الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر "

للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم

قوله : يؤلون أي يحلفون : والمصدر إيلا وألية وإلوة ، وقرأ ابن عباس : " الذين آلوا " يقال : آلى يؤالي ويأتلي بالتاء ائتلاء : أي حلف ، ومنه : ولا يأتل أولو الفضل منكم [ النور : 22 ] ، ومنه :


قليل الألايا حافظ ليمينه

البيت .

وقد اختلف أهل العلم في الإيلاء ، فقال الجمهور : إن الإيلاء هو أن يحلف أن لا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر ، فإن حلف على أربعة أشهر فما دونهما لم يكن موليا وكانت عندهم يمينا محضا ، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور .

وقال الثوري والكوفيون : الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا ، وهو قول عطاء .

وروي عن ابن عباس أنه لا يكون موليا حتى يحلف أن لا يمسها أبدا .

وقالت طائفة : إذا حلف أن لا يقرب امرأته يوما أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء .

وبه قال ابن مسعود والنخعي وابن أبي ليلى والحكم وحماد بن أبي سليمان وقتادة وإسحاق .

قال ابن المنذر : وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم .

قوله : من نسائهم يشمل الحرائر والإماء إذا كن زوجات ، وكذلك يدخل تحت قوله : للذين يؤلون العبد إذا حلف من زوجته ، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور قالوا : وإيلاؤه كالحر .

وقال مالك والزهري وعطاء وأبو حنيفة وإسحاق : إن أجله شهران .

وقال الشعبي : إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة .

والتربص : التأني والتأخر ، قال الشاعر :


تربص بها ريب المنون لعلها     تطلق يوما أو يموت حليلها

وقت الله سبحانه بهذه المدة دفعا للضرار عن الزوجة .

وقد كان أهل الجاهلية يؤلون السنة والسنتين وأكثر من ذلك يقصدون بذلك ضرار النساء .

وقد قيل : إن الأربعة الأشهر هي التي لا تطيق المرأة الصبر عن زوجها زيادة عليها .

قوله : فإن فاءوا أي رجعوا ومنه : حتى تفيء إلى أمر الله [ الحجرات : 9 ] أي ترجع ، ومنه قيل للظل بعد الزوال فيء لأنه رجع عن جانب المشرق إلى جانب المغرب ، يقال : فاء يفيء فيئة وفيوءا ، وإنه لسريع الفيئة : أي الرجعة ، [ ص: 150 ] ومنه قول الشاعر :


ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له     ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا

قال ابن المنذر : وأجمع كل من يحفظ عنه العلم على أن الفيء الجماع لمن لا عذر له ، فإن كان له عذر مرض أو سجن فهي امرأته ، فإذا زال العذر فأبى الوطء ، فرق بينهما إن كانت المدة قد انقضت ، قاله مالك ، وقالت طائفة : إذا أشهد على فيئته بقلبه في حال العذر أجزأه .

وبه قال الحسن وعكرمة والنخعي والأوزاعي وأحمد بن حنبل .

وقد أوجب الجمهور على المولي إذا فاء بجماع امرأته الكفارة .

وقال الحسن والنخعي : لا كفارة عليه .

قوله : وإن عزموا الطلاق العزم : العقد على الشيء ، ويقال عزم يعزم عزما وعزيمة وعزمانا ، واعتزم اعتزاما ، فمعنى عزموا الطلاق : عقدوا عليه قلوبهم .

والطلاق من طلقت المرأة تطلق ، كنصر ينصر ، طلاقا فهي طالق وطالقة أيضا ويجوز طلقت بضم اللام ، مثل عظم يعظم ، وأنكره الأخفش .

والطلاق : حل عقدة النكاح ، وفي ذلك دليل على أنها لا تطلق بمضي أربعة أشهر كما قال مالك ، ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة ، وأيضا فإنه قال : سميع ، وسميع يقتضي مسموعا بعد المضي .

وقال أبو حنيفة : سميع لإيلائه عليم بعزمه الذي دل عليه مضي أربعة أشهر .

واعلم أن أهل كل مذهب قد فسروا هذه الآية بما يطابق مذهبهم وتكلفوا بما لم يدل عليه اللفظ ، ولا دليل آخر ، ومعناها ظاهر واضح ، وهو أن الله جعل الأجل لمن يولي : أي يحلف من امرأته - أربعة أشهر .

ثم قال مخبرا لعباده بحكم هذا المولي بعد هذه المدة فإن فاءوا رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح فإن الله غفور رحيم أي لا يؤاخذهم بتلك اليمين بل يغفر لهم ويرحمهم وإن عزموا الطلاق أي وقع العزم منهم عليه والقصد له فإن الله سميع لذلك منهم عليم به ، فهذا معنى الآية الذي لا شك فيه ولا شبهة ، فمن حلف أن يطأ امرأته ولم يقيد بمدة أو قيد بزيادة على أربعة أشهر كان علينا إمهاله أربعة أشهر ، فإذا مضت فهو بالخيار إما رجع إلى نكاح امرأته ، وكانت زوجته بعد مضي المدة كما كانت زوجته قبلها ، أو طلقها وكان له حكم المطلق لامرأته ابتداء ، وأما إذا وقت بدون أربعة أشهر فإن أراد أن يبر في يمينه اعتزل امرأته التي حلف منها حتى تنقضي المدة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين آلى من نسائه شهرا فإنه اعتزلهن حتى مضى الشهر ، وإن أراد أن يطأ امرأته قبل مضي تلك المدة التي هي دون أربعة أشهر حنث في يمينه ولزمته الكفارة ، وكان ممتثلا لما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير منه وليكفر عن يمينه .

وقد أخرج الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : الإيلاء أن يحلف أنه لا يجامعها أبدا .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عنه في قوله : للذين يؤلون من نسائهم قال : هو الرجل يحلف لامرأته بالله لا ينكحها فتتربص أربعة أشهر فإن هو نكحها كفر عن يمينه ، فإن مضت أربعة أشهر قبل أن ينكحها خيره السلطان إما أنه يفيء وإما أن يعزم فيطلق كما قال الله سبحانه .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والطبراني والبيهقي عنه قال : كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك ، فوقت الله لهم أربعة أشهر فإن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء .

وأخرج عبد بن حميد عن علي قال : الإيلاء إيلاءان : إيلاء في الغضب ، وإيلاء في الرضا ، فأما الإيلاء في الغضب : فإذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه ، وأما ما كان في الرضا فلا يؤاخذ به .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لا إيلاء إلا بغضب .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه قرأ " فإن فاءوا فيهن فإن الله غفور رحيم " .

وأخرج عبد بن حميد عن علي قال : الفيء الجماع .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس مثله .

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود مثله .

وأخرج ابن المنذر عن علي قال : الفيء الرضا .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود مثله .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ، قال : الفيء الإشهاد ، وأخرج عبد الرزاق عنه قال : الفيء الجماع ، فإن كان له عذر أجزأه أن يفيء بلسانه .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : إذا حال بينه وبينها مرض أو سفر أو حبس أو شيء يعذر به فإشهاده فيء .

وللسلف في الفيء أقوال مختلفة ، فينبغي الرجوع إلى معنى الفيء لغة ، وقد بيناه .

وأخرج ابن جرير عن عمر بن الخطاب أنه قال في الإيلاء : إذا مضت أربعة أشهر لا شيء عليه حتى يوقف فيطلق أو يمسك .

وأخرج الشافعي وابن جرير والبيهقي عن عثمان بن عفان نحوه .

وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن علي نحوه .

وأخرج البخاري وعبد بن حميد عن ابن عمر نحوه أيضا .

وأخرج ابن جرير والبيهقي عن عائشة نحوه .

وأخرج ابن جرير والدارقطني والبيهقي من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال : سألت اثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الرجل يولي من امرأته فكلهم يقول : ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة الأشهر فتوقف فإن فاء وإلا طلق .

وأخرج البيهقي عن ثابت بن عبيدة مولى زيد بن ثابت عن اثني عشر رجلا من الصحابة نحوه .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن مسعود وابن عمر وابن عباس قالوا : الإيلاء تطليقة بائنة إذا مرت أربعة أشهر ، قبل أن يفيء فهي أملك بنفسها ، وللصحابة والتابعين في هذا أقوال مختلفة متناقضة ، والمتعين الرجوع إلى ما في الآية الكريمة ، وهو ما عرفناك فاشدد عليه يديك .

وأخرج عبد الرزاق عن عمر قال : إيلاء العبد شهران .

وأخرج مالك عن ابن شهاب قال : إيلاء العبد [ ص: 150 ] نحو إيلاء الحر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث