الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( تفنيد تصويرهم للوحي النفسي وإبطاله من وجوه )

( الوجه الأول ) أن أكثر المقدمات التي أخذوا منها هذه النتيجة هي آراء متخيلة ، أو دعاوى باطلة ، لا قضايا تاريخية ثابتة ، كما بيناه عند ذكرها ، وإذا بطلت المقدمات بطل التسليم بالنتيجة .

مثال ذلك زعمهم أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - سمع من نصارى الشام خبر غلب الفرس وظهورهم على الروم ; ليوهموا الناس أن ما جاء في أول سورة الروم من الإنباء بالمسألة وبأن الروم سيغلبون الفرس بعد ذلك - هو مستمد مما سمعه - صلى الله عليه وسلم - من نصارى الشام . وهذا مردود بدلائل التاريخ والعقل . فأما التاريخ فإنه يحدثنا بأن ظهور الفرس على الروم كان في سنة 610م وذلك بعد رحلة محمد الأخيرة إلى الشام بأربع عشرة سنة وقبل بدء الوحي بسنة . ثم إن التاريخ أنبأنا أن دولة الروم كانت مختلة معتلة في ذلك العهد بحيث لم يكن أحد يرجو أن تعود لها الكرة والغلب على الفرس حتى إن أهل مكة أنفسهم هزئوا بالخبر وراهن أبو بكر أحدهم على ذلك وأجازهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فربح الرهان وأما الفعل فإنه يحكم بأن مثل محمد في سمو إدراكه المتفق عليه لا يمكن أن يجزم بأن الغلب سيعود للروم على الفرس في مدة بضع سنين - لا من قبل الرأي ولا من الوحي النفسي المستمد من الأخبار غير الموثوق بها . وقد صح أن انتصار الروم حصل سنة 622م وكان وحي التبليغ للنبي - صلى الله عليه وسلم - سنة 614م فإذا فرضنا أن سورة الروم نزلت في هذه السنة يكون النصر قد حصل بعد ثماني سنين وإن كان في السنة الثانية تكون المدة سبع سنين ، وهو المعتمد في التفسير والبضع يطلق على ما بين الثلاث والتسع . والحكمة في التعبير عن هذا النبأ بقوله تعالى : ( الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ) ( 30 : 1 - 4 ) ولم يقل بعد سبع سنين أو ثمان مثلا - هي إفادة أن الغلب يكون في الحرب الممتدة في هذه المدة . وأنباء الوحي والعبر لا تكون بأسلوب التاريخ الذي يحدد الوقائع بالسنين ، وليس في وعود القرآن الكثيرة للمسلمين بالنصر وغيره من أنباء الغيب ذكر السنين ولا الشهور فهذه الآية فريدة في بابها .

ومثال آخر ما زعموه من مروره - صلى الله عليه وسلم - في رحلته إلى الشام بأرض مدين وحديثه مع أهلها ، الذي أرادوا به أن يجعلوه أصلا لما جاء في القرآن من أخبارها ، والخبر باطل كما بيناه عند نقلنا إياه في المقدمات ، ولو صح لما كان من المعقول أن يكون ما سمعه في الطريق من أناس مجهولين ، ومعارفهم لا يوثق بها أصلا للوحي الذي جاءه في قصة موسى وفي قصة شعيب عليهما السلام .

( الوجه الثاني ) لو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - تلقى عن علماء النصارى في الشام شيئا أو عاشرهم لنقل ذلك إلى أتباعه الذين لم يتركوا شيئا علم عنه أو قيل فيه ولو لم يثبت إلا دونوه ووكلوا أمر صحته أو عدمها إلى إسناده .

( الوجه الثالث ) لو وقع ما ذكر لاتخذه أعداؤه من كبار المشركين شبهة يحتجون بها على أن ما يدعيه من الوحي قد تعلمه في الشام من النصارى ، فإنهم كانوا يوردون عليه ما هو أضعف وأسخف من هذه الشبهة وهو أنه كان في مكة قين ( حداد ) رومي يصنع السيوف وغيرها فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقف عنده أحيانا يشاهد صنعته فاتهموه بأنه يتعلم منه ، فرد الله عليهم بقوله : ( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ) ( 16 : 103 ) .

( الوجه الرابع ) نصوص القرآن صريحة في أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعرف شيئا من أخبار الرسل وقصصهم قبل الوحي ، وهم متفقون معنا على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يكذب على أحد فضلا عن الكذب على الله عز وجل ، كما اعترف بذلك أعدى أعدائه أبو جهل ، كما أنهم متفقون معنا على قوة إيمانه بالله عز وجل ويقينه بكل ما أوحاه إليه .

ومن الشواهد على ذلك قوله تعالى عقب قصة موسى في مدين وما بعدها من سورة القصص : ( وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين ) ( 28 : 44 ، 45 ) وقوله بعد قصة نوح من سورة هود : ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ) ( 11 : 49 ) ونحوها في قصة يونس من سورته .

( الوجه الخامس ) أنه لم يرد في الأخبار الصحيحة ولا الضعيفة أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - كان يرجو أن يكون هو النبي المنتظر الذي كان يتحدث عنه بعض علماء اليهود والنصارى قبل بعثته ، ولو روي عنه شيء من ذلك لدونه المحدثون لأنهم ما تركوا شيئا بلغهم عنه إلا دونوه كما رووا مثله عن أمية بن أبي الصلت .

( الوجه السادس ) أن حديث بدء الوحي الذي أثبته الشيخان في الصحيحين وغيرهما من المحدثين صريح في أنه - صلى الله عليه وسلم - خاف على نفسه لما رأى الملك أول مرة ولم تجد زوجه خديجة بنت خويلد العاقلة المفكرة وسيلة يطمئن بها على نفسه وتطمئن هي عليه إلا استفتاء أعلم العرب بهذا الشأن وهو ابن عمها ورقة بن نوفل الذي كان تنصر وقرأ كتب اليهود والنصارى .

( الوجه السابع ) لو كانت النبوة أمرا كان يرجوه محمد ويتوقعه ، وكان قد تم استعداده له باختلائه وتعبده في الغار ، وما صوروا به حاله فيه من الفكر المضطرب ، والوجدان الملتهب ، والقلب المتقلب ، حتى إذا كمل استعداده تجلى له رجاؤه واعتقاده ، بما تم به مراده ، لظهر عقب ذلك كل ما كانت تنطوي عليه نفسه الوثابة ، وفكرته الوقادة ، في سورة أو سور من أبلغ سور القرآن ، في بيان أصول الإيمان ، وتوحيد الديان ، واجتثاث شجرة الشرك وعبادة الأوثان ، وإنذار رءوس الكفر والطغيان ، ما سيلقون في الدنيا من الخزي والنكال ، وفي الآخرة من عذاب النار ، كسور المفصل ولا سيما ( ق والقرآن المجيد ) ( 50 : 1 ) والذاريات والطور والنجم والقمر . ثم الحاقة والنبأ - أو في سورة من السور الوسطى التي تقرعهم بالحجج ، وتأخذهم بالعبر ، وتضرب لهم المثل بسنن الله في الرسل ، كسور الأنبياء والحج والمؤمنون ، ولكنه ظل ثلاث سنين لم يتل فيها على الناس سورة ، ولم يدعهم إلى شيء ، ولا تحدث إلى أهل بيته ولا إلى أصدقائه بمسألة من مسائل الإصلاح الديني الذي توجهت إليه نفسه ، ولا من ذم خرافات الشرك الذي ضاق به ذرعه ، إذ لو تحدث بذلك لنقلوه عنه ، وناهيك بألصق الناس به . خديجة وعلي وزيد بن حارثة في بيته ، وأبو بكر الصديق الذي عاشره طول عمره - فهذا السكوت وحده برهان قاطع على بطلان ما صوروا به استعداده للوحي الذاتي الذي زعموه ، واستمداده لعلومه من التلقي والاختبار الذي توهموه .

( الوجه الثامن ) أن ما نقل من ترتيب نزول الوحي بعد ذلك موافقا لمجريات الوقائع والحوادث يؤيد ذلك ، فقد نزل ما بعد صدر سورة المدثر عقب قول الوليد بن المغيرة المخزومي الذي قاله في القرآن - فقد أراده أبو جهل أن يقول فيه قولا يبلغ قومه أنه منكر له وأنه كاره له ، بعد أن علم أنه تحرى استماعه من محمد - صلى الله عليه وسلم - وأعجب به .

قال له الوليد : وماذا أقول ؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر لا برجزه ولا بقصيده مني ولا بأشعار الجن ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، ووالله إن لقوله لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمنير أعلاه ، مشرق أسفله وإنه ليعلو وما يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته .

قال أبو جهل : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه . فقال : دعني حتى أفكر ، فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر بأثره عن غيره ، فنزلت الآيات : ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) ( 74 : 11 ) إلخ رواه الحاكم عن ابن عباس بإسناد صحيح على شرط البخاري .

( الوجه التاسع ) أن هذه المعلومات المحمدية التي تصورها هؤلاء المحللون لمسألة الوحي قليلة المواد ، ضيقة النطاق عن أن تكون مصدرا لوحي القرآن .

وأن القرآن لأعلى وأوسع وأكمل من كل ما كان يعرفه مثل بحيرى ونسطور وكل نصارى الشام ونصارى الأرض ويهودها ، دع الأعراب الذين كان يمر بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالطريق إلى الشام .

وأن القرآن نزل مصدقا لكتب أهل الكتاب من حيث كونها في الأصل من وحي الله إلى موسى وعيسى وداود وسليمان وغيرهم - ونزل أيضا مهيمنا عليها أي رقيبا وحاكما كما نصت عليه الآية ( 48 ) من سورة المائدة ( 5 ) ومما حكم به على أهلها من اليهود النصارى أنهم ( أوتوا نصيبا من الكتاب ) ( 4 : 44 و 51 ) ونسوا نصيبا أو حظا آخر منه وأنهم حرفوا وغيروا ، وبدلوا ( 5 : 13 ، 14 ) وبين كثيرا من المسائل الكبرى مما خالفوا واختلفوا فيه من العقائد والأحكام والأخبار ، ومثل هذه الأحكام العليا عليهم لا يمكن أن تكون مستمدة من أفراد من الرهبان أو غير الرهبان ، أفاضوها على محمد على رحلته التجارية إلى الشام ، سواء أكان عند بعضهم بقية من التوحيد الموسوي والعيسوي الذي كان يقول به آريوس وأتباعه أم لا ، وسواء أكان لدى بعضهم بقية من الأناجيل التي حكمت الكنيسة الرسمية بعدم قانونيتها ( أبو كريف ) كإنجيل طفولة المسيح وإنجيل برنابا أم لا ، فمحمد لم يعقد في الشام ولا في مكة مجمعا مسيحيا كمجامع الكنيسة للترجيح بين الأناجيل والمذاهب المسيحية ويحكم بصحة بعضها دون بعض .

إن وقوع مثل هذا منه في تلك الرحلة مما يعلم واضعو هذه الأخبار ببداهة العقل مع عدم النقل أنه محال ، وعلى فرض وقوعه يقال : كيف يمكن أن يحكم بين تلك الأناجيل وتلك المذاهب برأيه في تلك الخلسة التجارية للنظر فيها ويأمن على حكمه الخطأ ؟ وقد صح عنه أنه قال لأصحابه في شأن أهل الكتاب : ( ( لا تصدقوهم ولا تكذبوهم ) ) يعني فيما سكت عنه القرآن لئلا يكون ما كذبوهم فيه مما حفظوا ، ويكون ما صدقوهم به مما نسوا حقيقته أو حرفوا أو بدلوا .

( الوجه العاشر ) أن في القرآن ما هو مخالف للعهدين العتيق والجديد وهو مما لا يعلم إلى الآن أن أحدا من اليهود والنصارى قال به ، كمخالفة سفر الخروج فيمن تبنت موسى ففيه أنها ابنة فرعون وفي القرآن أنها امرأته - وفيما قرره من عزو صنع العجل الذي عبده بنو إسرائيل إلى هارون عليه السلام بعزوه إياه إلى السامري وإثباته لإنكار هارون عليهم فيه وغير ذلك .

بل ما جاء به محمد أكبر وأعظم من كل ما في الكتب الإلهية ما صح منها وما لم يصح كما سنبينه .

رويدكم أيها المفتاتون ، الذين يقولون ما لا يعلمون ، إن وحي القرآن أعلى مما تزعمون ، وأكبر مما تتصورون ، وتصورون . وإن محمدا أقل علما كسبيا مما تدعون وأكمل استعدادا لتلقي كلام الله عن الروح القدس مما تستكبرون .

وإذا كان وحي القرآن أعلى وأكمل من جميع ما حفظ عن أنبياء الله ورسله لأنه الخاتم لهم المكمل لشرائعهم الخاصة الموقوتة ، فأجدر به أن يكون أكمل مما وضعه سولون الفيلسوف اليوناني الذي شبه محمدا به أحد ملاحدة عصرنا في مصرنا ، مع بعد الشبه بين أمي نشأ بين الأميين ، وفيلسوف نشأ في أمة حكمة وتشريع ودولة وسياسة ، ودخل في كل أمور الأمة والدولة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث