الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا

جزء التالي صفحة
السابق

( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون ) .

هاتان الآيتان في إقامة الحجة على منكري الوحي من المشركين بفعل من أفعالهم لا ينكرونه ولا يجادلون فيه ، تعزيزا لما تقدم من أنواع الحجج العقلية على إثباته ، ودفع شبهاتهم عليه وهذه الحجة مبنية على قاعدة كون التشريع العملي في التحريم والتحليل هو حق الله تعالى وحده ، [ ص: 335 ] وقاعدة كون الأصل في الأرزاق وسائر الأشياء التي ينتفع بها الخلق الإباحة ، وقاعدة كون انتحال العبيد حق التشريع الخاص بربهم افتراء عليه وكفرا به ، يستحق فاعلوه أشد عقابه ، وهو يتضمن الشهادة على صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كونه مبلغا لهذا القرآن عنه تعالى ، مؤكدا لما تقدم من الحجج على صدقه ، وعلى كون القرآن كلام الله المعجز لجميع خلقه . قال عز وجل لنبيه - صلى الله عليه وسلم - :

( قل أرأيتم ) أي أخبروني أيها الجاحدون للوحي والتشريع الإلهي ( ما أنزل الله لكم من رزق ) أي هذا الذي أفاضه الله عليكم من سماء فضله وإحسانه من رزق تعيشون به من نبات وحيوان ، وكل عطاء منه تعالى يعبر عنه بالإنزال كقوله : ( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) ( 39 : 6 ) وقوله : ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ) ( 57 : 25 ) - ( فجعلتم منه حراما وحلالا ) أي فترتب على إنزاله لمنفعتكم أن جعلتم بعضه حراما وبعضه حلالا ، وقد تقدم تفصيل هذا في سورة الأنعام من قوله تعالى : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ) إلى قوله : ( قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ) ( 6 : 136 - 150 ) الآيات وفي معناها قوله من سورة المائدة : ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ) ( 5 : 103 ) أي يفترون عليه بتحريم ما لم يحرمه ، وقال هنا وهو المراد من الاستخبار : ( قل آلله أذن لكم ) هذا الاستفهام للتقرير ومدت همزته لدخولها على ألف اسم الجلالة ، أي أنه ليس لأحد حق أن يحرم على الناس ويحل لهم إلا ربهم الله ، فهل الله هو الذي أذن لكم بذلك بوحي أنزله إليكم ؟ ( أم على الله تفترون ) بزعمكم أنه حرمها عليكم أي لا مندوحة لكم عن الإقرار بأحد الأمرين : إما دعوى الإذن من الله لكم بالتحليل والتحريم وهو اعتراف بالوحي وأنتم تنكرونه وتلحون وتلجون في الإنكار ، وتزعمون أنه محال عليه تعالى أن يوحي إلى أحد من الناس ، وإما الافتراء على الله ؟ وهو الذي يلزمكم بإنكار الأول ؛ إذ لا واسطة بينهما ويحتمل أن يكون الاستفهام للإنكار و ( ( أم ) ) متصلة ، فيكون المعنى أن الله لم يأذن لكم ، بل أنتم تفترون على الله تعالى ، والغاية واحدة وأصل الفري قطع الجلد لمصلحة والافتراء تكلفه وغلب في تعمد الكذب .

قال الكرخي في هذا الاستفهام : وكفى به زاجرا لمن أفتى بغير إتقان ، كبعض فقهاء هذا الزمان ، وقال العماد ابن كثير في تفسيره : وقد أنكر الله على من حرم ما أحل الله أو أحل ما حرم بمجرد الآراء والأهواء التي لا مستند لها ، ولا دليل عليها ا ه . ونحن نقول : وكفى به زاجرا [ ص: 336 ] لمن يحرمون على الناس ما لم يحرمه الله تعالى بنص كتابه ، كالتحريم بالرأي والقياس ، أو بدليل ظني من الكتاب والحديث غير قطعي الرواية والدلالة ، وهو مخالف لهذه الآية وأمثالها ، والمروي عن السلف أن التحريم لا يكون إلا بنص قطعي ، وهو أصل مذهب الحنفية والكرخي منهم ، وقد تقدم بيان هذا مرارا في هذا التفسير ، ومنه قول القاضي أبي يوسف : لم يكونوا يقولون في شيء إنه حرام إلا ما كان بينا في كتاب الله بلا تفسير .

وفي هذه الآية قواعد أشرنا إلى ثلاث منها :

( القاعدة الأولى ) أن الأصل في كل ما خلقه الله تعالى للناس من الأرزاق نباتها وحيوانها الإباحة ، وهو يتضمن بطلان قول من يحرمون أكل اللحوم ، ولهم على هذا شبهتان :

( الشبهة الأولى ) قديمة وهي زعمهم أن أكل لحم الحيوان يتوقف على تذكيته بالذبح وغيره وهو تعذيب مستقبح عقلا ، وجوابه أن هذا القول جهل ، فإن التذكية الشرعية ليست تعذيبا وربما كانت أهون من موته بسبب آخر من أسباب الموت كافتراس سبع أو ترد من مكان عال ، أو انخناق بين شجرتين مثلا ، أو نطاح ، أو وقذ راع قاس أو متعد آخر . وقد حرم الله في آية المائدة ( 5 : 3 ) أكل ما مات بسبب من هذه الأسباب كالذي يموت حتف أنفه ونهى الشرع عن تعذيب أي ذي روح وحث على رحمته كما تقدم قريبا في تفسير الرحمة ، وقال نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - : ( ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته ) ) رواه مسلم من حديث شداد بن ثابت - رضي الله عنه - والذبح بهذه الصفة لا يؤلم الحيوان إلا لحظة قصيرة ، والحيوانات لا تشعر بالألم بقدر ما يشعر به البشر كما قرره بعض علماء هذا الشأن .

( الشبهة الثانية ) حادثة وهي ما يزعمه النباتيون الذين يفضلون الأغذية النباتية على الحيوانية من كون أكل اللحوم ضارا للناس ، وجوابنا عنها أنهم إن زعموا أن أكل اللحم يضر كل آكل منهم مطلقا فهذا زعم تبطله التجارب وينكره أكثر أطباء العالم ، وإن قالوا إنه يضر بعضهم كأصحاب أمراض الترف وضعاف المعدة ( كالرئية والنقرس ) فهذا لا يقتضي تحريمه عليهم كلهم بالإطلاق ، وحكم الشرع في المضار الحظر ، ومنه عام وخاص .

( القاعدة الثانية والثالثة ) أن تشريع التحريم والتحليل الديني هو حق الله تعالى وحده وأن جعله لغيره شرك به ، وقد بسطنا هذا في مواضع من هذا التفسير بدلالة الآيات والسنة والآثار .

[ ص: 337 ] ( القاعدة الرابعة ) أن ما خلقه الله وسخره لنا من سائر منافع الكون فالأصل فيه الإباحة كالرزق ويؤخذ من هذه الآية بالفحوى ، وبناء المنة فيه على كونه منه تعالى ، وهو صريح قوله ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) ( 2 : 29 ) .

( وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ) سجل عليهم جريمة افتراء الكذب على الله وهو اختلاقه ، وقفى عليه بالوعيد عليه مشيرا إلى ما يكون من سوء حالهم وشدة عقابهم يوم القيامة . والمعنى أي شيء ظنهم في ذلك اليوم الذي تجزى فيه كل نفس ما عملت أيظنون أنهم يتركون بغير عقاب على جريمة افتراء الكذب على الله وهو تعمده في حق خاص بربوبيته ، فهو نزاع له فيها وشرك به ، كما قال : ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) ( 42 : 21 ) الآية . فويل للمعممين من جهلاء المقلدين ، الذين يحرمون على الناس ويحلون لهم بتقليد بعض المؤلفين ، أو باتباع الهوى ، والرأي في الدين ، وهم يتلون قوله : ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ) إلى قوله : ( ولهم عذاب أليم ) ( 16 : 116 ، 117 ) .

( إن الله لذو فضل على الناس ) هذه الآية بيان مستأنف يتضمن بمفهومه تعليلا لما فهم مما قبلها من عقاب المفترين على الله بكونه عدلا استحقوه بظلمهم لأنفسهم لا ظلما منه ، وهو إثبات فضله على الناس بهذه الجملة المؤكدة أشد التوكيد ، فأفاد أن صاحب هذا الفضل العظيم عليهم لمجرد إحسانه إليهم ، ليس من شأنه أن يكون ظالما لهم إذا قابلوا أكبر فضله ونعمه ، بأشد الكفر وأنكره ، وهذا المعنى المفهوم من الآيتين من أغرب إيجاز القرآن المعجز للبشر . والمعنى : تالله إن الله لذو فضل عظيم على الناس في كل ما خلقه لهم من الرزق وكل ما شرعه لهم من الدين ، ومنه أنه جعل الأصل فيما أنزله إليهم من الرزق الإباحة وجعل حق التحريم والتحليل له وحده عز وجل ، لكيلا يتحكم فيهم أمثالهم من عباده ، كالذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، كما تقدم في تفسير سورة التوبة - براءة - وهو لم يحرم عليهم إلا ما هو ضار بهم ، ولهذا أباح لهم ما حرمه عليهم إذا اضطروا إليه وكان تركه أضر من تناوله ، وحصر أصول محرمات الطعام في قوله : ( لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ) ( 6 : 145 ) وفصل أنواع الميتة المحرمة في أول سورة المائدة ( 5 : 3 ) فراجع تفسير الآيتين ( ولكن أكثرهم لا يشكرون ) فضله عليهم كما يجب ، كما قال : ( وقليل من عبادي الشكور ) ( 34 : 13 ) فيجنون على أنفسهم بتحريم ما لم يحرمه عليهم وبغير ذلك من كفر نعمه المادية والمعنوية كالغلو في الزهد ، وترك الزينة والطيبات من الرزق ، وفي ضد ذلك من الإسراف في الأكل [ ص: 338 ] والشرب ، وزينة اللباس ، ابتغاء الشهرة والخيلاء والتكبر على الناس ، وشر من ذلك كله تحريمه تعبدا والإسلام يأمر بالوسط والاعتدال ( لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ) ( 65 : 7 ) الآية

أخرج الإمام أحمد من طرق عن أبي الحوص ، وهو عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا رث الهيئة فقال : ( ( هل لك مال ؟ ) ) قلت : نعم ، قال : ( ( من أي المال ) ) ؟ قلت من كل المال من الإبل والرقيق والخيل والغنم فقال : ( ( إذا آتاك الله مالا فلير عليك ) ) الحديث وفي رواية أصحاب السنن الثلاثة عنه : ( ( إذا آتاك الله مالا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته ) ) وأخرج البخاري في التاريخ والطبراني والضياء بسند صحيح عن زهير بن أبي علقمة مرفوعا : ( ( إذا آتاك الله مالا فلير عليك فإن الله يحب أن يرى أثره على عبده حسنا ، ولا يحب البؤس ولا التباؤس ) ) والشكر نصف الإيمان بحسب متعلقاته من الأعمال والأحوال ، وهي ما يجب على العبد لربه ولعباده من استعمال نعمه عليه فيما يرضيه من أحكام شرعه ، وموافقة سننه وحكمته في خلقه ، والنصف الآخر الصبر ، وهو ما يجب في حال وقوع المكاره والابتلاء من عمل بدني ونفسي ويضاد الشكر الكفر وهو قسمان : كفر النعم ، وكفر المنعم ، وأنصح للقارئ أن يطالع كتاب الصبر والشكر في المجلد الرابع من إحياء العلوم للغزالي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث