( سكن لهم ) ) والجمهور [ ص: 22 ] على أن الدعاء بلفظ الصلاة خاص بدعائه - صلى الله عليه وسلم - لغيره وبدعاء المسلمين له ، وقيد الأول بعض العلماء بما عدا هذا اللفظ الذي كان يدعو به للمتصدقين ( ( اللهم صل على فلان ) ) عند إعطاء الصدقة . وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو بغيره أيضا فقد روى النسائي من حديث وائل بن حجر أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة ( ( اللهم بارك فيه وفي إبله ) ) وقال الشافعي : السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول : آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت .

والأفضل الجمع بين الصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله ، وأكثر المسلمين يخص بالسلام الأنبياء والملائكة ، وكذا جماعة آل بيته - صلى الله عليه وسلم - ، والشيعة يلتزمون السلام على السيدة فاطمة وبعلها وولديهما والأئمة المشهورين من ذرية السبطين ، ويوافقهم كثير من أهل السنة وغيرهم في الزهراء والسبطين ووالدهما سلام الله ورضوانه عليهم إذا ذكروا جماعة أو أفرادا ، وأما الصلاة والسلام على الآل بالتبع للرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو مجمع عليه ، ومنه صلاة التشهد ، وكذا عطف الصحابة والتابعين على الآل ذائع في الكتب والخطب والأقوال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث