الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الباب الخامس

في صفات البشر وخلائقهم وعاداتهم وما يترتب عليها من أعمالهم ، وسنن الله فيها وهي نوعان

( النوع الأول : الصفات الذميمة التي تجب معالجتها بالتهذيب الديني )

( الأولى : العجل والاستعجال ) قال الله تعالى : ( خلق الإنسان من عجل ) ( 21 : 37 ) وقال : ( وكان الإنسان عجولا ) ( 17 : 11 ) ومن شواهد هذه الغريزة في هذه السورة قوله تعالى : ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ) ( 11 ) ومنها استعجالهم بالعذاب الذي وعدهم الله في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما تراه في سياقه من الآيتين 50 و 51 .

( الثانية : الظلم ) قال تعالى : ( إن الإنسان لظلوم كفار ) ( 14 : 34 ) وقال في آية الأمانة : ( وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) ( 33 : 72 ) ومن الشواهد على هذه الخليقة أو الشيمة في هذه السورة ما تراه في الآيات 44 و 85 و 106 .

( الثالثة : الكفر بالله وبنعمه ) قال تعالى في وصف الإنسان من سورته سورة الدهر : ( إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) ( 76 : 3 ) ووصفه بالكفور في سور الإسراء والحج والشورى ، وبالكفار ( بالفتح للمبالغة ) في سورة إبراهيم وذكرت آنفا ، ولكن ذكر الكفر بلفظه ومشتقاته في هذه السورة قليل ، ذكر في الآية الثانية الكافرون بالوحي والرسالة ، وفي الآية الرابعة جزاء الذين كفروا في الآخرة بكفرهم ، وذكر في الآية 86 في دعاء بني إسرائيل بالنجاة من حكم الكافرين .

وأما ذكره بالمعنى فهو كثير فيها ، فمنه ما هو بلفظ التكذيب وعدم الرجاء بلقاء الله ، وما هو بلازمه من الفسق والإجرام والبغي والطغيان والاستكبار ، وكذا الظلم الذي خصصناه بالذكر .

( الرابعة : الشرك بالله تعالى ) وهو عادة صارت وراثية في الأمم ، وذكر في الآيات 18 و 28 و 34 و 35 و 66 و 71 وهو أخص من كل ما تقدم .

( الخامسة : الجهل واتباع الظن والخرص ) الأصل في هذه الخليقة أن الله تعالى خلق الإنسان جاهلا لا يعلم شيئا من ضروريات حياته ، حتى إن غرائزه الخلقية أضعف من غرائز الحشرات والعجماوات ، وجعل عماد أمره على التربية والتعليم التدريجي ، ونصوص القرآن في هذا معروفة كقوله : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) ( 16 : 78 ) وآية الأمانة وتقدم ذكرها في الظلم . والنص الصريح في هذه السورة قوله تعالى : ( وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا ) ( 36 ) وقوله : ( إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) ( 66 ) .

( السادسة : الطبع على القلوب ) والإعراض عن آيات الله في خلقه مما يدرك بالسمع والأبصار ، حتى لا تعود تقبل ما يخالف تقاليدها الموروثة والراسخة بمقتضى العمل ، وهو نص قوله تعالى: ( كذلك نطبع على قلوب المعتدين ) ( 74 ) فهو صريح في كونه نتيجة معلولة لاعتداء حدود الفطرة السليمة كما تراه مفصلا في تفسيرها ، لا كما يفهمه الكثيرون من الجبرية والقدرية الصرحاء والمتأولين ، وغاية هذه النتيجة القلبية النفسية في الدنيا الحرمان من الإيمان بمقتضى كلمة الله في نظام التكوين ، وما بينه من كلمة التكليف ، لعدم الانتفاع بالآيات المرشدة للفطرة إلى الهداية ، وما هو تراه في الآيات 23 و 66 - 101 .

( السابعة : الغرور والبطر بالرخاء والنعم ) فهم في أثنائها يمكرون في آيات الله ويشركون به ويبغون في الأرض ، حتى إذا أصابتهم الشدائد تذكروا وأخلصوا في دعائه ، فإذا كشفها عنهم عادوا إلى شركهم وفسادهم ، كما تراه في الآيات 21 - 23 و 88 .

نزلت هذه السورة في أوائل ظهور الإسلام بمكة ، وأكثر أهلها مشركون معاندون كافرون ظالمون مجرمون جاهلون ، مستكبرة رؤساؤهم ، مقلدة دهماؤهم ، فكان مقتضى هذا تقديم الإنذار فيها على التبشير كما تراه في أولها ; ولهذا كان أكثرها في بيان الصفات والخلائق والعادات القبيحة الضارة وهو النوع الأول في هذا الباب ، وكان النوع الثاني مما يعلم أكثره بالاستنباط ، وكون أصل غرائز الإنسان الاستعداد للحق والباطل والخير والشر ، وكونه مختارا في كل منهما ، وكونه فطر على ترجيح ما يثبت عنده أنه خير له بالدلائل العقلية ،

أو التجارب العملية ، وكون الدين مؤيدا للعقل ، حتى لا يغلب عليه الهوى والجهل .

فتأمل الأصل في تكوين الأمم ووحدتها في فطرتها ، ثم طروء الاختلاف عليها في الآية 19 - ثم انظر في مقدمة الدعوة العامة إلى الناس كافة في آخر السورة من الآية 99 - 103 وهي صريحة في استعدادهم المذكور ، وكونه اختياريا لا إكراه فيه ، وتعبيره عن سنة الله في ترجيحهم الرجس على تزكية النفس بجعله على الذين لا يعقلون ، ولا يهتدون بآيات الله في السماوات والأرض ، ولا يعتبرون بسنته فيمن قبلهم من أقوام الرسل ، وكيف كانت عاقبتهم وعاقبة الرسل ومن آمن معهم .

ثم تأمل خلاصة هذه الدعوة من خطاب الناس في الآية 104 إلى آخر السورة ، من إقامة الحجة على المشركين الشاكين في دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكون الشك جهلا ، وكونهم إنما يعبدون وهما ، وكون ما يدعوهم إليه هو مقتضى الفطرة الحنيفية ، وكونهم يعبدون من لا يملك لهم نفعا ولا ضرا ، وكون ما جاءهم به هو الحق ، وكونهم مختارين في الاهتداء والضلال ، وكون ما يختارونه إما لأنفسهم وإما عليها ، وكونه - صلى الله عليه وسلم - ليس موكلا بهدايتهم ولا مسيطرا عليهم .

وهذه الخلاصة إجمال لما تقدم تفصيله في السورة وغيرها ، فارجع إلى تذكيرهم بالدلائل الكونية في الآية الثالثة التي تشير إلى أنها مغروسة في أعماق أنفسهم ، وبالدلائل العقلية بقوله في الخامسة : ( يفصل الآيات لقوم يعلمون ) وفي السادسة ( لقوم يتقون ) وخطابه في الآية السادسة عشرة للعقل بقوله : ( أفلا تعقلون ) وفي الرابعة والعشرين للفكر بقوله : ( كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ) ثم ارجع إلى قوله بعد إقامة طائفة من الدلائل العلمية الكونية : ( قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق ) الآيات 35 - 39 ، ثم إلى بيانه لهم ما في القرآن من أصول التزكية والتهذيب الأربعة في الآية 57 وما بعدها - وقد تقدم تفصيل ذلك وما في معناه في الفصول السابقة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث