الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة

جزء التالي صفحة
السابق

( ياأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ) .

اعلم أن هذه الآية قاعدة من قواعد القتال الذي نزلت أهم قواعده وأحكامه في هذه السورة والتي قبلها ، وإنما وضعت هاهنا على سنة القرآن في تفريق الموضوع الواحد الكثير الأحكام في مواضع متفرقة ، وبينا حكمته آنفا عودا على بدء .

( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ) أي الذين يدنون منكم وتتصل بلادهم ببلادكم ; وذلك أن القتال شرع لتأمين الدعوة إلى الإسلام وحرية الدين والدفاع عن أهله ، وقد كانت الدعوة إلى الأقرب فالأقرب من الكفار كما قال تعالى لرسوله : ( لتنذر أم القرى ومن حولها ) ( 42 : 7 ) وقال لأهل مكة ( وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) ( 6 : 19 ) أي وكل من بلغته دعوته بل أمره أن يخص الأقرب إليه في النسب من أهل بلده أم القرى فقال : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ( 26 : 214 ) .

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال : كان الذين يلونه من الكفار العرب فقاتلهم حتى فرغ منهم . وعن قتادة قال : الأدنى فالأدنى . وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر : أنه سئل عن غزو الديلم فقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ) قال ( ( الروم ) ) ا هـ . يعني أن الروم هم المراد بالكفار في الآية لأنهم كانوا عند نزولها في هذه السورة بعد الفراغ من أمر يهود المدينة وخيبرهم الذين يلونهم في تبوك وسائر بلاد الشام .

وترجيح البدء بالأقرب فالأقرب معقول من وجوه كثيرة كالحاجة والإمكان والسهولة والنفقة ، ولذلك كانت القاعدة فيه عامة في الدعوة والقتال والنفقات والصدقات ، وكذا ما يدار في المجلس ونحوه فكان - صلى الله عليه وسلم - يعطي من على يمينه وإن لم يكن أفضل الجالسين ثم الذي يليه فالذي يليه . وأمر بأن يأكل الإنسان مما يليه . وإنما تطرد القاعدة [ ص: 66 ] في الحالة العادية . وأما ما يعرض من ضرورة في كل ذلك فله حكمه فأحكام الضرورات مستثناة في الواجبات والمحرمات والآداب . ( وليجدوا فيكم غلظة ) أي وليجدوا فيكم شدة وخشونة في القتال ومتعلقاته كما تقدم في تفسير آية ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) ( 73 ج 10 ) والغلظة على المقاتلين في زمن الحرب من مقتضيات الطبيعة والمصلحة ، وتنكيرها في الآية يدل على أن لأولي الأمر أن يحددوها في كل زمن وكل حال بما يتفق مع المصلحة ، وإنما أمروا بها على كونها طبيعية لتقييد ما أمروا به في الأحوال العامة من الرفق والعدل والبر في معاملة الكفار حتى صار ذلك من أخلاق الإسلام ، وأمر القتال مبني على الشدة والغلظة في كل الأمم ، وقد حرم فظائعها الإسلام كما تقدم في تفسير سورة الأنفال ، وقد بلغت فظائعها عند الإفرنج في هذا العصر ما يخشى أن يفضي إلى تدمير العمران كله ( واعلموا أن الله مع المتقين ) له في مراعاة أحكامه وسننه بالمعونة والنصر ، وأهمها ما يجب اتقاؤه في الحرب ، من التقصير في أسباب النصر والغلب التي بينها في كتابه ، والتي تعرف بالعلم والتجارب ، كإعداد ما يستطاع من قوة ، والصبر والثبات ، والطاعة والنظام ، وترك التنازع والاختلاف ، وكثرة ذكر الله ، والتوكل عليه فيما وراء الأسباب ، وقد بينا حقيقة معنى التقوى وأنواعها واختلاف المراد منها باختلاف مواضعها في تفسير ( 8 : 29 ص 538 وما بعدها ج 9 ط الهيئة ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث